الجزائر: مشاهد مهربة من انتخابات رئاسية خلطت كل الحسابات وولاية رابعة مفتوحة على كل الاحتمالات

حجم الخط
13

الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة محطة فارقة في التاريخ السياسي للجزائر المستقلة، خاصة وأن الظروف التي جرت فيها، ونتائجها تفتح الباب على العديد من القراءات. والأكيد أن الفترة المقبلة ستكون حبلى بالأحداث، ولكن قبل استشراف المستقبل، من الضروري التوقف عند محطة الانتخابات الرئاسية من أجل قراءتها بتمعن.
من الضروري التأكيد على نقطة مهمة ومنذ البداية، وهي أن صناعة القرار السياسي في الجزائر من أصعب العمليات وأكثرها تعقيدا وغموضا، فصناعة القرار تتم على مستوى علبة سوداء أو ديوان أسود، وهذا الديوان يعرف باستمرار وافدين جدد وآخرين يتم استبعادهم من طاولة صناعة القرار، وبالتالي فإن أغلب المعلومات المتداولة عن كيفية صناعة القرار هي عبارة عن تسريبات وأحيانا اجتهادات.
المشهد الأول الذي يمكن أن ننطلق منه من أجل قراءة الوضع السياسي الحالي هو الاحتجاجات التي عرفتها الجزائر في كانون الثاني/يناير 2011، فالجزائر كانت أول دولة عربية تعرف احتجاجات عنيفة في الوقت الذي كانت فيه ثورة الياسمين في تونس مشتعلة، ولم يكن الرئيس السابق زين العابدين بن علي قد هرب بعد، ورغم أن الاحداث التي عرفتها الجزائر في تلك المرحلة، أصطلح على تسميتها بأحداث السكر والزيت، على خلفية ارتفاع طفيف في أسعار هاتين المادتين الغذائيتين، إلا أن لا أحدا يعرف كيف اشتعلت تلك الأحداث وبتلك السرعة، وكيف عمت أرجاء الوطن في ظرف ساعات. أعمال شغب وتخريب، وهجوم على مقرات الشرطة، وتحطيم كل ما يرمز إلى الدولة، ولا أحد أيضا يعرف كيف توقفت تلك الأحداث بعد أربعة أيام، هناك من وجه الاتهام إلى بارونات الاقتصاد غير الشرعي، وهناك من طرح فرضية وجود صراع على مستوى أعلى هرم السلطة.
ارتباك
السلطة ارتبكت وسارعت كعادتها للإعلان عن نيتها في الإصلاح والانفتاح وتكريس الحريات، من خلال خطاب للرئيس بوتفليقة في نيسان/ابريل 2011 ظهر فيه الرئيس متعبا وغير قادر على الكلام، وشرعت السلطة في إصلاحات سياسية سرعان ما أفرغت من محتواها لما وصلت إلى البرلمان، وسارت البلاد إلى انتخابات تشريعية في أيار/مايو 2012، وعشيتها أدلى الرئيس بوتفليقة بخطاب في مدينة سطيف ( 300 كيلومتر شرق العاصمة) ظهر فيه الرئيس مودعا، ومتحدثا عن ضرورة تسليم المشعل للشباب، وقال مقولته الشهيرة ‘جيلي طاب جنانو’، والتي تعني أن جيله انتهى وقته، ورغم أن من كانوا في القاعة راحوا ينادون ‘عهدة رابعة’، إلا أن بوتفليقة رد عليهم بحزم قائلا: ‘رحم الله امرئ عرف قدرهّ’.
المشهد الثاني يمكن أن نقول أنه بدأ في 27 نيسان/ابريل 2012. الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أصيب بجلطة دماغية، ونقل على إثرها إلى مستشفى ‘فال دوغراس’ العسكري الباريسي، البيان الرسمي حاول التقليل من خطورة الحالة الصحية للرئيس، قائلا إن الأمر يتعلق بنوبة إقفارية عابرة، لكن بعد مدة قصيرة عادت السلطة لتعترف بأن الرئيس أصيب بجلطة دماغية، وخلال الفترة التي قضاها الرئيس في مستشفى فال دوغراس ومصحة ‘ليزانفاليد’ ( المعطوبين ) وهي فترة طويلة استمرت أكثر من 80 يوما، راجت أخبار ومعلومات وإشاعات وارتفعت أصوات مطالبة بعزل الرئيس لأسباب صحية، من خلال تطبيق المادة 88 من الدستور، لكن ذلك لم يعد، وقيل آنذاك أن ‘صناع القرار’ واحتراما لمسار الرجل، فضلوا تجنيبه هذا السيناريو، وتركوه يتعافى من مرضه، وشبه قناعة موجودة لدى الجميع بأن ترشحه لولاية رابعة سيكون ضربا من الجنون.
وبمجرد أن عاد الرئيس من رحلة العلاج الباريسية شرع في عملية تقليم أظافر المؤسسات الأمنية، والتي أسميت عملية إعادة هيكلة، وقام بتعيين رجاله على رأس الوزارات والهيئات التي تشرف وتصنع الانتخابات، كما عين الفريق أحمد قايد صالح نائبا لوزير الدفاع بالإضافة إلى احتفاظه بمنصب قائد الأركان، وسرت في تلك الأثناء معلومات بأن الرئيس الذي أعلن أنه سيقوم بتعديل الدستور قبل الانتخابات الرئاسية، طلب أن يمنحوه سنتين إضافيتين دون الدخول في انتخابات رئاسية، ولكن طلبه قوبل باعتذار من المشرفين على إعداد مسودة الدستور، على اعتبار أنه لا يوجد أي مبرر قانوني أو حتى أخلاقي لتمديد الولاية الرئاسية في الأشهر الأخيرة منها، وبعد ذلك تقرر تأجيل تعديل الدستور، دون أن يكون هناك أي إعلان رسمي بهذا الشأن، ودون أي تبرير أو كلام عن اللجنة الفنية التي قضت أشهرا طويلة في إعداد مسودة الدستور.
التحدي
المشهد الثالث يمكن أن نقول إنه بدأ مع شهر كانون الثاني/يناير الماضي، أنصار الرئيس بوتفليقة من أحزاب ومنظمات يعلنون دعمهم لترشيحه لولاية رابعة، ومعلومات متداولة في الكواليس تشير إلى أن الرئيس غير راغب في ذلك وأن محيطه هو الذي يدفعه للاستمرار في الحكم، وأخذت الأمور منحى أخطر، عندما فتح أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني النار بشكل غير مسبوق ضد الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق قائد جهاز الاستخبارات القوي، الذي كان يخشى الناس ذكر اسمه، حتى لو كان كلامهم عنه بخير، أما سعداني فهاجمه بطريقة علنية، ودعاه إلى الاستقالة بسبب فشله في تسيير عدة ملفات أمنية، مشددا على أن توفيق يرفض الولاية الرابعة للرئيس بوتفليقة، وفهم من الهجوم أن حربا اندلعت على مستوى أعلى هرم السلطة، وأن الخلاف بلغ حد الخروج إلى العلن، وتوقع الكثيرون ردة فعل عنيفة من طرف الفريق مدين، لكن أنصار الولاية الرابعة واصلوا دعوتهم الرئيس للترشح، والخصوم يعتقدون أن المشروع سيسقط في الماء، لأن مرض الرئيس وحصيلة حكمه التي يطعن فيها الكثيرون، فيما يرى آخرون فيها أنها إيجابية، ضف إلى ذلك ما يتردد عن رفض جهاز الاستخبارات للولاية الرابعة.
وتواصل الغموض حول ترشح الرئيس من عدمه إلى آخر لحظة، إذ تفاجئ الجميع بالرئيس بوتفليقة يصل إلى مقر المجلس الدستوري وسط حراسة أمنية مشددة لتسليم ملف ترشحه، ولم يسمح للصحافيين والمصورين إلا بالتقاط صور لبوتفليقة وهو يصل في السيارة، وفي نشرة الثامنة مساء على التلفزيون ظهر بوتفليقة وهو يسلم ملف ترشحه لرئيس المجلس الدستوري مراد مدلسي، وكان يتكلم بصعوبة، واضطر من أعد الصور إلى القيام بمونتاج في جملة من أربع كلمات، وكسر حاجز جديد، وأصبح الرئيس بوتفليقة مرشحا لخلافة نفسه، وسط انتخابات بدت محسومة سلفا، حتى وإن كان البعض يعول على مفاجأة يحدثها غريم بوتفليقة ورئيس حكومته الأسبق علي بن فليس.
وبقي السؤال قائما حول موقف المؤسسة العسكرية، وما إذا كانت هذه المؤسسة موحدة أو منقسمة حول الموقف من الولاية الرابعة، وهذا الغموض ما يزال قائما حتى الإعلان عن النتائج، لأنه كما سبق وأن ذكرنا، عملية اتخاذ القرارات الحاسمة تتم في غموض تام، وأحيانا ما يتم تداوله أو تسريبه ليس بالضرورة هو الصحيح.
المشهد الرابع يبدأ مع الحملة الانتخابية، ستة مرشحين بينهم الرئيس المترشح بوتفليقة الذي غاب طوال الحملة، ولم يخاطب الجزائريين ولا مرة واحدة، ودخل الحملة من ينوب عنه من قيادات الأحزاب، الذين استقبلوا بالهتافات الرافضة للولاية الرابعة، وأحيانا بالحجارة وعلب اللبن والبيض، بل ووصل الأمر حد منع عبد المالك سلال مدير حملة الرئيس بوتفليقة من عقد مهرجان انتخابي بولاية بجاية (240 كيلومترا شرق العاصمة)، في المقابل قام علي بن فليس بحملة ناجحة من حيث الحضور الشعبي لمهرجاناته الانتخابية، سواء في شرق أو غرب البلاد أو حتى في الجنوب والوسط، وفي الأيام الأخيرة من الحملة اتهم من طرف مديرية حملة الرئيس بوتفليقة، أنه وراء الرفض الشعبي الذي يستقبل به من ينوب عن بوتفليقة في الحملة، داخل وخارج الجزائر، وتطور الأمر إلى شكوى من الرئيس بوتفليقة شخصيا لوزير خارجية إسبانيا، بخصوص ‘تصرفات’ المترشح علي بن فليس، الذي وجد نفسه متهما بـ’الإرهاب التلفزيوني’ من طرف الرئيس المترشح، لأنه دعا الولاة إلى أن يخافوا الله في أولادهم، وألا يزوروا الانتخابات، حتى يجنبوهم أكل الحرام، لكن هذا الكلام أخرج عن سياقه، ووصلت الأمور إلى حد أن لويزة حنون التي اتفق المراقبون على أنها ترشحت لدعم بوتفليقة وليس لمنافسته، قالت بأن بن فليس هدد بقتل الولاة، ودعت إلى إلغاء ترشحه.
تساؤلات
المشهد الخامس وهو يوم الانتخابات الرئاسية، التي كان ينتظرها الكثيرون، لمعرفة النتائج من جهة، ولرؤية ردة فعل الخاسر، خاصة في ظل الحملة المنظمة التي جعلت الكثير من الجزائريين يعتقدون أن بن فليس سيحرق البلد، وبأنه خطر على الاستقرار، كما أن الجزائريين كانوا يتطلعون ليروا كيف سيصوت الرئيس بوتفليقة، وكانت المفاجأة أن بوتفليقة دخل مكتب الاقتراع على كرسي متحرك، وأن أحد الحراس دخل معه المكان العازل، ليضع له الورقة داخل المظروف.
ورغم أن نسبة المشاركة لم تتجاوز الـ51 بالمئة، إلا أنه ولأول مرة شرعت القنوات الإذاعية الحكومية في الإعلان عن فوز بوتفليقة ساعات قليلة بعد إغلاق مكاتب الاقتراع، وفي نفس الليلة قال عبد العزيز بلخادم وزير الدولة المستشار الشخصي للرئيس بوتفليقة إن هذا الأخير حصل على نسبة 81 بالمئة من الأصوات، وهي نفس النسبة التي أكدها في اليوم التالي وزير الداخلية الطيب بلعيز، في حين أن المترشح علي بن فليس أكد رفضه لتلك النتائج، مشددا على أن ما حدث كان تزويرا شاملا، وبأنه لن يسكت ولن يقبل بسياسة الأمر الواقع، وشرع مباشرة في جمع المعارضة حوله، بما فيها الأحزاب والشخصيات التي قررت مقاطعة الانتخابات.
المشهد السادس بدأ مباشرة بعد الإعلان عن النتائج، ومن أولى صوره المظاهرات التي شهدتها منطقة القبائل، بمناسبة ذكرى الربيع الأمازيغي، وتحولت المظاهرات في مدينتي تيزي وزو وبجاية إلى مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين، وخلفت جرحى وتم اعتقال العشرات، كما تم تداول صور عن العنف الذي استخدمه بعض رجال الشرطة، الأمر الذي جعل مديرية الأمن العام تعلن في اليوم التالي عن فتح تحقيق في الموضوع.
الولاية الرابعة بدأت بالمظاهرات والاحتجاجات، وأنصار الرئيس قدموا وعودا كثيرة للجزائريين، وسيكون عليهم أن يفوا بها بأسرع وقت ممكن، كما أن مشروع نائب الرئيس الذي قيل بأن بوتفليقة سيستحدثه ليقوم بالمهام التي لم يعد بوتفليقة يقوم بها بسبب المرض، بدأ كلام بشأن التراجع عنه، خاصة وأن صراعا بين الذين نابوا عن بوتفليقة خلال الحملة قد يندلع حول من يفوز بهذا المنصب، الذي قد يفتح الباب لخلافة بوتفليقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية