الجزائر من الشرعية الثورية إلى هيمنة لوبي المال

حجم الخط
0

خرجت الحملة الانتخابية للرئاسيات المرتقبة في الجزائر بتاريخ 17 نيسان/أبريل من دائرة الملاسنات اللفظية بين المرشحين الستة، إلى دائرة العنف والاعتقالات في صفوف المعارضين خلال التظاهرات التي شهدتها عدد من المحافظات الجزائرية، نتيجة رفض جزائريين لترشح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة.
وبلغ التوتر مداه بولاية بجاية التي يقطنها غالبية من الأمازيغ، حيث أجبر شباب غاضبون مدير الحملة الانتخابية للرئيس بوتفليقة على العودة أدراجه، والعزوف عن تنظيم تجمع انتخابي، ما أسفر عن جرح عشرات من عناصر الأمن، بينما استبقت السلطات الأمنية سيناريو مماثلا بمحافظة تيزي وزو التي يقطنها غالبية من الأمازيغ أيضا، واعتقلت عددا من الشباب الذين كانوا يحضرون للتظاهر ضد الوزير الأول السابق، قبل إطلاق سراحهم لاحقا.
مظاهرات الرفض والغضب، لم ينج منها معظم المرشحين، رغم أن الرئيس الحالي نال حصة الأسد من الغضب، ورغم إجماع المرشحين على رفض ما وصفوه بالأساليب غير الديمقراطية، إلا أن المتأمل للحراك الذي تشهده الجزائر منذ انطلاق الحملة الانتخابية، يلاحظ أن تلك المظاهرات المناوئة للمرشحين جاءت متناغمة مع أجواء حملة انتخابية ساخنة، بدأت بملاسنات شرسة بين المتنافسين الستة على دخول قصر المرادية (مقر الرئاسة) من جهة، وبين بعض المرشحين وأحزاب ما يوصف بتيار المقاطعة من جهة أخرى. مناوشات كلامية بلغت حد التعرض للحياة الشخصية والتهديد باللجوء إلى القضاء بين بعض السياسيين البارزين.
أجواء الغضب من العهدة الرابعة تبدو في نظر غالبية الكثير من الجزائريين تحصيل حاصل، وردة فعل طبيعية تعكس تنامي شعور اليأس والنفور من المشاركة السياسية وفقدان الأمل في التغيير لدى شريحة كبيرة من الجزائريين، ولا سيما فئة الشباب الذين عبروا مرارا عن امتعاضهم من أوضاع البلد. ولا يبدو في الأفق، ما يطمئن إلى احتمال تراجع الشباب عن خيار المقاطعة. فمنذ انطلاق الحملة الانتخابية بتاريخ 23 اذار/مارس، أجمعت مختلف العناوين الإعلامية الجزائرية، بجانب تحليلات السياسيين والأكاديميين أن البلد الذي عاش سنوات عصيبة، اصطلح عليها ‘العشرية السوداء’، يعيش اليوم بعد سنوات من إقرار قانون للمصالحة الوطنية استقرارا حذرا، وسط بؤر توتر وقودها اضطرابات اجتماعية وسياسية ما فتئت تنفجر بين الحين والآخر، على الرغم من السيولة المالية التي ما فتئت الحكومات المتعاقبة تضخها لرفع الرواتب، ضمن ما تسميه المعارضة ‘شراء السلم الاجتماعي’.
اليوم، يستعد الجزائريون لانتخابات رئاسية جديدة وسط حالة من ‘الفتور الانتخابي’ لشريحة واسعة من الجزائريين، عشية أهم استحقاق سياسي في الجزائر، يترجمها عزوف واسع عن حضور التجمعات الانتخابية، سيما في المدن الكبرى، وتمزيق صور المرشحين في مختلف المدن والمحافظات الـ 48 الجزائرية، موازاة مع تنامي موجة السخط والقنوط لدى شريحة الشباب بشكل خاص عقب إعلان الرئس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية رابعة، الأمر الذي أثار موجة استياء عارمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ‘فيسبوك’، حيث أبدع شباب جزائريون في التعبير عن تذمرهم من قرار ترشح بوتفليقة عبر رسومات كاريكاتورية وألاغاني الساخطة، ناهيك عن تدوينات نارية حمّلت الرئيس بوتفليقة مسؤولية ‘المستقبل المجهول’ الذي يهدد الجزائر، والقضاء على آمال الشباب في التغيير بسبب إصرار ‘رئيس مريض منهك على الترشح والموت فوق الكرسي، بدل تسليم المشعل لجيل الاستقلال’، كما يقول المعارضون لولاية رابعة للرئيس المرشح.

‘بركات’ حركة معارضة في مواجهة ‘التخوين’

وسرعان، ما التقطت نخبة المثقفين نداءات الشباب الساخطة، وخرجوا إلى شوارع العاصمة الجزائر، متحدين قرارا صادرا العام 2003 يحظر المسيرات، قبل أن يتكتل هؤلاء الشباب في حركة ‘بركات’ التي تعني ‘يكفي’، للتعبير عن سخطهم ورفضهم لولاية رابعة للرئيس الحالي. ونجح أنصار ‘بركات’ في تنظيم سلسلة من الوقفات الاحتجابية، عبر شوارع العاصمة ومدن داخلية أخرى، ومظاهرات شهدت في بداياتها اعتقالات بالجملة لكوادر الحركة والمتعاطفين معها، ولا سيما من الإعلاميين، قبل أن تراجع السلطة ردة فعلها لاحقا، وتكتفي بمراقبة تجمعات حركة ‘بركات’، وتطويقها بقوافل من عناصر الأمن.
وبالموازة، انتشرت حملة تشويه وتشكيك طالت أعضاء الحركة المعارضة، والتي سرعان ما شرختها نار الخلافات والانقسامات في ظل حملة إعلامية موجهة للتشكيك في نواياها وتخوين عناصرها، بلغت حد اتهامهم بالعمالة لأطراف خارجية، وهي التهمة التي باتت ‘موضة’ طالت وتطال العديد من المعارضين في الجزائر.
ورغم الانقسامات، لا تزال ‘بركات’ تصارع على البقاء، وتصر على الاستمرار في إسماع صوتها، غير مبالية بعدد المنخرطين في صفوفها، بقدر ما تحرص على فرض تواجدها، وإبلاغ رسالتها، كما ورد في تصريح للإعلامي الحفناوي غول، أحد أبرز مؤسسيها.

المقاطعة توحد ‘أعداء الأمس’

على الجانب الآخر، تكتلت عدد من الأحزاب ذات الميول السياسية والإيديولوجية المتناقضة تحت راية ‘المقاطعة’ للانتخابات الرئاسية، ونجح هذا التيار في حشد الآلاف داخل قاعة رياضات مغلقة بالعاصمة الجزائر، حضرتها وجوه كانت بالأمس القريب تتقاسم عداوة شديدة، من قبيل علي بلحاج، القيادي السابق في الجبهة الإسلامية للإنقاد المنحلة، وسعيد سعدي الزعيم السابق لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية العلماني، إلى جانب شخصيات تراجعت عن الترشح لانتخابات الرئاسة، يتقدمها رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، وجيلالي سفيان.
وفي ردة فعل لاحقة، تحركت الأحزاب الداعمة لترشح الرئيس بوتفليقة وقررت خوض حملات الهجوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فظهرت في رمش عين سيل من الصفحات عبر موقع الفيسبوك تدعم ترشح بوتفليقة، بينما أعلن حزب جبهة التحرير الوطني (حزب الأغلبية الذي يرأسه بوتفليقة شرفيا) تجنيد قواعده الشبابية للرد على ما اسماها حملة الإساءة والتشويه التي تطال الرئيس المرشح.

حملة على وقع تصفية الحسابات

إن المتتبع لمداخلات وخطب المرشحين الخمسة الآخرين، علي بن فليس وموسى تواتي، وبدرجة أقل لويزة حنون وعبد العزيز بلعيد وعلي فوزي رباعين، يرى بوضوح أن خطبهم تركزت بشكل أدق على محاكمة 15 عاما من حكم الرئيس بوتفليقة، وتصيد عثراته، وانصبت الاتهامات تحديدا على استفحال ظاهرة الفساد المالي والسياسي والرشوة التي لم تشهد الجزائر مثيلا لها منذ الاستقلال، باعتراف السلطة نفسها.
وقد انبرى المرشح بن فليس في صدارة خصوم الرئيس بوتفليقة. وبدا واضحا أن سنوات ‘العزلة السياسية’ التي قضاها بن فليس بعيدا عن الأضواء منذ 2004، عقب ‘تحديه’ للرئيس بوتفليقة وترشحه ضده في انتخابات 2004، كان لها الاثر على نفسية بن فليس وخطابه السياسي، حيث ظهر الرجل في أول حوار تلفزيوني له وقد تخلى عن ثوب رجل القانون والمحامي والسياسي الهادئ، ليتحول إلى سياسي ‘شرس’ لم يوفر أي اتهامات وانتقادات لخصمه بوتفليقة. ولا يفوت المرشح بن فليس منبرا، إلا ويكيل الاتهامات ضد الرئيس الذي سبق له إدارة حملته الانتخابية العام 1999، ومن ذلك قول بن فليس في خطاب إعلان الترشح: ‘إن زمن الرجل المعجزة قد ولّى، ولا يمكن لأحد أن يعد بتحقيق المعجزات.
ولم يتأخر أنصار الرئيس المرشح في الرد على بن فليس وتيار المقاطعة على لسان عدد من الوزراء الذين يشكلون ‘فريق الدعاية الانتخابية’ للرئيس الذي لم يظهر في أي تجمع انتخابي لحد الآن، الأمر الذي اعتبره أنصاره أمرا طبيعيا، وأن إنجازات بوتفليقة خلال 15 عاما تشفع له، وتغنيه عن الظهور.
ورد كل من عبد المالك سلال الوزير الأول المستقيل ومدير الحملة الانتخابية لبوتفليقة على خصومه الذين وصفهم بـ’دعاة التأيئيس’، مرددا في أكبر مناسبة خطاب التخويف من مستقبل الجزائر في حال عدم انتخاب بوتفليقة، وقال سلال في إحدى تجمعاته الانتخابية بمحافظة وهران: ‘حذار… الوحدة الوطنية والاستقرار الوطني، يجب أن ندافع عنهما، وعليه اسمحوا لهذا الرجل بالاستمرار’.
ومن جانبه، انضم عبد القادر بن صالح الأمين لحزب التجمع الوطني الديمقراطي المؤيد لترشح بوتفليقة، والذي يشغل منصب رئيس الغرفة الأولى للبرلمان إلى جوقة المدافعين عن الرئيس ضد اتهامات بن فليس الذي وصفه بـ’بائع الوهم’، ومنافسي بوتفليقة بـ’سماسرة السياسية’.
ولم تنته الملاسنات الكلامية عند هذا الحد، بل إن التصعيد بلغ مداه بين عبد الرزق مقري، زعيم حركة حمس الإسلامية المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين في الجزائر، ولويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمال التروتسكي. واتهمت حنون الأحزاب التي تدعو لمقاطعة الانتخابات بـ ‘إثارة الفتنة’، وأنها ‘مدعومة من الخارج’، و’تحرض على إثارة المشاكل في البلاد’، وصوبت حنون سهامها تجاه مقري تحديدا بسبب قيادته لمنظمة ‘فريدوم هاوس’ في الجزائر، واصفة المنظمة بأنها تابعة للمخابرات الأمريكية، ولم يوفر مقري بدوره من اتهاماته لحنون التي وصفها في تدوينة له عبر موقع فيسبوك بقوله: ‘ ‘أنت امرأة قبيحة ورديئة وقديمة وبالية وضعيفة الفكر’.
وحزب العمال الذي يصنف نفسه في خانة المعارضة، يتهمه خصومه بالتحول إلى ‘بوق دعاية’ للمرشح بوتفليقة، وبخاصة منذ لقائها بقائد الأركان للقوات المسلحة الفريق قايد صالح.
وقد أثارت تلك الاتهامات المتبادلة ردود فعل متباينة، ففي حين انبرى أنصار الطرفين للدفاع عن أحدهما ضد الآخر، فإن طرفا آخر اعتبر ما صدر على لسان حنون ومقري يعكس تدني الخطاب السياسي للطبقة السياسية في الجزائر، مقابل غياب برامج سياسية حقيقية، الأمر الذي يخدم حسبهم الرئيس بوتفليقة، ويضاعف حالة الإحباط لدى شريحة من الجزائريين، اقتنعت بخطاب أحزاب السلطة التي تبرر دعمها لبوتفليقة رغم مرضه، بغياب البديل السياسي، وأنه ليس هناك في الساحة السياسية الحالية من هو أفضل من بوتفليقة.

وعود خيالية

ومن العلامات البارزة لحملة الدعاية لانتخابات 17 نيسان/أبريل المقبل تلك الوعود الانتخابية التي أطلقها المرشحون الستة، والتي أثارت تعليقات ساخرة في الشارع الجزائري ومواقع التواصل الاجتماعي، ومن ذلك وعود أطلقها وزراء الحكومة بالقضاء على أزمة السكن نهائيا في أفق 2019، أي خلال الخمس سنوات المقبلة في حال انتخب الجزائريون بوتفليقة لولاية رابعة، بينما وعد بن فليس بمنحة لكل جزائري عاطل عن العمل، وبأن يرفع نسبة النمو إلى 7’، وقال المرشح بلعيد عبد العزيز إنه سيجعل من الجزائر يابان إفريقيا، ومن محافظة أدرار الواقعة في عمق الجنوب الجزائري عاصمة إفريقيا. في حين، وعد علي فوزي رباعين بتعديل دستوري ينزع عن رئيس الجمهورية صفة القاضي الأول في البلاد ويصبح مواطنا كغيره يحاسب من طرف القضاء. وقالت حنون إنها تعد الجزائريين بتحقيق ‘تداول حقيقي على السلطة لا يشمل من كانوا من قبل في هرم هذه السلطة’. أما موسى تواتي فتوعد قائلا: ‘سأدعو الجزائريين إلى العصيان المدني، في حال تزوير الانتخابات’.
وهي كلها تصريحات لا يبدو أنها ستصنع الفارق لأحد المرشحين على حساب الآخر، في وقت يجزم الكثير من الجزائريين أن الرئيس المقبل لن تحدده البرامج السياسية ولا الوعود الانتخابية! وأن الحسم قد حدد سلفا من قبل أصحاب القرار الفعلي، عبر اتفاق سري بين الرئيس والجيش والمخابرات. وأمام تلك الوعود الانتخابية ‘الخيالية’ وحرب الاتهامات والملاسنات الكلامية بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الجزائرية، يجزم الكثير من المتتبعين للشأن الجزائري أن الحملة الانتخابية لرئاسيات 2014 ومنذ انطلاقتها تشهد بداية محتشمة، وفتورا شديدا. ويحمل كثيرون المسؤولية الأكبر للرئيس بوتفليقة بسبب إصراره على الترشح أو بدافع ممن يقفون خلفه، ما تسبب في إغلاق اللعبة السياسية، وجعل الموعد الانتخابي مرة أخرى يتحول إلى ‘لا حدث’، مادامت القناعة الراسخة في الجزائر أن الرئيس المترشح يفوز حتما، أمام غياب ضمانات النزاهة والشفافية، وانخراط أعضاء الحكومة ومختلف المؤسسات الدستورية في حملة دعم علنية للرئيس المترشح، وإطلاق حملة تخويف معلنة للجزائريين، شعارها إما بوتفليقة أو الفوضى والهاوية، مرددين ‘بعبع’ التدخل الأجنبي ومصير الفوضى الذي تعيشه ما يعرف بدول الربيع العربي.
وعلى الجانب الآخر، يحمل المرشحون المنافسون بوتفليقة جانبا من المسؤولية بسبب انخراطهم في حملة دعائية نارية، وقودها سيل من الاتهامات لشخص الرئيس بوتفليقة وسنوات حكمه، فلم تخرج خطبهم دائرة التركيز على مرض الرئيس وعجزه عن الاستمرار في الحكم، مع التركيز على ملفات الفساد والرشوة والاستفراد بالحكم، وغيرها من الملفات التي يعرفها الجزائريون ويتداولونها في المقاهي والمجالس، ما يعني أن الخطاب الانتخابي لخصوم الرئيس خلا أيضا من مشاريع حقيقية ملموسة، قادرة على إقناع الجزائريين، ولا سيما النخبة المثقفة وشريحة الشباب العازفة عن المشاركة السياسية منذ سنوات طويلة.
وأمام هذا الوضع، فإن اسم الرئيس الذي سيمكث بقصر المرادية ابتداء من 18 نيسان/أبريل المقبل ليس هو الرهان الذي ينتظره 38 مليون جزائري، يعيشون في بلد هو الأكبر مساحة في إفريقيا، ويملك أزيد من 180 مليار دولار من احتياطي العملة الصعبة، واحتياطات قياسية من النفط والغاز، ناهيك عن ثروات سياحية لم تستغل أحسن استغلال ونخبة من الكوادر المؤهلة، لكن البلد يظل يقبع في مؤخرة الدول السائرة في طريق النمو! وقد يكون الحل في جيل آخر من الجزائريين يكون قادرا على إحداث تغيير حقيقي..جيل من نخبة مثقفة تستند على شرعية العلم، وتضع حدا لجيل استحوذ على الحكم في الجزائر منذ استقلالها العام 1962، باسم الشرعية الثورية، قبل أن يدعم نفوذه بجيل من رجال الأعمال الذين بسطوا نفوذهم بقوة في هرم السلطة منذ اعتلاء الرئيس بوتفليقة الحكم العام 1999 .
كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية