الجزائر-“القدس العربي”: شهدت الجزائر في الفترة الأخيرة “حملة” اعتقالات طالت العديد من الصحافيين، وأثارت الكثير من الجدل، بين من يعتبر أن هؤلاء الصحافيين ضحايا نظام لم يعد يتحمل الهامش القليل الذي كان يسمح به من حرية التعبير، ومن يعتقد أن الصحافي هو مواطن في الدرجة الأولى، وأن الانتماء إلى مهنة الصحافة لا يجعل الصحافي فوق القانون، ولا يعفيه من المتابعة في حال ما إذا ارتكب ما يعاقب عليه القانون.
إذا عدنا إلى الوراء قليلا، وإلى بداية التعددية الإعلامية سنة 1990، والتي شهدت ظهور صحف خاصة، كانت عبارة عن تعاونيات صحافية أسسها صحافيون غادروا القطاع العام، بعد أن استفادوا من رواتبهم لسنتين دفعة واحدة، سنجد أن العلاقة كانت دائما تتراوح بين التوافق وبين الصدام، فالسلطة التي فتحت الباب أمام تأسيس صحافة خاصة ومستقلة أحيانا، لم تتحمل في أحيان كثيرة حرية وجموح هذه الصحافة، خاصة وأنها (أي الصحافة) تأسست قبيل سنتين أو ثلاث من دخول البلاد في حرب أهلية غير معلنة، بعد أن فاز الإسلاميون في الانتخابات، وقرر الجيش التدخل لإلغاء نتائج الدور الأول منها، واستقال الرئيس الشاذلي بن جديد، وحل البرلمان، وأعلن الإسلاميون رفع السلاح والالتحاق بالجبال، وانفتحت أبواب جهنم!
ملائكة أم شياطين؟
ومع اندلاع الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد اكتشفت الصحافة أن اللعبة تغيرت، وأنها بين نارين، نار النظام الذي بقي يمثل آخر قلاع الدفاع عن الجمهورية، رغم كل عيوبه ومساوئه، ونار الإرهاب الذي جعل من الصحافيين والمثقفين هدفا له، بل إن أحد التنظيمات الإرهابية الذي ظهر بداية التسعينيات تخصص في قتل الصحافيين والمثقفين والفنانين، ومن جهتها كانت السلطة تحاول توظيف الصحافة واستغلالها، ورغم الاتفاق من حيث المبدأ على ضرورة محاربة الإرهاب، إلا أن الخلافات كانت تقع بشأن الكثير من المواضيع، خاصة الأمنية منها، وعلقت عشرات الصحف، واعتقل العشرات من الصحافيين لأسباب تبدو اليوم تافهة، وظلت العلاقة طوال سنوات الأزمة بين مد وجزر وبين صراع واتفاق.
لما وصل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999، كشف منذ البداية عن توجهاته الإعلامية، فقد اختار أن يخاطب الإعلام الأجنبي بكل ألوانه ولغاته وتوجهاته، وأغفل الإعلام المحلي، ولم ينتظر كثيرا حتى شرع في مهاجمة الصحافيين الذين وصفهم بـ”طيابات الحمام” (النساء اللواتي يعملن في الحمامات العامة ويثرثرن كثيرا) وللأمانة الصحافة لم تكن في البداية متساهلة مع الرئيس الجديد، وهاجمته كثيرا، أحيانا لأسباب مبررة وأحيانا لأسباب أخرى، وسارع الرئيس المنتخب إلى تمرير مادة في قانون العقوبات الجديد سنة 2001 لحبس الصحافيين، وهي المادة التي قامت عليها الدنيا ولم تقعد، وبلغ التشنج مداه سنة 2004 عندما ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية ثانية، ونافسه في تلك الانتخابات رئيس حكومته السابق علي بن فليس، وانحياز معظم وسائل الإعلام إلى بن فليس على حساب بوتفليقة.
وفي بداية الولاية الثالثة للرئيس هبت رياح الربيع العربي على الجزائر، وتحسسها النظام قبل أن تعصف بأنظمة عربية أخرى، فسارع إلى إطلاق حزمة من الإصلاحات، ومن بينها تعديل قانون الإعلام، وإلغاء عقوبة الحبس على الصحافيين، وإلغاء كل المتابعات ضد الصحافيين، والسماح بتأسيس قنوات تلفزيونية خاصة، وإنهاء احتكار الدولة لهذا القطاع، وكذا أسس الرئيس ليوم خاص بالصحافة الجزائرية اختار له 22 من تشرين الأول/أكتوبر من كل سنة.
اعتقالات والتهم متنوعة
قبل أيام اندلعت حملة اعتقالات طالت العديد من الصحافيين، وهي الحملة التي مهدت لها قناة وصحيفة “النهار” التي قررت فتح جبهة ضد المدون الجزائري المقيم في الخارج أمير بوخرص والمعروف باسم “أمير دي زاد”، وقالت إن الأخير يدير شبكة لجمع المعلومات والابتزاز وسلب الأموال من رجال الأعمال بعد تهديدهم بنشر ما يسيء إليهم من صور ومعلومات، وبعد يومين أو أقل بثت القناة صور الصحافيين وهم ينزلون من سيارات الدرك والأغلال في أيديهم، يتقدمهم صاحب موقع “دزاير براس” عدلان ملاح نجل الوزير السابق بلقاسم ملاح، ثم الصحافي عبدو سمار وزميله مروان بو دياب، كما تم توقيف فنانين ورياضيين قالت القناة إنهم تورطوا في هذه القضية، كما تم توقيف صحافيين آخرين، بعدهم بتهم مختلفة، مثل الصحافي زكريا حديبي صاحب موقع “الجزائر 24″، والصحافي عبد الكريم زغيلش صاحب إذاعة “سارباكان” والذي وجهت له تهمة القذف.
وبعد حملة تضامنية واسعة، وتناول الإعلام الدولي لهذه القضية، والأثر العكسي الذي نتج عنها، شرع القضاء في إخلاء سبيل الصحافيين، واحدا تلو الآخر، بمن فيهم سعيد شيتور الذي سبق له الاشتغال كصحافي ومرافق للبعثات الإعلامية التي تأتي من الخارج، والذي كان قد اعتقل منذ قرابة سنة ونصف، والذي وجهت له تهمة التخابر مع جهات أجنبية، واطلق سراحه، بعد أن حوكم وصدر في حقه حكم بالسجن لمدة 16 شهرا، والتي تساوي الفترة التي قضاها شيتور في الحبس المؤقت، كما اطلق سراح كل من عبدو سمار ومروان بو ذياب وزكريا حديبي وعدلان ملاح، إما لاستكمال التحقيق أو لتأجيل المحاكمة، لكن بقي زغيلش في السجن، رغم أن الحكم الصادر في حقه هو ثلاثة أشهر غير نافذة، لكن القاضي قرر الإبقاء عليه خلف القضبان، بسبب تهمة أخرى وجهت له وهي إهانة رئيس الجمهورية وفتح قناة إذاعية على شبكة الانترنت دون ترخيص.
قراءات مختلفة
الجدل احتدم في الساحة الإعلامية بين من هاجم الصحافيين المعتقلين، واعتبر أنهم مارسوا الابتزاز والتشهير، وهذا الهجوم جاء على التحديد من طرف قناة وصحيفة “النهار” ومديرها أنيس رحماني، الذي قال إن المتهمين تورطوا في شبكة المدون أمير دي زاد، الذي أساء إليه وإلى عائلته وزوجته ووالده الراحل، وأنه لم يفعل سوى اللجوء إلى القضاء من أجل رفع شكوى، وأن الصحافي أو الفنان أو الرياضي هو مواطن في الدرجة الأولى، وأنه إذا ارتكب ما يعاقب عليه القانون فيجب أن يتحمل مسؤولياته، فيما أبدت الأغلبية تضامنها مع الزملاء، معتبرة أن مهنة الصحافة ليست جريمة، وأن هؤلاء اعتقلوا بسبب كتاباتهم الصحافية، وأنه لا يجب أن يودعوا الحبس، ولا أن يتم التشهير بهم وكأنهم مجرمين، أما الكثير من الصحافيين فالتزموا الصمت حيال ما يجري، لأنهم شعروا أن هناك أشياء غابت عنهم، وأن القضية فيها الكثير من الجوانب المظلمة.
وقال الصحافي حكيم صيادي لـ “القدس العربي” لو كان الصحافي الخلوق محمد شرّاق، المتوفى مؤخرا، حيا، لقال في سجن الصحافيين مؤخرا لأسباب مختلفة: احترموا قانون الإعلام 2012، الذي يُجرّم سجن الصحافي، ولا يجيز حبسه! مشيرا إلى أنه لما كان صحافي “الخبر” محمد شرّاق على فراش المرض، يتألم مرتين، من حال قلبه الضعيف، ولحال الجزائر، كان صحافيون وناشطون يتألمون في السجون، وتهمتهم لا تتعدى أن تكون قذفا، مخلوطا ببهارات حملة تشهير وتسييس غير مسبوقة، لاعتبارات لم تتضح بعد، طالما أن “الشاكي” لدى القضاء وحده يشكل معادلة بمجاهيل كثيرة في عدد من القضايا التي سُجن فيها صحافيون وناشطون في حرية التعبير.
واعتبر أنه طالما أن المتهم لم تحدد له تهم واضحة، مثل حالة مروان بو ذياب، الذي لم يستوعب حتى الآن ما الذي جرى له، ولماذا سُجن، وعلى أي أساس سُجن، ومن قرر سجنه بهذه السهولة، ثم إطلاق سراحه، علما أن قرار الإحالة لم يذكر تهمة موجهة له وفق قواعد القضاء وشكلياته، عدا كلمة “شريك” عبدو سمار، صاحب موقع “ألجيري بارت” الإخباري الإلكتروني، باللغة الفرنسية.
وذكر صيادي أن يوم 22 تشرين الأول/اكتوبر وهو عيد وطني للصحافة الجزائرية، كان هذه السنة يوما مثيرا على أكثر من صعيد في جزائر تخاف الإعلام والتسريبات، عشية انتخابات الرئاسة، وفي هذا اليوم جرى إيقاف الصحافي عدلان ملاح، صاحب موقعي “دزاير براس” و”ألجيري ديراكت”. المصادفة لم تكن جميلة بتاتا: في يوم عيد الصحافة يعتقل صحافي!
وأضاف قائلا: “قيل عن الموقوفين من صحافيين وفنانين ورياضي، ما قيل، واتضح للرأي العام أن “التهم المسوّقة”، طوال شهر كامل، لم تكن مدونة في قرارات الإحالة، وهي أساس المحاكمات في المحاكم الجزائرية والأجنبية. واتضح أيضا أن الصحافي المتهم بالقذف والتشهير أوقف لأسباب أخرى غير التي ذُكرت من قبلُ، (حالة عبدو سمار)، واتضح أن سجن الصحافيين الذي تم بمبرر “استكمال التحقيقات”، زيادة على أيام سجن بمبرر “تحت النظر”، لم يكن سجنا، بل فرصة تضامن بين المسجونين في قضايا رأي أو كتابات إعلامية، كان أولى لو حوكم أصحابها من خارج السجون، عوض ما حصل.
وأشار حكيم صيادي إلى أن الصحافي الجزائري، اليوم، هو بين فكي قراءتين، الأولى تقول إنه مواطن خاضع للقانون، وبالتالي يحاكم إن أخطأ، ولكن هذه القراءة تصطدم بما حصل، وأن سجن صحافيين دون محاكمة، رغم ان سجنهم محرم بقوة قانون الإعلام لسنة 2012 الذي منع سجن الصحافيين، مع استثناءات وقعت لاحقا، في حالة الصحافي محمد تامالت، وسعيد شيتور، الذي قضى أكثر من 500 يوم دون محاكمة، واطلق سراحه في خضم حملة المساندة التي تحركت لصالح الصحافيين المسجونين، بمبادرة من الصحافي سعيد بودور.
واعتبر أن القراءة الثانية، تميل إلى القول إن سجن الصحافيين، حرك في الرأي العام قدسية التساؤل عن القادم والمستقبل والمصير، من خلال التساؤل عن ما يحدث ومن المستفيد منه، ولماذا في هذا الوقت بالذات، ولماذا وضعت الصحافة الجزائرية في واجهة الأحداث في هذا الظرف بالذات، الذي شهد إقالات وحبس لكبار الجنرالات في الجيش، والذين توارت صورهم وحكاياتهم عن الأنظار، بمجرد ما صعد “نجم” الصحافيين المسجونين، والكوميدي كمال بوعكاز، والرياضي فضيل دوب، الذي أبكى الناس وهو يبكي ويقول: لم أفهم حتى الآن لماذا سجنت؟
واعتبر أنه من هنا، تبدأ فصول قراءة ثالثة، عن صناعة رأي عام، وتوجيه دفة الاتصال من “الشاكي” الصامت، حاليا، و”المتهمون”، الذين أصبحوا نجوما ومحبوبين جماهيريا، أكثر من أي وقت مضى، يكفي أن يقول أحدهم “سأترشح لانتخابات الرئاسة” حتى يقيس شعبيته بشكل جيد، ولكن ما حصل ودور القانون فيه من التحقيق إلى القاضي، ومدير السجن، ترك بابا مفتوحا للسياسيين، لم يستخدموه بعدُ، وقد يأتي ذلك اليوم الذي تنفرج فيه عقدة السياسي، من قراءة الوضع قراءة أخرى، غير نمطية، يُبيّن فيها مقدرته على الحصول على صوت فنان، وصحافي، و”متهم سابقا”، فضلا عن أصوات مناضليه، عندها فقط يكون لـ”قرار” القضاء السياسي طعم آخر.
“المتابعات ضد الصحافيين فيها وفيها”
من جهتها قالت الصحافية حدة حزام مديرة صحيفة “الفجر” إن المتابعات ضد الصحافيين فيها وفيها، موضحة أنها لا تتهم أحدا على وجه التحديد، لكنها لا تدري ما مدى صحة التهم الموجهة إليهم، معتبرة أن الصحافي مواطن كغيره من المواطنين ولا يجب ان يكون فوق القانون، وأنه إذا كانت المتابعات القضائية بسبب مقالات أو أخبار نشرها هؤلاء الصحافيين، فإن ما جرى أمر مرفوض، معترفة في المقابل أن هناك فوضى في المهنة، ودوس على قوانين وأخلاقيات المهنة وهذا ما أضعف موقف الصحافيين.
وشددت حزام على أنها تبقى حذرة بشأن التهم الموجهة إلى الصحافيين، لكن هناك حقا من يستعمل الابتزاز، والقضية ليست بجديدة، مع التأكيد على أنها لا تقصد الصحافيين الذين سجنوا مؤخرا وأطلق سراحهم، لكن كلاما يدور في الأوساط الإعلامية يتحدث عن ابتزاز رجال الأعمال، وهذا أمر خطير، تقول مديرة “الفجر”.
في المقابل تعتقد حدة حزام أن السلطة تريد ضرب الإعلاميين للتخويف قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة، دون أن تستبعد أن هناك اختلافا بين أجنحة السلطة حول هذا الموقف، والدليل هو إطلاق سراحهم، والملاسنات التي وقعت بين وزير العدل ورئيس الوزراء مؤخرا.