■ يعود أول نوفمبر/تشرين الثاني، ومعه ذكرى ثورة التحرير، ويتبادر السؤال الذي لم نشف منه: لماذا نتوجس من نقدها؟ لماذا تلف هالة التقديس حدثاً تاريخيا يزيده النقد نصاعة لا تقليلاً من شأنه؟ لقد دأبنا، كل الفاتح من نوفمبر، على مشاهدة أطفال من الكشافة الإسلامية، يجوبون الشوارع، وهم يرددون أناشيد وطنية، يحفظونها بدون فهم تام لمعانيها، ويكرس التلفزيون وقته في استعادة أشرطة بالأسود والأبيض، وبث موسيقى عسكرية، كما لو أنه يحث الناس للاستعداد لمعركة ما، مع تكرار شهادات مُتشابهة عن بطولات، بعضها أثبته التاريخ وبعضها الآخر لا دليل عليه. وتكثر في هذا اليوم حركة أصحاب البدلات الرسمية في سياراتهم الفاخرة.
هذا اليوم عطلة لكنه ليس للراحة، بل يكتظ بحكايات تدور بين الواقع والمغالاة، لقد قضت الجزائر قرابة الستين سنة من الاستقلال، بدون أن تدون تاريخ ثورتها كاملاً، جعلت من الأول من نوفمبر مرادفاً للاحتفال ولتمجيد الراحلين، لكن لم يفت الوقت كي نعــــيد التفكير في هذا الحدث، تقويمه وتحريره من الشوائب التي خالطته، ووصله بالحقائق الكبرى التي طُمرت، والتي من شأنها أن تنبئنا بحسنات ثورة التحرير وسيئاتها.
من فضائل ثورة التحرير أنها أفرزت جيلاً أول من الروائيين الجزائريين، أمثال محمد ديب، كاتب ياسين ومولود معمري وغيرهم، من الذين انكبوا في تفكيك السياسة الاستعمارية ونقدها، وفي السعي إلى استعادة الهوية الجزائرية، لكن بمجرد إعلان الاستقلال في 1962، تنازل ذلك الجيل عن خياراته الأولى، وتحول إلى موضوعات ثانوية، مقتنعين ـ عن حسن نية ـ أن الدولة الناشئة سوف تنوب عنهم في طريق تحرير الفرد، وفي استعادة التاريخ وتدوينه على وجهه الأصح، غير منتبهين إلى أن «النهر قد تحول»، بتعبير رشيد ميموني، ودخلنا مرحلة طمر حقائق وابتكار أخرى، فقد صار النظام، في السنوات الأولى من الستينيات، يُشبه الكنيسة في القرون الوسطى، تغول حزب جبهة التحرير، وبات بمثابة «الأخ الأكبر»، في الإدارة والتعليم والثقافة، يفرض على الكتاب والفنانين تقديس ثورة التحرير، بدون المساس بشعرة منها، ولا يُمانع في تخويف من يُبادر إلى تخليصها من الأساطير التي تسربت إليها، في تلك الفترة، كان نقد الثورة في مرتبة ازدراء الأديان، وهي فعلة تقود صاحبها إلى معتقلات نائية، أو في أحسن الحالات إلى شطب اسمه من الوظيفة التي يمارسها، وقطع الرزق عنه وعن أهله.
في الجزائر لا يزال الأدب ـ في عمومه ـ يعيد إنتاج خطاب السلطة في تقديس اللامقدس، في تمجيد الماضي، بما يخدم مصلحتها، لا مصلحة البلاد.
ثورة التحرير في الجزائر ليست سوى البداية، وليست الغاية، فبعد أن أفرزت جيلاً أول من الكتاب، الذين صارت أعمالهم الآن من الكلاسيكيات، جاءت سنوات عجاف، بين عشريتي السبعينيات والثمانينيات، دخل فيها الأدب الجزائري سباتاً قسرياً. في تلك الحقبة، تحولت الثورة من نضال إلى جني غنائم، بدأ حينها يطفو على السطح أغنياء جدد، تكاثروا لاسيما في فترة الرئيس الشاذلي بن جديد، مستفيدين من منح عينية بصفتهم مناضلين قدامى في حرب الجزائر، وبدل أن تختص الحكومة وحدها في الدفاع عن قدسية الثورة، تورط المجتمع أيضاً في الفعل ذاته، من أجل الحفاظ على مكاسبه، خصوصاً أن الحكومة سارعت في منح كل من يثبت صفة «مجاهد» قطعاً أرضية، محلات، منازل وأشياء أخرى، هكذا شيئاً فشيئاً رضي الجميع بقانون اللعبة: أدفع لك نقداً وتُدافع عني جهاراً، أن نجعل من ثورة التحرير نصاً لا يقربه النقد، لا يدنو منها مؤرخ بدون أن يغمض عيناً عما خالطها من تناقضات، ونقتسم الغنائم.
قد لا نتفاجأ من هذا الميل المفرط في تقديس الثورة، وعزلها عن كل التعليقات من طرف النظام، لكن ما يلفت الانتباه هنا هو تواطؤ المثقفين في الأمر، ففي الثمانينيات بدأ انسلاخ المثقفين عن مواطني بلدهم، فضلوا السير في هواها، وتسخير خدماتهم لها، بدل أن يلعبوا دور الملاحظ والمُحايد، ومن يومها ترسخ اعتقاد أن الكاتب ليس سوى خادم في حضرة الحاكم، في الجزائر.
غالباً ما نستشهد بعصر النهضة، في أوروبا، ونجعل منه دليلاً في نقاشاتنا الفكرية، متجاهلين ـ عن قصد ـ أن ذلك العصر برز فيه «الكاتب» كجندي ضد سطوة الكنيسة، استعاد التاريخ، ونزع عنه ما ألصق به من أكاذيب، بينما في الجزائر لا يزال الأدب ـ في عمومه ـ يعيد إنتاج خطاب السلطة في تقديس اللامقدس، في تمجيد الماضي، بما يخدم مصلحتها، لا مصلحة البلاد، لا تزال تلك العجلة تدور، ومن بين الأساطير التي كثرت، أن المثقفين كانوا كلما سمعوا عن كتاب يخص ثورة الجزائر صدر في روسيا أو بولونيا أو ألمانيا، هللوا وقالوا إن الأجانب يمتدحوننا، بينما غالبية تلك الكتب والدراسات جاءت في نقد الثورة، لكن في بلد بلا مترجمين، تصير الكذبة حقيقة، ولا يهم المختصون منهم التدقيق في مضمونها.
يمكن أن تتغير الذهنيات بالأدب، أن يلعب دور المحرض في الانتقال الاجتماعي، أن يكون له دور في المصالحة التاريخية، في الحث على تأسيس العدالة، الأدب لا يمكن أن يتخلى عن جماليته، لا يحيد عن ماهيته، لكنه يملك القدرة على المناورة، وتصحيح مسار السياسة، أما في الجزائر فيحصل العكس، النظام هو من يغير الأدب، هو من يوحي إليه ما عليه أن يكتبه أو ما عليه أن يتركه، ولنا في ثورة التحرير نموذجاً، تكاد تصير مادة جامدة، مكررة، لا تبعث على التأمل، وإذا استمر الحال كذلك قد تصير مثل «معركة نافارين» (1827)، التي تلقن لأطفال المدارس على أنها حرب جزائرية ضد الفرنسيين، قبل أن نعلم في ما بعد أن الأمر غير ذلك، وتحولت قصة تلك المعركة إلى ما يُشبه نكتة، إنه من الملائم مُساءلة تاريخ ثورة التحرير، استرداده، وبسطه كمادة للنقاش، وتقبل حرب التحرير كما كانت، ببياضها وسوادها، بدون خجل من الانزلاقات التي وقعت، كي لا يظل تاريخ الجزائر تاريخاً مبتوراً، يترجل بساق واحدة.
٭ كاتب من الجزائر