الجزائر لما تقرر تصل

حجم الخط
0

حدث وأنا أتابع احتفالات الجزائريين باقتطاعنا تأشيرة التأهل إلى مونديال البرازيل 2014 أن لفت انتباهي تصريح الوزير الأول عبد المالك سلال للتلفزيون الجزائري، على إثر هذا الفوز، عندما قال ‘هذا الفوز يُبيّن ان ‘، لست قادرة على ترجمة ما أحسست به من غصة حينها، ومن غوص في تفكير عميق. ولم أجد نفسي إلا وأنا أحدث نفسي وأطرح الأسئلة الواحد تلو الاخر.. مع علمي المسبق بأنني لن أتلقى إجابات شافية.
سيدي الوزير الأول مادامت الجزائر تنفذ وتصل إلى ما تريده عندما تقرر .. ومفردة الجزائر هنا تحمل صفة معنوية هي صفة الدولة، والأكيد أن المقصود هنا هو أن المؤسسات القائمة في هذه الدولة ورجالاتها هم من يقررون، فلماذا لا ترحموننا وتشفقون على حالنا وتخلصوننا من هذا المستنقع الذي تسبح فيه الجزائر، منذ ما يزيد عن الخمسين سنة، كانت أشدُّها وطأة علينا العشرين سنة الأخيرة؟ لماذا يا سيدي الوزير لا تقررون النهوض بهذا البلد المغدور، وهذا الشعب المظلوم وتريحوننا مما نحن فيه
وتخرسون بذلك الحناجر التي بحّت وهي تصرخ ‘كفى’ وتقطعون الطريق على الحاسدين والكارهين والمتآمرين وحتى المحبين، الذين يرفعون أصواتهم حبا في الجزائر وخوفا عليها وليس كرها فيها؟
سيدي الوزير لماذا يغيب القرار فقط عندما يتعلق الأمر بمصير وطن وشعب، ويحضر القرار عندما يتعلق الأمر بالانتصارات في ملاعب الكرة؟ لماذا يغيب القرار عندما يتعلق الأمر بملفات الفساد وإهدار ثروات البلاد والعباد وانتفاخات بطون وحسابات السُّراق الذين يُعششون في ‘سونطراك’ وغيرها من المؤسسات التي لم تجف أضرُعها بعد؟
أليس الأجدر بكم اتخاذ قرار حاسم لا رجعة فيه بأن تقتص العدالة ممن سولت له نفسه العبث بالمال العام والأمن العام والصالح العالم ؟
لماذا يا سيدي الوزير يغيب القرار في ما يخص مناحي الحياة الأكثر إلحاحا ويصبح المواطن الذي لا حول ولا قوة له شحاذا يشحذ من على عتبات مؤسسات الدولة حقا من حقوقه الطبيعية؟ ولماذا في بلادي التي تترنح الصحة فيها تحت وطأة شح المستشفيات والأجهزة الطبية يضطر بسطاء وفقراء هذا الشعب المسحوق للوقوف طوابير طويلة لا تنتهي من أجل الحصول على مواعيد للعمليات الجراحية؟ ولماذا عليهم أن يركضوا خلف ‘أصحاب المعرفة’ للتمكن من تلقي العلاج المناسب، ولماذا يتحتم على 28 ألف مريض بالسرطان في ولايات الجزائر المغبونة شرقا وغربا وجنوبا، أن يعيشوا أياما طويلة من الألم والمعاناة في انتظار موعد بعيد جدا في وحدة العلاج بالأشعة، قد يُدركهم الموت ولن يدركوا الموعد أبدا، ولماذا يتحتم على أب أن يبدي استعداده لبيع كليته فقط ليتمكن من علاج فلذة كبده خارج الوطن، بعدما أُوصدت في وجهه كل أبواب الوطن؟ لماذا عليه أن يناشد ذوي القلوب الرحيمة مساعدته بعدما رفضت اللجنة المكلفة بنقل مرضى الجزائر للعلاج في الخارج منحه الموافقة لنقل ابنه لفرنسا وما أدراك ما فرنسا، لماذا زيادةً على عذاباتهم عليهم تحمّل أوجاع هذا التسيير الكارثي ما دمنا باستطاعتنا ان نقرر وعندما نقرر نصل؟
سيدي الوزير لماذا لا تقررون في ما تقررون، النهوض بقطاع التعليم الذي لم يسلم هو الآخر من سلوك المنحدر الخطير، حتى أصبحت فضائح امتحانات البكالوريا على مرأى من القاصي والداني، وأصبح المعلمون الذين قضوا عشرات السنين في التعليم وعاصروا أجيالا من التلاميذ، يقفون على حافة الجنون ومنهم من يفضل نصف التقاعد على الاستمرار في هذه المهازل الحاصلة اليوم، قائلين انه لا طاقة لهم بجيل لا يُقدّر التعليم والمعلم، جيل يتحدث عن’ الشكارة’ (وهو مصطلح شعبي دارج معناه الكيس الأسود الكبير المليء بالأموال لمن لا يفهم اللهجة الجزائرية) ويردد ‘اللي قرا قرا بكري’ أي لا فائدة من العلم في أيامنا هذه. لماذا علينا نحن من نغادر الوطن لسبب أو لآخر أن نشعر بالخجل من شهاداتنا الجامعية عندما يتم التعامل معها في بلدان أخرى باحتقار؟ لماذا لا توقفون هذا النزيف الحاصل في المدرسة الجزائرية التي ما فتئت تقذف بأبنائنا وبناتنا إلى الشوارع، حيث تتلقفهم أوكار الجريمة والمخدرات، وفي أحسن الأحوال تتلقفهم الأرصفة المزدحمة أصلا والأسواق الفوضوية والسوق السوداء، أو أنهم وبمحض إرادتهم يقامرون بأنفسهم في قارب من قوارب الموت المتجهة إلى الضفة الأخرى، فإما ان يحالفهم الحظ فيصبحوا مواطنين يشعرون بإنسانيتهم ومواطنتهم هناك، وإما ان يتحولوا إلى لقمة سائغة لأسماك البحر. أمعقول سيدي الوزير بعد خمسين عاما من الاستقلال نسجل ما نسبته 25′ نسبة الأميين في الأوساط الشعبية؟ لماذا لا تأخذون قرارا بوضع سياسة تعليمية ناجعة ذات رؤية واضحة بما يضمن حق الأجيال القادمة في تعليم ذي نوعية جيدة يكوّن نخبا متعلمة حقا قادرة على الإمساك بزمام الأمور مستقبلا والوصول بالبلاد إلى بر الأمان بعدما طاب جنانكم وسيطيب جنان من مِن بعدكم؟ لماذا لا يتم وبقرار لا رجوع فيه حماية حق الأجيال القادمة في الثروة النفطية بتنويع مصادر دخل الدولة والنهوض بقطاعات أخرى لا تقل أهمية، كالسياحة التي نملك من مؤهلاتها وإمكاناتها التي حبانا الله إياها ما لا تملكه دول كثيرة تشكل السياحة لديها المصدر الأول للدخل.. بدل الاعتماد على ريع المحروقات التي ستنضب وتجف آبارها يوما ما لا محالة. ولماذا لا تخطر لكم قرارات لبناء وتعمير الجنوب الشاسع بمختلف المرافق العامة والضرورية للحياة، على غرار ما حدث ويحدث في مختلف صحاري العالم، حتى يستفيد سكان الجنوب، ولتخفيف الضغط السكاني المتمركز في الشمال الذي يكاد ينفجر.
أليس من باب أولى سيدي الوزير قرارات فعالة للاستثمار في هذه الموجات البشرية من الشباب الذين يحتلون الملاعب والساحات والشوارع عند كل مناسبة كروية ليكونوا ثروة ومكسبا للبلاد، بدل الاستثمار في عواطفهم والفراغ الذي يعيشونه، والضحك على ذقونهم بانتصارات ما تلبث نشوتها ان تزول ليعودوا إلى واقعهم التعيس ولتعود الخشية والخوف منهم لأنهم يشكلون قنبلة موقوتة الله وحده يعلم متى ستنفجر؟
سيدي الوزير نحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى وبشكل لا يقبل التأجيل والمماطلة لقرارات تعالج أزماتنا المتعددة، الملاعب واللاعبين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.. وحتى أخلاقيا. نحن بحاجة لانتصارات حقيقية تخفف عنا وطأة هزائمنا المتلاحقة وتمكننا من إنقاذ ما يمكن إنقاذه، انتصارات تكون دافعا قويا للانعتاق بعيدا عن كل الحسابات الضيقة.

‘ صحافية جزائرية مقيمة في دبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية