تقول الدراسات الجديدة إن أذهاننا ليست فقط مرتبطة بأجسادنا، بل إن أجسادنا تؤثر أيضا في أذهاننا. يعرف هذا الاتجاه في التفكير بالعرفانية المُجَسْدَنَة.
لقد ساد في السابق تفكير يرى الذهن والجسد في علاقة تقابل ثنائية؛ وما تزال إلى اليوم تسيطر هذه الطريقة في شطر النفس جزئين: جزء متعال هو العقل أو الذهن وجزء مستقل هو الجسد. الصورة التي ترفضها العرفانية اليوم هي إخلاء الذهن من الجسد، أو فصله عنه، وتقر بأن هناك تفاعلا بين القبيلين، وأن كثيرا من معارفنا مبنية على تجاربنا مع أجسادنا.
أستاذ علم النفس العرفاني الأمريكي رايمون جيبس. ذكر في تأليف جماعي عنوانه «الاستعارة والعرفان المجسدن» أننا دأبنا تقليديا على التمييز بين الإدراك والعمل، فيكون الإدراك بمثابة عملية سلبية بالنسبة إلى العمل، وهو عملية سلبية لأن العلماء كانوا يعتقدون أن الإدراك هو تلقي معلومات من الحواس الخمس، ثم تحول إلى الجهاز العصبي حتى تصل إلى موضع مخصوص في الدماغ. وبعد أن يدركُ شيء ما أو حدث ما ، يمكن أن نبدي أعمالا وفقا للعناصر المدركة تلك. ويضرب الباحث لذلك مثل إبصارنا زجاجة على طاولة، فهذه عملية إدراكية سلبية، لأنها تكتفي بتلقي شيء مبصر وإدراكه؛ لكن التحرك بمد اليد لأخذ الزجاجة هو الذي يمثل قرارا عمليا.
غير أن بعض الأعمال النفسية العرفانية مثل أعمال جيبس، بينت أن الإدراك هو بدوره عمل ننجزه وليس شيئا نتقبله بالحس فيحدث لنا. فحين ننظر إلى الزجاجة، نحن نوجه نظرنا إلى الجهة التي توجد فيها الزجاجة، وهذا يتطلب تنسيقا بين حركة الرأس وموضعه، وحركة العين حتى نحصل على المشهد الذي تكون فيه الزجاجة على الطاولة. حين ننظر نحن نستدعي ما نراه إلى مجالنا البصري. بهذا المنظار يرى جيبس أن عيوننا لا ترى بالمعنى السلبي التأثري للإدراك، بل هي تعمل عملا معقدا ومنسقا كي تستحضر المرئي في مشهدية مناسبة. نتائج هذه الدراسات تؤكد أن التفاعلات الجسدية هي جزء مهم من التجربة الإدراكية.
في تواصلنا اليومي نحن لا نسقط من اعتبارنا حركاتنا الجسدية، التي تؤثر في معالجتنا للوضعيات الموصفة باللغة. يمكن لأبٍ أن يكلم ابنه بلهجة قاسية، مؤنبا إياه على مسمع من أمه، التي رفعت الأمر إلى أبيه حتى يقرعه من أجل عمل تعتبره سيئا، وحين يجد الأب الدبلوماسي أن الجرم ليس كبيرا، وأنه عليه أن يتظاهر بتقريع الابن، إرضاء لأمه يمكن أن يغمزه، أو يشير إليه إشارة خفية بجزء من جسده كي يتظاهر الابن بأنه يقبل التقريع، أو التهديد، فيمثل الأب دور المقرع ويمثل الابن دور المنضبط والخائف من تقريع الوالد. حركة الجسد (العين مثلا وعض الشفة السفلى بشكل مكرر) سوف تكون عنصرا أساسيا في معالجة ذهن الطفل للرسالة الصريحة والضمنية، وهو عندئذ سيعالج في الآن نفسه معلومات سماعية وأخرى بصرية، وسيؤثر الجسد بحركاته في فك الذهن شيفرة الرسالة. إن الحركة تغير تفكيره في الوضعية التي وضع فيها والإيماءات تنقل الرسالة من تأويل إلى آخر.
وناحية أخرى توجد عادات أو طرق في معالجة المعلومات، ترتبط بإدراكنا لأجسادنا، فعلى سبيل المثال فإن توزع الأعداد إلى عقود (عشرات) لا يمكن أن يدرك دون الربط بما لهذا العدد بالذات من صلة بعدد أصابع اليدين وباستعمالهما في عملية العد البسيطة أو الساذجة. أهم المشتغلين على هذه الفكرة من العرفانيين هو جورج لايكوف في نظريته حول الاستعارة التصورية، أو العرفانية التي بنى أفكارها في ثمانينيات القرن الماضي مع مارك جنسن. يرى الباحثان أن تعقلنا للأشياء متأثر في جانب كبير منه بإدراكنا لأجسادنا وبتجربتنا معها؛ ومرد الأمر إلى أن أذهاننا استعارية، وأن نظامنا الفكري استعاري. ويعني ذلك أن لأذهاننا القدرة على أن تستعير لكي تفهم تجاربنا المجردة، أو المعقدة عناصر من تجاربنا الملموسة أو البسيطة، أو المتداولة، وتجري بين التجربتين رابطا ذهنيا يجعلنا نوازي بين عناصر من الميادين المختلفة لنفهم بدقة الأكوان من حولنا.
فما نعرفه عن أجسادنا أن الجزء العلوي فيه جزء متميز وموسوم إيجابا: في الأعلى توجد وجوهنا التي تسمنا، وتجعل الآخرين يتعرفون علينا وفي الأعلى قلوبنا النابضة بالحياة وعقولنا التي ترشدنا وتهدينا وتدرك لنا الأكوان بما فيها.
فعلى سبيل المثال تعيننا تجربتنا مع أجسادنا على بناء استعارات فضائية تجعل الشيء الجميل أو السعيد يوضع فوق؛ بينما تجعلنا ندرك الأشياء السيئة، أو التي تشقينا بوضعه في مكان سفلي. حين تقول: (أنا في أوج السعادة) أو (معنوياتي مرتفعة) فأنت تستعير للسعادة وضعية فوقية موسومة بفضل تجربتك الثقافية مع جسدك بالإيجاب. فما نعرفه عن أجسادنا أن الجزء العلوي فيه جزء متميز وموسوم إيجابا: في الأعلى توجد وجوهنا التي تسمنا، وتجعل الآخرين يتعرفون علينا وفي الأعلى قلوبنا النابضة بالحياة وعقولنا التي ترشدنا وتهدينا وتدرك لنا الأكوان بما فيها. لكن حين تقول: (إن نفسيتي في الحضيض هذا اليوم) أو (أنا في الدرك الأسفل من الفقر)؛ فإن تجربتك مع جسدك وبالتحديد مع الجزء المستقل هي التي تجعلك تسمه سلبا مجاراة للتجربة الجماعية الثقافية مع هذا الجزء الأدنى من الجسد. إنه جزء يخفى ويستر وتاريخ كامل وطويل من الاعتقادات تقيمه في مقابل الجزء العلوي فتحط من قيمته بالنسبة إليه.
جسدنا الذي يؤثر في أذهاننا يحتاج من هذه الأذهان أن تنظر إليه في تفاصيله أولا، وأن تعين هذه التفاصيل حتى تحقق وجودها المدرك. نحن نقول هنا إن تجربتنا مع الجسد ليست في قسمته استعاريا، إلى جزء عال رفيع وجزء مستفل وضيع، بل في إدراكنا لمكونات هذا الجسد ولوظائفها. في اللهجات العربية استعارة متواترة هي استعارة (الشخص طعام) التي نجد فيها أمثلة من نوع ( فلانٌ مهضوم) وعكسه (فلان غير مهضوم) أو (فلان يُقَرْمَشُ) أو (دم فلانة شربات) أو (التهمها بعينيه) أو (أشعر بسكين عينيه تمر على جسدي) وغيرها من الأمثلة التي تجعلنا نرى البشر في أمزجتهم وفي أرواحهم وفي تأثيرهم فينا، وكأنهم أشياء تلتهم مثلما يلتهم جسدنا الطعام. إن تجربتنا مع الجسد ومع طريقة تعامله مع الطعام وكيفية قبول المعدة له أو عدم قبولها هي التي خلقت هذه الاستعارات اليومية. حين نذوق الطعام ونشعر بجودة مذاقه، فإن هذا الأمر الإدراكي الذي يتفاعل فيه الجسد والذهن، يمكن أن يصلح لنا في بناء تجربتنا، مع إدراك الأشخاص والتفاعل معهم. ليس للبشر مذاقات طبعا، ولا يأكل الناس بعضهم بعضا، لكنهم وهم يتفاعلون بعضهم مع بعض يشعرون بشيء من القبول، أو عدم القبول، ويشعرون بأن الناس ألوان مثل ألوان الطعام وأنهم مثله بالضبط يهضمون أو لا يهضمون.
لقد استخدمنا الحالات الجسدية للحديث عن الحالات العاطفية في كثير من تجاربنا فيكفي أن تقول عن الاستقبال الجيد بأنه استقبال حار، وأنت تقصد طبعا حرارة الجسد في وقت الصقيع، وحين لا يكون الاستقبال جيدا ستقول عنه إنه استقبال بارد. ليس المسألة في الاستقبالين مجرد تشبيه أو استعارة من ميداني النار والبرد بالمعنى الوضعي الذي للاستعارة والتشبيه المسألة، عند من يصف الاستقبال بالحار والبارد، أعظم من وصف لشيء محايد هو وصف لكون من الإدراك الذي تلتقي فيه الأمزجة والأجساد عند اللقاء الفعلي، ثم تلتقي بعد ذلك تلتقي لكي تتفاعل في بناء التجربة المدركة باللغة.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية