أيمن بن عبد الرحمان
الحكومة الجديدة غلب عليها الوزراء التكنوقراط على حساب الوزراء السياسيين، في اتجاه معاكس للسيناريوهات المطروحة مسبقا والتي كانت تتوقع ان تكون حكومة تعكس نتائج الانتخابات النيابية.
الجزائر ـ «القدس العربي»: طويت صفحة الانتخابات النيابية لـ12 حزيران/يونيو بالإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة التي يقودها التكنوقراطي أيمن بن عبد الرحمان، وانتخاب رئيس برلمان جديد ابراهيم بوغالي من المستقلين، لتبدأ مرحلة الجد والاختبار للحكومة الثانية منذ انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون.
كثيرة هي الأسئلة التي طرحت والجدل الذي أثير حول تكليف الرئيس الجزائري لوزير المالية في الحكومة السابقة لقيادة الحكومة الجديدة التي غلب عليها الوزراء التكنوقراط على حساب الوزراء السياسيين، في اتجاه معاكس للسيناريوهات المطروحة مسبقا والتي كانت تتوقع ان تكون حكومة تعكس نتائج الانتخابات النيابية، لكن الأحزاب الفائزة مجتمعة ما عدا حركة مجتمع السلم «حمس» التي رفضت عرض الرئاسة للمشاركة في الحكومة واختارت المعارضة، حصدت 7 حقائب وزارية فقط وشملت قطاعات غير إستراتيجية.
وحصل حزب جبهة التحرير الوطني (98 مقعدا) على حقيبتين وزاريتين وهي البيئة وزارة الصيد البحري (67 مقعدا) أما حزب التجمع الوطني الديمقراطي فحصل على حقيبتي الثقافة والشباب والرياضة، في حين حصلت جبهة المستقل (57 مقعدا) على حقيبتي الانتقال الطاقوي والعلاقات مع البرلمان، أما حركة البناء الوطني (45 مقعدا ) فتحصلت على حقيبة وحيدة وهي التكوين المهني.
وساهمت خريطة الأحزاب في البرلمان الجديد التي دعمت أغلبها بما فيها الأحرار، عدا حركة «حمس» برنامج الرئيس وبالتالي برلمان تقوده أغلبية رئاسية، بأن يكون شكل الحكومة بما فيها من يقودها بين يدي الرئيس لوضع ملامحها ولونها، وهو ما أفرز حكومة يغلب عليها التكنوقراط على حساب حكومة سياسية، لتطبق برنامج الرئيس والنقاط 54 التي تضمنها برنامجه الانتخابي.
حكومة لا تعكس نتائج الانتخابات
ويلاحظ أحمد حمداني رئيس القسم السياسي لجريدة «الخبر» أن أحزاب الموالاة والتشكيلات السياسية التي حصدت أكبر عدد من المقاعد في المجلس الشعبي الوطني الجديد، فشلت في الظفر بحقائب وزارية ثقيلة مثلما كانت تأمل، إذ لم تتعد حصة الأحزاب في التشكيلة الحكومية الجديدة 7 حقائب فقط. ما يؤكد حسبه «انها كيانات واكبت مسار السلطة وشاركت من دون ان تفاوض من موقع قوة، كما أظهرت تشكيلة الحكومة المعلن عنها، أن الأحزاب الفائزة والتي تسمى كبرى فقدت قوة التفاوض واكتفت بتقديم سير ذاتية لإطاراتها في إطار المشاورات التي أشرف عليها الرئيس تبون وكأنها تنتظر منة رئاسية» فاقدة حسبه بذلك «دور المغالبة والاستماتة في تمرير أسماء إطاراتها لتنفيذ وعودها وبرامجها الانتخابية وهو ما يراه متابعون وجها آخر من التبعية والموالاة المطلقة للسلطة».
في حين يرى الكاتب الصحافي رياض بوخدشة أن تشكيلة الحكومة الجديدة بمثابة رسالة واضحة «لقادة الأحزاب السياسية بأن عهد الاستقواء بالولاء اللامشروط للسلطة قد ولى، وأن على هذه الأحزاب ان تعيد النظر في أهداف وجودها، وإلا فهي تسير إلى فقدان أي تأثير في القرارات المصيرية للبلاد، وتفقد تدريجيا القيم والمبادئ التي تأسست عليها». وقال في حديث مع «القدس العربي» إن «الأحزاب الموصوفة بالثقيلة خلال العهدة البرلمانية الحالية مجرد كتل بشرية تتآكل ايديولوجيا وفكريا حتى لم يعد يوجد فرق بينها وبين العشرات من الأحزاب الجديدة الناشئة والتي ستظهر مستقبلا».
لكن الخيارات في مجملها لقت انتقادات بحكم بقاء أن 17 وزيرا أعيد الثقة فيهم من أصل 36 وزيرا، بمن فيهم وزراء كانوا محل انتقاد واسع من طرف الشعب بسبب أدائهم وفشلهم في حل الأزمات المرتبطة بقطاعاتهم الوزارية.
وحسب أحمد حمداني في حديثه مع «القدس العربي» حول تشكيلة الحكومة الجديدة فيرى بأن «الرئيس عبد المجيد تبون اختار الاستمرارية في تشكيل الحكومة الجديدة وأبقى على رجالاته على رأس القطاعات الحساسة بمنطق الولاء والثقة، وعلى رأسهم أيمن عبد الرحمان الذي عينه وزيرا أول ثم أبقى وزارة المالية تحت إدارته، في رسالة واضحة إلى تحميله مسؤولية إدارة الأزمة المالية والتحكم أكثر في خطة القضاء على أزمة السيولة المالية التي ألهبت الجبهة الاجتماعية منذ وصول تبون إلى الرئاسة» وفي هذا الخيار يقول المتحدث «أن للوزير الأول ووزير المالية معا، حق النظر والتحكيم بين القطاعات الأخرى في إعداد الموازنة وإدارة القطاع المالي والبنكي وجميع الأجهزة التابعة لوزارة المالية كالضرائب، علما أنها وزارة تتحكم في المنظومة المالية والأملاك الوطنية العقارية والجمارك».
وتواجه الحكومة الجديدة العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية على الصعيد الداخلي، وتحديات على المستوى الإقليمي خاصة فيما يتعلق بالوضع في ليبيا ومالي وقضية الصحراء الغربية والعلاقات المتوترة مع المغرب، وهو ما فسره البعض بالعودة إلى خيار رمطان لعمامرة على رأس الخارجية وهو من بين إطارات الدبلوماسية الجزائرية الأكثر تحكما في هذه الملفات وان كان إعادة تعيينه خلق جدلا لانه من المحسوبين على نظام بوتفليقة. بالرغم من ان صبري بوقادوم لقي إشادة كبيرة من طرف قطاع واسع من الجزائريين وكان من بين الوزراء الذين لقوا قبولا واسعا.
وبخصوص الملفات المنتظر ان تواجه الحكومة الجديدة يقول الإعلامي بوخدشة بانها ستتصدرها «مشاكل البطالة، نظير الأوضاع الصعبة التي تعيشها عشرات المؤسسات الاقتصادية العمومية والتابعة للقطاع الخاص، ومشاكل عقود العمل المؤقت، والقوانين الأساسية لمختلف الفئات الوظيفية واختلالات الأنظمة التعويضية، وما تعانيه المنظومة الصحية من عجز كبير في التكفل بحاجة الجزائريين إلى العلاج مع الأخذ بعين الاعتبار الحالة الوبائية المعروفة عالميا منذ العام 2019».
ويقول المتحدث بأن الحكومة ستكون أمام التحدي الأكبر «المرتبط بتراجع احتياطي الصرف، وهواجس العودة للاستدانة، وتأثير هذا الوضع على قانون الميزانية الجديد، وستبرز إلى الواجهة في العام المقبل الأزمة الخانقة التي يعيشها قطاع الصحافة والإعلام، حيث عشرات المؤسسات مرشحة لإعلان إفلاسها مع استمرار تراجع عائدات الإشهار، وجفاف مصادر الإشهار الخاص نتيجة انكماش الاقتصاد الوطني».
من جهته عدد رئيس القسم السياسي لجريدة «الخبر» جملة من التحديات التي تواجه حكومة بن عبد الرحمان خارجيا فحسبه «المؤشرات تشير إلى أن السلطة تجنبت إهدار المزيد من الوقت وتحمل المزيد من الفشل، فالجبهة الخارجية والإقليمية فرضت عليها إخراج لعمامرة من الظل مجددا فعودته تتصل بمهام أساسية في المرحلة المقبلة، وهي تعزيز الدور الجزائري في الاتحاد الأفريقي وتقوية المقاربة الجزائرية في منطقة الساحل وخاصة في ليبيا ومالي».
وتنتظر لعمامرة أيضا حسب حماداني «مهمة لا تقل حساسية عن الأولى وهي مواجهة الاستفزازات المغربية دوليا وإقليميا، إذ يعتبر رمطان لعمامرة من الدبلوماسيين الجزائريين الأكثر تحكما في الملف الصحراوي منذ فترة ترؤسه للبعثة الجزائرية في الأمم المتحدة».