الجزائر: مزاد الانتخابات الرئاسية مفتوح على مصراعيه والولاية الخامسة تؤرق الكثيرين

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائر-“القدس العربي”: تستعد الجزائر لإجراء انتخابات رئاسية في الثامن عشر من نيسان/أبريل المقبل، وهي سادس انتخابات تعددية تشهدها في تاريخها، وغالبا ستكون خامس انتخابات يشارك فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وإذا ثبتت مشاركته ستكون كذلك خامس انتخابات يفوز فيها!

لكن حالة الغموض ما تزال قائمة بشأن ما سيحدث خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

بمجرد استدعاء الرئيس بوتفليقة الهيئة الناخبة، بدأ العشرات من الراغبين في الترشح يتهاطلون على مقر وزارة الداخلية لسحب استمارات التوقيعات الخاصة بالترشيحات. مشهد تحول يوما بعد آخر من جدي إلى كوميدي، خاصة في ظل الأشكال الغريبة التي قررت فجأة أن تتقدم إلى الرئاسة، وساعد وجود وسائل الإعلام في عين المكان على تحويل المشهد إلى خشبة عرض للمواهب الكوميدية، فأحدهم قال إنه صنع طائرة جناحيها من تراب، وآخر عاطل عن العمل ويريد أن يكون رئيس جمهورية، وثالث أتى بزوجته وأولاده وقال إن الأسرة كلها مترشحة للرئاسة، ورابع وعد بتدمير الاقتصاد الأمريكي في حال انتخابه رئيسا، وخامس أكد أنه لن يقوم بحملة انتخابية ولن يصرف فلساً، وأنه سيكتفي بمواقع التواصل الاجتماعي، وسادس يقول إن شروط الترشح متوفرة فيه، وإن أهم شرط هو السن!

مهرجان الترشيحات

وانقسمت الآراء بخصوص هذا المشهد بين من يعتبر أن الديمقراطية تحتم تقبل مثل هذه الأمور، وأن الظاهرة صحية، في حين اعتبر آخرون أن ما يحدث ابتذال للديمقراطية، ودافع إضافي لجعل عموم المواطنين ينصرفون عن السياسة وعن الموعد الانتخابي المقبل، وأنهم في النهاية سيفضلون الإبقاء على الأمور كما هي عليه، بصرف النظر عن العبثية، لأنها في كل الأحوال أفضل من “المسخرة” التي شاهدوها على القنوات التلفزيونية طوال أيام.

ويرى الخبير الدستوري عامر رخيلة أن الأمر عادي، وأنه مهما كان فيه من ابتذال، فإن الديمقراطية تفرض علينا تقبل الآخر، وأنه ما دام الدستور يسمح لكل مواطن تتوفر فيه مجموعة من الشروط للترشح إلى منصب الرئاسة، فلا يمكن مناقشة الموضوع من باب مستويات هؤلاء، وأنه إذا كان المشهد كوميديا وساخرا فلا ضرر في ذلك، فلنترك الشعب يضحك قليلا قبل بداية الأمور الجدية.

ورغم العدد الكبير من المرشحين والذي فاق الستين خلال الأسبوع الأول من بداية استلام نوايا الترشيح إلا أن الأغلبية ستسقط عند امتحان تكوين الملف الحقيقي، فالترشح إلى الرئاسة يتطلب مجموعة من الشروط، مثل السن الذي لا يجب أن يقل عن أربعين عاما، والجنسية الجزائرية الأصلية، والجنسية الجزائرية للأبوين، وأن تكون جنسية زوجته جزائرية أصلية، وأن يكون مشاركا في الثورة إذا ما ولد قبل تموز/يوليو 1942 وأن يكون أدى الخدمة العسكرية أو أعفي منها إذا ما ولد بعد عام 1949 وأن لا يكون أبواه قد قاما بأعمال ضد الثورة، وأن يكون متمتعا بجميع حقوقه السياسية والمدنية، وفوق كل هذا يتمكن من جمع 60 ألف توقيع في 25 ولاية، أو 600 توقيع لأعضاء مجلس محلية في العدد نفسه من الولايات.

من دستور إلى آخر

هذه الشروط تطورت من دستور إلى آخر، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت موضوعية الهدف منها إعطاء نوع من الجدية لمسألة الترشح لمنصب القاضي الأول في البلاد، وبين من يرى أنها مجحفة وتعجيزية أحيانا، وأن الهدف من بعض الشروط التي وضعت لم يكن بغرض تنظيم موضوع الترشح بقدر ما كان الهدف منه قطع الطريق على مرشحين بعينهم.

وفي هذه النقطة بالذات يقول الخبير الدستوري عامر رخيلة أن الكثير من الشروط وضعت ضد أشخاص محددين. ففي سنة 1995 تم اقتراح مادة في تعديل الدستور الذي جاء بعد سنة، تقضي باشتراط الجنسية الأصلية للزوجة، وأن الهدف من وراء هذا الاقتراح الذي لم يتم تمريره في ذلك الدستور، هو قطع الطريق أمام شخصيتين ومنعهما من الترشح إلى انتخابات الرئاسة، وهما الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق وعبد الحميد مهري الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني، لأن الأول متزوج من لبنانية والثاني متزوج من سورية، وأن الشيء نفسه تكرر في دستور 2016 عندما تم اشتراط جنسية الزوجة واشتراط الإقامة لمدة عشر سنوات في الجزائر، وذلك لمنع المعارض رشيد نكاز من الترشح، لأنه كان مقيما في فرنسا ولأن زوجته أمريكية.

معركة مؤجلة

ورغم أن الكثير من الشخصيات السياسية أبدت نيتها في الترشح للانتخابات الرئاسية إلا أن إبداء النية ليس كالإقدام على الفعل، ويبقى كل شيء مؤجلا إلى وقت لاحق، وبالتالي يصعب حتى الآن القول من سيكونون المرشحين في هذه الانتخابات، وهل ستكون نسخة عن تلك التي جرت في 2014، أم أن مفاجأة ستحدث؟

ومن الأسماء المرشحة نجد علي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق ورئيس حزب طلائع الحريات، فالرجل الذي كان مديرا لحملة بوتفليقة سنة 1999 ثم رئيسا للحكومة، قرر أن يخوض الانتخابات التي جرت في 2004 وقيل آنذاك إنه مرشح جزء من النظام، ومجموعة من الجنرالات النافذين، وفعلا انقسمت الجزائر بين مؤيد لبن فليس وداعم لبوتفليقة، ولكن الغلبة كانت للأخير بفضل الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق القائد السابق القوي لجهاز الاستخبارات، والذي كان يوصف بصانع الرؤساء، وبعد ذلك عاد بن فليس إلى بيته وبقي فيه عشر سنوات كاملة، أي أنه غاب عن الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2009 ولكن في 2013 عندما أصيب الرئيس بوتفليقة بوعكة صحية بعد تعرضه إلى جلطة دماغية، بدأ بن فليس التحرك وقرر الترشح مجددا للانتخابات الرئاسية، ورغم أن كثيرين لم يكونوا يتوقعون أن بوتفليقة سيترشح إلى ولاية رابعة بسبب وضعه الصحي، إلا أنه فاجأ الجميع بأن قرر الترشح، رغم أنه لم يستطع القيام بحملة انتخابية ولم يدل بأي خطاب منذ 2012، إلا أنه فاز بولاية رابعة.

جميع الأنظار متجهة إلى علي بن فليس لمعرفة ما إذا كان سيخوض معركة الانتخابات الرئاسية مرة أخرى، أو كان سيفضل الانسحاب، خاصة إذا ما ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى ولاية خامسة، فالجميع يعرف أنه في حال ترشح الرئيس فلا معنى للترشح أمامه إلا للعب دور الأرنب، وبن فليس لن يرضى بلعب دور الأرنب.

ورغم أن علي بن فليس أبدى نيته الترشح ووجه خطابا إلى وزير الداخلية بهذا الشأن، إلا أنه يفضل إرجاء الفصل في الموضوع إلى غاية اجتماع اللجنة المركزية، وأن الاجتماع سيتم لما تتضح الأمور، وتنقشع الضبابية.

وقال بن فليس “ما زلنا في مرحلة التعبير عن النوايا، وإنه لا يمكن اعتبار أن إعلان النوايا كترشح مقبول معلن عنه من طرف المجلس الدستوري، لأنه لم يجتمع بعد ولم يتلق أي ملف. أما بخصوص أجواء الانتخابات، فالجميع في مرحلة تعبير النوايا وتحضير الملفات. والسؤال هو هل الكيفية التي كانت تجري بها الانتخابات في الماضي، وسيطرة الجهاز السياسي والإداري على العملية من بدايتها إلى نهايتها، ولم تكن لا نظيفة ولا صادقة، وتعبير الشعب الجزائري لم يكن سيدا وحرا”.

 وأعرب عن أمله في أن تتغير الأمور إلى أحسن ما يرام في المستقبل، من خلال احترام سيادة الشعب، وبدون هذا لا مخرج من الأزمة متعددة الجوانب التي تعيشها الجزائر، مؤكدا أن الأزمة السياسية الخطيرة القائمة لا يمكن حلها إلا بلقاء الجزائريين من خلال جمع أحزاب المعارضة والموالاة والنقابات المعترف بها وتلك التي لم تعترف بها السلطة وشخصيات وطنية، ولا بد لهذا الجمع أن يلتقي لإيجاد مخرج من الأزمة. واعتبر أن الجزائر لا تعيش نظاما ديمقراطيا حقيقيا، وأن المخرج هو حصول اتفاق سياسي تاريخي بالعودة إلى الشعب، بطريقة نظيفة وسليمة وجدية وجامعة تخرج الجزائر من ظلمات الشيء المشين الذي يسمى تحويل وتزييف الإرادة الشعبية والذهاب إلى نظام سياسي يقر ويعترف بالشرعية الشعبية، ويدافع عنها، ويدفع بالجزائر نحو الخير، والخير في السياسة هو الديمقراطية الحقة، وهو السيادة الحقة، هو بناء دولة القانون، والمساواة والجميع، وهذه لن تتحقق إلا بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والفصل بين السلطات.

مرشحون وألغاز

وينتظر كذلك أن يشارك إخوان الجزائر في هذه الانتخابات، فعند كتابة هذه السطور، لم يكن الإخوان قد حسموا أمرهم بشأن المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة من عدمها، لكن كل الأصداء الواردة من داخل الحركة توحي بأنهم سيشاركون وسيجدون المبرر لدخول السباق الانتخابي، مع أنهم غابوا عن الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2014 بدعوى أن أجواء إجراء انتخابات غير متوفرة، وأنهم لا يريدون الدخول في انتخابات محسومة سلفا. ورغم أن الوضع ما زال كما كان عليه، بل هناك من يرى أنه ساء، إلا أن الحركة التي يقودها عبد الرزاق مقري تتجه إلى المشاركة، إلا في حالة حدوث مفاجأة في آخر لحظة، وكان السؤال الوحيد المطروح قبيل انطلاق أعمال المجلس الشورى هو بمن ستشارك الحركة، برئيسها الحالي الذي لم يعلن نيته صراحة الترشح للانتخابات، والتي ستكون الأولى بالنسبة إليه، أم بأبو جرة سلطاني رئيسها السابق، الذي لم يشارك هو أيضا في الانتخابات الرئاسية؟ لكن سلطاني فاجأ الجميع في بداية اجتماع المجلس بإعلانه الانسحاب، وهو ما فهم منه أن المسألة محسومة لصالح رئيس الحزب الحالي عبد الرزاق مقري. وإذا عدنا إلى الوراء، سنجد أن الوحيد الذي شارك عن “الإخوان” هو مؤسس الحركة والأب الروحي لكل منتسبيها محفوظ نحناح، وكان ذلك سنة 1995. ويقول قياديون في الحركة وبعض السياسيين إنه كان هو الفائز في تلك الانتخابات، وأن السلطة زورت النتائج لصالح مرشحها الجنرال اليامين زروال، وأن بعض أصحاب القرار اعترفوا لنحناح بهذا الأمر، وطلبوا منه التفهم، بالنظر إلى الظروف العصيبة التي كانت تمر بها الجزائر، التي كانت في قلب حرب ضد الإرهاب.

المرشح اللغز في الانتخابات المقبلة هو اللواء المتقاعد علي غديري، هذا الضابط الذي لم يكن معروفا إلا في أوساط ضيقة أبدى نيته الترشح للانتخابات الرئاسية، وقبلها كان قد نشر مقالات في صحيفة “الوطن” (خاصة صادرة بالفرنسية) تحدث فيها عن الوضع السياسي وناشد المؤسسة العسكرية التدخل من أجل إنقاذ البلاد، كما دعا قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح بالتدخل وعدم السماح بخرق الدستور وتأجيل الانتخابات مثلما كانت بعض الأطراف تطمح لذلك، ولكن رد المؤسسة العسكرية جاء عنيفا ضد اللواء غديري على ثلاث مرات، وحتى وإن لم تذكره بالاسم إلا أنه كان واضحا أنه المعني برد الجيش. ورغم أن غديري لم يكن عند نشر المقالات قد طرح نفسه كبديل، أو أعرب عن أي طموح، إلا أن المؤسسة التي كان ينتمي إليها هاجمته بعنف وقالت إن طموحه المفرط يدفع به نحو مسالك لا يملك الكفاءة ولا الإمكانية للخوض فيها، وجاء إعلان ترشح غديري بعد ذلك ليشرح الكثير من الألغاز في ردود المؤسسة عليه.

ويعتبر غديري لغزا، لأنه من الصعب تصور أن عسكريا مثله، لم يمارس السياسة من قبل، يغامر ويدخل انتخابات رئاسية لمجرد طموح مفرط أو نزوة عابرة، خاصة وأنه لا توجد قوة أو قوى سياسية تدعمه، كما أنه لا يتمتع بأي شعبية، وهو ما فتح الباب للتساؤل حول ما إذا كان غديري يحظى بدعم جهات في النظام أو أنه سيلعب دورا ما في الموعد الانتخابي المقبل، فقد يكون هذا الترشح نتيجة تحالفات عديدة، إما أنه سيكون وصيفا لمرشح النظام في حال وقوع أي طارئ، أو أن الهدف من دخوله هو ضمان منافس يتمتع بمصداقية تضاف إليها بهارات الغموض حول من يدعمه ومن يقف في صفه، ومع بعض التوابل من الشكوك حول وجود جهات في النظام تدعمه، لتتم الانتخابات في النهاية بمرور مرشح النظام بدون أي عناء ومع ضمان حد أدنى من المصداقية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية