بوعلام صنصال
«الجزائر لم تكن أمة، لم تكن شعباً، لم تكن دولة، لم تكن ذات سيادة.. الجزائر كانت أرضاً محتلة»، هكذا يغرد إريك زمور، واحد من أقطاب اليمين المتطرف في فرنسا، في خرجة معتادة. فقد ألفنا منه خرجات كهذه، وهو المهووس بتاريخ الجزائر، أرض أجداده، أكثر من انشغاله بشؤون حزبه، الذي سماه (Reconquête)، وهي كلمة يقابلها بالعربية «استعادة الأندلس»، في الأدبيات الغربية. ففي نظره أن الجزائر هي الأندلس التي ضاعت من خريطة الإمبرطورية الفرنسية، ويجب استعادتها، كما يفكر هذا الرجل، الذي يقرأ هوامش التاريخ لا المتن، يعيش في الماضي أكثر من انفتاحه على الحاضر.
وفي كل مرة يخطئ إريك زمور التصويب، بدل أن يوجه كلامه إلى خصومه من الساسة، يوجه كلماته في الإساءة إلى بلد بأكمله. وخرجة زمور هذه المرة لم تأت صدفة، بل جاءت في سياق الرد على ناشطة سياسية، على مواطنة له، واحدة من وجوه أقصى اليسار، نقصد بها ريمة حسن النائبة في البرلمان الأوروبي، التي تنشغل كذلك بشؤون الجزائر أكثر من انشغالها بالفرنسيين الذين صوتوا لها. ففي خرجة لها، منذ أيام، قررت أن تنصب نفسها القاضية والمحامية في آن، تقاضي التاريخ وتدافع عن الجزائريين، مع أن لا أحد كلفها بالحديث نيابة عنهم. ونشرت تغريدة تعدد فيها مساوئ الاستعمار، وأن فرنسا تدين إلى الجزائر بالاعتذار عن ماضيها سنوات الخمسينيات. هكذا إذن قررت ريمة حسن أن تصير محامية في قضية لم يكلفها فيها أحد، وجاء الرد من يميني متطرف، والاثنان يتبادلان اسم الجزائر، بين إساءة ومديح، والجزائريون على الضفة الأخرى يتفرجون، لا يفهمون هذا الهوس بماضيهم، بين قطبي اليمين واليسار. فقد دخل زمور وريمة في شجار مثل شجار قطط، في الأزقة الخلفية، وكلاهما يخفي السبب في الشجار، لا يفصحان عن أن الأمر يتعلق بالكاتب بوعلام صنصال (1949)، الذي لا يزال في السجن، لا يعلم أي مصير سوف يلاقيه. مع ذلك فقد قرر هذان الشخصان أن يجعلا منه حصان طراودة، في معركة بين حزبين، كل واحد منهما يود تبني قضية الكاتب، سواءً بالدفاع عنه أو إدانته، كل واحد منهما يقتبس شهرة له من خلف ظهر صنصال، من أجل أن يرفع من رصيده السياسي. ومن دون مقدمات، يصير بوعلام صنصال سبباً في معارك حزبية، تدور في شمال المتوسط، بينما هو غائب عن المشهد، محروم من الكلام.
ليس من المهم إطالة الحديث عن إريك زمور، فمنطقه يطابق منطق اليمين المتطرف، الذي يرى في المهاجرين خطراً على فرنسا، كما يحلم بعودة بونابرت وعودة الإمبراطورية، بل وصل به الأمر أن شبّه نفسه ببونابرت. وفي الأشهر الماضية، تعددت خرجات الرجل، لكنها جوبهت بالتجاهل، وعندما يتجاهله الناس، يتراجع، فهو ظاهرة صوتية بامتياز، صنع شهرة له من بلاتوهات التلفزيونات، لكن هذه المرة وجد سبباً في إطالة الحديث عن الجزائر، وجد في مواجهته ريمة حسن، التي انتقلت من «مؤثرة» على السوشيال ميديا إلى ناشطة سياسية، واحتضنها أقصى اليسار، المسمى «حزب فرنسا الأبية». وكان يمكن أن تستفيد من مغامرتها الشخصية، بوصفها مهاجرة سابقة، وتدافع عن حقوق المهاجرين، في المرافعة من أجل شباب الضواحي، أو من أجل الفئات المحرومة في بلدها، لكنها جعلت من الجزائر شغلها الشاغل، وقالت، آخر مرة كذلك، إن الجزائر «كعبة الثوار». من غير سياق تلفظت بهذه الجملة، المقتبسة من لسان المناضل أميلكار كابرال (غينيا بيساو)، الذي أدلى بجملته في ستينيات القرن الماضي، عندما كانت الجزائر حاضنة لحركات التحرر في افريقيا. أميلكار كابرال توفي عام 1973، زمن الثوار والثورات في أفريقيا قد انقضى، وريمة حسن التي جاءت في زمن الهواتف الذكية والإنترنت، أعجبتها الجملة التي صادفتها في غوغل واستعادتها، من غير مناسبة، نكاية في اليمين المتطرف، من غير علم منها أنها تورط اسم الجزائر في شجارات لا صلة لها بها. فهي نفسها تستغل اسم الجزائر في تسوية حسابها مع خصومها من أحزاب سياسية أخرى. فقد باتت مثل اليمينيين تناقش تاريخ حرب التحرير من غير إلمام به. تحولت حقبة الخمسينيات من تاريخ الجزائر إلى «متلازمة» في أذهان سياسيين فرنسيين. بينما الجزائريون يتفرجون، فالجميع يتكلم عن ماضيهم وماضي آبائهم وأجدادهم، بينما هم أنفسهم لا يحق لهم نقد حرب التحرير، خشية أن تلفق لهم تهمة المساس بثوابت الأمة، مثلما جاء في القانون. شجار في الضفة الشمالية من المتوسط، وجمهور يتفرج في الضفة الجنوبية، وبين ريمة حسن وإريك زمور نقطة مشتركة، فكلاهما يؤمن بنظرية المؤامرة. زمور يدعي مؤامرة المهاجرين ضد الغرب، مثلما تدعي ريمة حسن مؤامرة الغرب ضد دول الجنوب. هكذا يتقاذفان الكرة. الاثنان مهووسان بتاريخ الجزائر من أجل ترويج سلعهم السياسية، من أجل التحضير إلى انتخابات مقبلة، من أجل استمالة مصوتين محتملين. ريمة حسن رفضت، الشهر الماضي، التصويت على عريضة تطالب بإطلاق سراح بوعلام صنصال، بينما إريك زمور لا يفوت فرصة في الدعوة إلى إطلاق سراحه. كلاهما يتحدث عن بوعلام صنصال، من غير أن يذكرا شيئاً من أعماله الأدبية، بل نسيا أنه كاتب، وتحول في نظرهما إلى رقم في لعبة سياسية.
في 1999، عندما أصدر بوعلام صنصال باكورته «قسم البرابرة»، لم يتوان في تعرية التطرف، في مرحلة كانت فيها البلاد تخوض حرباً ضد الجماعات المتطرفة، فصنصال الذي خرج من جبة كاتب كبير هو رشيد ميموني (1945-1995)، كان أول من نبه إلى ظاهرة الهجرة غير الشرعية، التي يموت فيها المئات، كل عام، وذلك في روايته «حراقة» (2007)، مثلما خاض في مجاهيل تاريخ البلد، في زمن لم يكن فيه يمين ولا يسار فرنسيان يخوضان في تاريخ الجزائر، فالتخييل يتيح للكاتب ما لا يتيحه لغيره، ولم يخجل من ماضي عائلته عندما أصدر «شارع داروين» (2011)، ثم جاءت روايته المهمة «2084، نهاية العالم»، وهي رواية ديستوبية، وتلتها أعمال أخرى لا تقل أهمية عنها. ولكن منذ توقيفه في المطار، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، امحت سيرته الأدبية، امحت مسيرة ثلاثين سنة من الكتابة، وحصر في زاوية سياسية محضة، أسقطت عنه صفته كواحد من أهم الكتاب في الجزائر وصار قضية سياسية فحسب، وبات من يتحدث عن كتاباته تصيبه تهمة التخوين وتنهال على رأسه المسبات كلها، مع أن الكاتب أو الناقد مهمتهما مناقشة أعمال صنصال وما جاء فيها، لا محاكمته عما يفعل خارج النص، مع ذلك لم يعد متاحاً الحديث عن أعمال صنصال من غير أن تلفق للمتحدث حفنة تهم، صار الناس يذكرون اسمه بصوت خافت، بينما في الضفة الأخرى، يتفاوض يمين ويسار بشأن الكاتب، ونحن كجزائريين محكوم علينا بالصمت، مخافة أن نصير محل سوء فهم.
كاتب جزائري