الجزائر على ‘كرسي متحرك’.. ترقبوا الحفيد

لا أعرف ظروف أهلنا في الجزائر، لكن قد تكون أمتنا هي الوحيدة من بين شعوب الأرض التي وصلت إلى أدنى مستويات الخيار حتى تضطر لإختيار رئيس لبلد عظيم مثل الجزائر يجلس على كرسي متحرك.
محطة ‘الجزيرة’ توسعت كالعادة في بث وإعادة بث صورة الكرسي المتحرك التي أشغلت العالم وهي تظهر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بلا قوة وحيل- طبعا بإستثناء قوة الشعب- يدلي بصوته على كرسي متحرك.
مذيعة ‘الجزيرة’ حاولت بإجتهاد وهي تتحدث للخصم المنافس علي بن فليس للضغط عليه للتحدث عن صورة الرئيس العاجز على كرسي متحرك، لكن الأخير غادر المشهد تماما وأصر على جزئية ‘التزوير’.
بوتفليقة حصل على 81 ‘ من الأصوات.. لنفترض جدلا أن الإنتخابات زورت لصالحه.. كم هي النسبة مهما ضربنا وطرحنا سنجد أن 50 ‘ من الجزائريين على الأقل صوتوا للرجل، فنحن شعوب شغوفة بالرموز والزعامات حتى لو كانت على كرسي بعجلات ولا تستطيع قضاء حاجتها.
شخصيا لا يعنيني الأمر فهذه في النهاية خيارات الشعب الجزائري..على الأقل حصلت إنتخابات لا تحصل في غالبية البلدان العربية وعلى الأقل بوتفليقة كان ‘شفافا’ جدا وصريحا مع ناخبيه لإنه لم يزور في الحقائق والوقائع وظهر بين الناس على كرسي متحرك. وقال للناس: إنتخبوني وانا لا أستطيع الوقوف وأعدكم بان أجلس في قصري وأشاهد التلفزيون واحكمكم عبر تلك العجلات الصغيرة.. أنا الزعيم الشفاف الضرورة.
ما أثار إنتباهي في الواقع هي تلك ‘الكشخة’ التي ظهرت على وجه طفل رافق كرسي بوتفليقة المتحرك وكان ينظر بإزدراء لكل من حوله ثم يبتسم.. الكاميرات تجاهلت الطفل الذي رفع ذقنه ورأسه وعبر بهدوء وثقة مع كرسي الرئيس، وكان ينظر شزرا في المكان وبأنفة رفيعة.
على الأرجح هو حفيد أو احد أحفاد بوتفليقة وعلى الأرجح سيرث الكرسي المتحرك والرئاسة ومعهما الجزائر نفسها.

تسحيج

يصدق الزميل الأردني جهاد المومني، وهو يؤكد لي شخصيا بأنه وطوال إعداده لبرنامجه السياسي على شاشة التلفزيون الأردني وعلى مدار سنوات لم يتدخل أحد في برنامجه خلافا للإنطباع العالم بأن كل السلطات وكل المسؤولين يتدخلون بالتفاصيل.
شخصيا أصدق هذا الكلام، رغم أني والعديد من الإعلاميين والسياسيين الأردنيين وكذلك بعض النواب وحتى وزراء سابقون لا نرى أنفسنا على شاشة تلفزيوننا.
قد يقول قائل إن الزميل المومني ‘مجتهد ويحفظ درسه جيدا’ ولا يقترح أصلا أي ضيف من القائمة السوداء التي يحرم تلفزيون الحكومة الشعب من أطلالتها البهية.
لكن مثل هذا القول وإن كان بحاجة لإختبار لا يجيب على السؤال العالق الذي طرحه مرة رئيس إدارة التلفزيون والنائب الحالي مصطفى حمارنة عندما قال إن نصف الشعب الأردني على الأقل لا يرى نفسه على شاشته اليتيمة.
مشكلة إصرار شاشة الحكومة على إستضافة الوجوه نفسها والأسماء وتعذيب الشعب بها على مدار عقود ينتج عنها خروج التلفزيون أصلا من كل حلبات المنافسة والتقدم الكبير والواضح لمحطات فضائية خاصة مثل ‘رؤية’.
الخاسر الوحيد من وجود ‘فيتو’ على عشرات الأسماء التي تمثل الرأي الأخر او المستقل أو المهني هو التلفزيون نفسه ولاحقا الحكومة وبعدها الدولة وبعد الجميع النظام، لإن مصداقية الجميع تتآكل عند المواطن وهو يستمع لسنوات طويلة للإسطوانات المشروخة نفسها التي تكتفي بالنفاق و’التسحيج’ والتضليل.
شخصيا أقولها وأجري على ألله: الفارق كبير بين الولاء الحقيقي والتسحيج وأول شخص في الأردن يشعر بالإشمئزاز عند المبالغة في النفاق هو الملك شخصيا.

رموز وطن

صديقي المثقف الدكتور مهند مبيضين طلب مني اللجوء إلى ‘جوجل’ لإعادة مشاهدة حدث حصل قبل أكثر من 20 عاما وبثه التلفزيون الأردني عشرات المرات ويتمثل في الحفل الذي ألقى فيه الشاعر الكبير الجواهرجي قصيدة ‘يا أيها الملك الأجل مكانة’ وهي قصيدة مخصصة للملك الراحل حسين بن طلال.
اللافت في المسألة هو الصف الأول من المسؤولين المتفرجين بمعية الملك.. هي الوجوه أنفسها التي تحكم الأن والفارق الوحيد ملامح رشاقة أكثر ووزن أقل ونضارة في الوجه تلك الأيام قياسا باليوم.
مش معقول أن يكون هؤلاء- دون خلق إلله وبقية الأردنيين- لديهم قدرة فائقة على عبور كل العهود والأزمان والبقاء في الوظائف نفسها والمواقع مع بعض التدوير هنا وهناك.
الوجوه أنفسها يعني ببساطة الأداء نفسه والطريقة نفسها في التفكير ومشكلات الفساد وإعاقات الإصلاح نفسها.. المسؤولون الذين صفقوا بحماس وبنفاق واضح قبل عشرين عاما هم المصنع الذي أنتج كل مشكلات وكوارث البلاد والعباد وهم انفسهم على الأرجح الذين يحكمون الشعب الأردني اليوم.
صدق مثقف من وزن الدكتور عامر سبايله وهو يسأل: هل وظيفة المواطن الأردني تنحصر في تقبل قرارات الدولة التي يصنعها هؤلاء أنفسهم بدون أن يكون طرفا أومشاركا فيها؟
متى يمكن أن تتاح فرصة للجيل الشاب وللكفاءات الوطنية الحريصة في الوقت الذي يتمسك فيه البعض بالكرسي أكثر من تمسكه بروحه.. كيف ننتج إذا كان أحدهم يصر النظام على إعتباره ممثلا لجزء مهم وحيوي من الشعب منذ 30 عاما؟
في الواقع نشعر بان نخبتنا الأردنية أيضا كبوتقليقة على كرسي متحرك نعاني من الإشكالية نفسها مع فارق واحد يدلل أن ألله سترها معنا فقيادتنا شابة وديناميكية وشعبنا 70 ‘ منه قطاع شاب دون العشرين، اما نخبتنا فعجزها يتجاوز الإعاقة الحركية لإنها توقفت عن الإبداع والخيال وبدأت تزرع الأرض بالإتجاه المعاكس.
بكل الأحوال شكرا لتلفزيون الجزائر الذي أثبت للمرة الألف أن الشرق لا يختلف عن الغرب، فكلنا بالهم شرق لإن الأغاني الجهادية والنضالية بثت بالتوازي مع إعلان فوز بوتفليقة.
وشكرا لتلفزيون الحكومة الأردنية لإنه يقول لنا ليلا نهارا ‘.. جاثمون على صدوركم’.
بعد الآن لا تسألونا عن مؤامرات تحيك الحراك الشعبي والربيع العربي.. راقبوا فقط الشاشات العربية لنعرف معا من يتآمر على من؟
‘ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية