يُجمع كثيرون في الداخل والخارج اليوم على أن الجزائر تعيش حالة من التسيب والإهمال لم تعرفها من قبل، رئيس شبه غائب، والدولة مختطفة من قبل أشخاص لم ينتخبهم أحد، حيث لا ندري حقيقة من يُسيِّر البلاد؛ ولهذا يشعر غالبية الجزائريين بفراغ سياسي رهيب، ويردد البعض منهم المثل الشعبي الجزائري ‘نحن كالمال بلا راع’ ويتساءلون لما هذا الوضع الكارثي الذي آلت إليه البلاد؟ ومن المسؤول عنه؟ وكيف الخروج من هذا المأزق؟ أَمِل البعض إثر وصول بوتفليقة للحكم سنة 1999 بإصلاح النظام الجزائري لما يملكه الرجل من حنكة سياسية وخبرة دولية رغم الشك في شرعيته، حيث لم يصل إلى سدة الحكم عن طريق انتخابات شفافة، فمعروف أن الإدارة زوّرت النتائج لصالحه بإرادة من العسكر. لكن، مع مرور الوقت خاب أملهم، حيث رأوا الرجل يمارس الحكم بتصور قديم، رغم أنه أظهر خطابا حداثيا عكس الممارسة التي لم ترق إلى مستوى الخطاب. فركّز كل السلطات في يده مكرسا نظام الحكم الفردي حتى لقبه بعض الصحافيين بسلطان الجزائر، وبالتالي تفاقمت الأزمة المؤسساتية في الجزائر، بأن غُيِّب حكم المؤسسات لصالح حكم الفرد الذي يرى نفسه هو الدولة كما قال ذات يوم ملك فرنسا لويس الرابع عشر. وقام بوتفليقة بتعيين كثير من الأشخاص في المناصب العليا لتسيير أجهزة الدولة، فقط على أساس الولاء للشخص بغض النظر عن الكفاءة، وأيضا لاعتبارات جهوية ومناطقية بحكم تطبيق التوازن الجهوي داخل النظام.. ونفس التصرف تجده عند الكثير من المسؤولين، حيث يجلب كل واحد منهم معه الأضعف وغير الكفء كي لا يهدد سيده، ويتم إقصاء الآخرين بعد تصنيفهم إيديولوجيا، علمانيين، إسلاميين، بعثيين، فرانكفونيين. وظاهرة تعيين المسؤولين على أساس الولاء لم يحدثها بوتفليقة بل كانت موجودة من قبل، لكنها تكرست في عهده بطريقة فاضحة. ويؤكد الذين يعرفون بوتفليقة شخصيا أنه يمتاز بخصلتين متناقضتين: الأولى تذكُّره دائما لمن قدم له خدمة مهما كان حجمها فيرد له الجميل في الوقت المناسب، والثانية تذكره لمن أخطأ في حقه مهما كان نوع الخطأ فينتقم منه عندما تسنح الفرصة. ومن مميزات حكم بوتفليقة بقاء المسؤولين في مناصبهم لفترة طويلة، حيث لم يغيّر بعض الوزراء منذ تعيينهم، ومنهم من كانوا قبل مجيئه، فمن غير المعقول أن يبقى وزير أو سفير في منصبه لمدة تفوق العشر سنوات، رغم فشله في قطاعه رغم أنّ من حسن التدبير في السياسة والتسيير زحزحة الموظفين عن مواقعهم وتغيير الأشخاص. إنّ الموظف الذي يبقى سنوات في منصبه سيسقط حتما في الروتين وتسيطر عليه عادات تكبله عن الإبداع، وتمنعه من التجديد، ويصيبه العقم الفكري والتنظيمي. وزاد بوتفليقة الحياة السياسية جمودا بعد ما أغلق الإعلام العمومي، المرئي والمسموع، في وجه المعارضة منذ وصوله للسلطة، مما أفقدها الاتصال بالشعب لشرح برامجها وتأطير مناضليها. والمؤكد أن بوتفليقة لا يؤمن بالديمقراطية ولا بالمؤسسات، حيث برر ذلك قائلا: ‘اننا مازلنا في بداية طريق الديمقراطية ولسنا كبريطانيا وفرنسا’، لكنه، نسي أن دولا افريقية مثل السنغال وأخرى بأمريكا اللاتينية سبقتنا منذ سنين في إرساء الديمقراطية بالتداول السلمي للسلطة. وإذا كان الاستعمار فشل في القضاء نهائيا على اللغة العربية أهمّ المقومات الحضارية للشعب الجزائري وثقافته الوطنية، ما جعل الرؤساء السابقين يعملون على احترام العربية كلغة رسمية، فإن بوتفليقة تراجع عن استعمالها، حيث بالغ في الخطاب بالفرنسية في المحافل الدولية، وحتى أثناء زيارته لغير الدول الفرانكفونية. ألا يعتبر هذا جزءا من التعدي على الدستور ومنه ضياع هيبة الدولة بشكل آخر؟ ويرى خبراء الاقتصاد ان مئات المليارات التي أهدرت في عهد بوتفليقة لم تحقق كل الأهداف التنموية المرجوة، لأنها لم تكن موجهة في إطار مشروع متكامل للنهضة وبناء اقتصاد قوي يضمن مستقبل الشعب. والفريق الحكومي الذي عيّنه أظهر عجزا في التسيير، حيث كَثُر تبذير المال العام في المشاريع التي لا تنتهي آجالها، حيث استفادت شبكات المصالح بالتحايل على القوانين من المال غير المراقب، فبرزت طبقة من الجزائريين حديثي النعمة أظهرت ثراءً فاحشًا مستفزا لأولئك الذين يكسبون قوتهم بالطرق الشرعية، من غير أن يضمنوا العيش الكريم. ونشرت الصحافة تقارير عن محيط الرئيس أنّه ملوث بالفساد، حيث يُتهم بعض وزرائه المقربين بقضايا رشاوى كبيرة. لقد وفّر بوتفليقة للمفسدين المنتشرين في كامل أجهزة الدولة الغطاء السياسي، ورغم تنديده في بداية عهده بالمحتكرين للاقتصاد، وتهديده بالانسحاب في حال فشله، لكنه لم يف بوعوده، فلم يبعد أحدا، ولم ينظف الجزائر من هؤلاء، ولو فعل ذلك لكان ذلك خيرا له وللشعب، وبرّأ ذمته أمام التاريخ، وترك الشعب يطوِّر مقاومته بنفسه ضد الفاسدين. إن المسيّر الذي ليس له شرعية شعبية لا يستطيع فرض نفسه على المافيا التي سيطرت على مؤسسات الدولة الجزائرية كما وصف ذلك رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى في 2012 . لكن، نسي هذا الأخير أنه جزء من المشكلة، لأن رجل الدولة إمّا أن يُغيّر الوضع باتخاذ قرارات حازمة أو يستقيل. وكما أشار وزير العدل السابق إلى أن القضاء يتعرض للضغط من قبل بعض الأشخاص. وتكلم قبلهم وزير آخر عن مافيا الدواء، لكنهم سكتوا عن تقديم أسماء. ورغم أن هذه التصريحات لا تكشف سرا للجزائريين، حيث يعلم ذلك الخاص والعام، إلاّ أنها كانت بكل تأكيد ضربة لمداحي السلطة الذين يروجون أن الجزائر تسير على ما يرام. وواصل بوتفليقة السياسة الليبرالية المتوحشة التي بدأت منذ التسعينيات، والتي انعكست سلبياتها على فئات اجتماعية كثيرة نظرا لغياب الدولة كمراقب ومؤطّر للقطاع الخاص. مثلا، في ميدان الصحة ظهرت العيادات الخاصة بأسعارها الخيالية، وهي ليست حتى في متناول الميسورين، فما بالك بالمواطنين الفقراء، وقد جاء هذا بعد تدمير القطاع العام، حيث تعيش المستشفيات الكارثة، بينما كبار القوم يذهبون للتداوي في الخارج. كما هو الشأن في ميدان التربية حيث تراجعت المدرسة العمومية، وظهرت المدارس الخاصة بإمكانيات كبيرة، يعني لصالح طبقة الأغنياء. والشيء الإيجابي الملاحظ في السنوات الأخيرة الذي يمس حياة الناس مباشرة هو ارتفاع الأجور نوعا ما، مما حسّن أحوال بعض الفئات من الجزائريين. لكن، مازالت الأجور ضعيفة مقارنة مع غلاء المعيشة وارتفاع التضخم وهبوط قيمة الدينار، مما لا يسمح بتشكل طبقة وسطى تحافظ على توازن المجتمع. وتبقى فئات كثيرة تعاني، خاصة من محدودي الدخل العاملين في القطاع الخاص، ولا نتكلم عن معدمي الدخل. إن خيبة الجزائريين كبيرة اليوم من نظام بوتفليقة لأنه رسم للناس أحلاما وردية، فشعار الإصلاح الذي رفعه لم يتجسد في صورته المثلى. فبعد 15 سنة من الحكم سيترك الجزائر بدون مؤسسات فاعلة، بل مشلولة كالقضاء الخاضع للإدارة والسلطة السياسية، وبرلمان مجرد غرفة تسجيل للأوامر الرئاسية، ونوابه هم للديكور فقط بعد رفع عدد النساء فيه، حيث لعب فيه المال السياسي بطريقة فاضحة على مسمع ومرأى السلطة، فقضى على قيم النضال، وأفسد الحياة الحزبية. لقد دخل أصحاب المال البرلمان بشراء الأصوات لحماية أنفسهم، كما يصرحون بذلك جهرا، وكثير منهم لا تهمهم غير المنفعة الخاصة. وهذا البرلمان سلطة الشعب التشريعية الذي يفترض أن يكون مثل برلمانات الأمم المتحضرة، هو برلمان مشكوك في شرعيته. إن تحميل بوتفليقة شخصيا المسؤولية عن الوضع المتردي الذي آلت إليه البلاد ينبع من كونه المسؤول الأول دستوريا، وبسبب منهجه في ممارسة الحكم، ولإصراره على البقاء في السلطة، رغم مرضه وعجزه كليا عن القيام بمهامه، بذلك زاد الأزمة السياسية والمؤسساتية تعقيدا في الجزائر. ولكن، هذا لا يعني أنه المسؤول الوحيد عن هذا الوضع البائس، ولا نحكم على نيته ونحسبه صادقا. غير أنه في السياسة يُحكم على الأفعال وليس النوايا والعبرة بالنتائج. وتطرح اليوم مسألة البديل، حيث يبدو أنّ العُصَب المُكَوِّنة لنظام الحكم تتصارع من أجل ضمان مكان لها في مرحلة ما بعد بوتفليقة، بعدما دخلنا في العدّ التنازلي للانتخابات الرئاسية في شهر نيسان/ابريل 2014. والواضح أن كل الأطراف في مأزق، فالذين يريدون عهدة رابعة لبوتفليقة يجدون صعوبة في إقناع الجزائريين والأجانب بالمنطق والعقل بمرشح عاجز عن أداء أدنى مهامه البروتوكولية. ويعتبر هذا هروبا للأمام إنّ لم نقل انتحارا سياسيا للبلد ككل، لذا تقف الجزائر اليوم في مفترق الطرق، محطمة من الداخل، ونظامها ضعيف وبدون قاعدة شعبية عريضة يرتكز عليها، عدا كتيبة المداحين والمستفدين من الريع، حيث لم يهتد إلى إصلاح حاله من الداخل. والآراء متباينة داخل النظام فلا إجماع على حل واضح. فالرئيس لم يخف رغبته بالموت في منصبه، ويبدو أن فريقه يريد تعيين نائب له منهم بعد تغيير الدستور وإجراء انتخابات متحكم فيها تضمن لهم الاستمرارية وتجنبهم محاكمات مستقبلية، نظرا لتورط بعض المقربين منه في قضايا فساد مالي حسبما تردده الصحافة. وبالتالي تمديد عمر النظام من دون تغيير فعلي يُنقذ البلد، حيث ينتظر الشعب إصلاحا سياسيا كي يستعيد ثقته في مؤسسات الدولة بالاعتماد على مبدأ السيادة الشعبية لحل قضية شرعية الحكم المعلقة منذ الاستقلال، لتكون الجزائر فعلا استثناءً في الربيع العربي بالإصلاح من الداخل. وتبقى البلاد تنتظر نهاية هذا المأزق، وكل الاحتمالات واردة، فمهما كانت ترتيبات البعض فقد يأتي حدث يفاجئ الجميع.