الرباط – «القدس العربي» : عند عتبة باب البيت، تخطو قدم صغيرة وهي تغادر المنزل، وتليها قدم كبيرة ثم أخرى قد أصابها بعض الوهن، أجيال متعاقبة، الجد والابن ثم الحفيد، تجمعهم لحظة نشوة روحانية رمضانية، وتكسوهم «جلابيب» قشيبة بألوان لا تغادر البياض أو صفرة الذهب أو خضرة الربيع أو حمرة شمس الأصيل أو زرقة السماء المفتوحة أمام الدعاء في هذا الشهر الكريم.
صورة تتكرر كثيرا في شهر رمضان وفي مختلف مدن المغرب، صلاة التراويح عبارة عن «كرنفال» احتفالي باللباس التقليدي، الذي يتوزع بين «الجلباب» و»الدراعية» أو «الفوقية» المغربية الشهيرة.
ويبقى «الجلباب» سيد الألبسة التقليدية في المغرب، بالنسبة للرجال والنساء على حد سواء، لكنه لا يلبس إلا للعزيز وفي المناسبات الكريمة والغالية، وتكون «تراويح» أول يوم من رمضان هي الموعد الجميل، ثم في النصف من الشهر الكريم، ويبقى منتظرا العودة إلى المسجد في ليلة القدر التي يحتفى بها في 27 من رمضان.
وفي يوميات الصيام والغدو والرواح والصلوات الخمس و»تراويح» كل مساء، تكون «القشابة» أو «الدراعية» أو «الفوقية»، أو «الكندورة» هي لباس العموم الذي يسعف اللابس حتى في قضاء أغراضه مثل التسوق.
المعروف لدى المغاربة، أن لبس الجلباب أمر محبب وعادي جدا، لكنه مرغوب في أيام الجمعة، وفي أيام الاحتفال بالمناسبات العزيزة دينية ووطنية، فالقلب واحد في محبة الخالق وما خلق.
صيغة المبالغة لدى البعض تجد ضالتها في تلك الأثواب الفاخرة جدا التي لا قبل لصاحب الدخل المحدود بها، يكتفي بما تيسر من جلباب «سواقي» يعني جاهز من السوق، وفيه ألوان شتى وأنواع كثيرة ولا يختلف عن الفاخر إلا في الدوام بكل تأكيد، وأشياء أخرى يعرفها عشاق هذا النوع من اللباس المغربي الأصيل. التدرج في عتبات الرضى الأصيل، يكون عبر بوابة اللباس، والجلباب على رأس القائمة يعتلي منصة الأناقة كما يبسط أرض الرضا ويرفع سماء الإيمان أيضا، هو مثل عصا موسى عليه السلام «فيها مآرب أخرى»، فإذا كان للباس أن يجمع حسنات فتنة الحياة وبهجة الآخرة، فهو الجلباب دون شك، يجد فيه المرء ضالته الروحية، كما يكون له مرتعا ليمارس بعض الشياكة القادمة من قرون مضت وها هي اليوم ماثلة بين يديه وفوق اكتافه تغطي جسده بكل جمال ودقة وتفان وإبداع.
«الجلباب» الذي صار للمناسبات اليوم، كان بالأمس لباسا يوميا للسلف، وهو يحتاج إلى تفصيل حتى يناسب لابسه، ونجده ملامحه تتمثل في كونه طويلا يمتد من فوق المنكب إلى حذو الكعبين، كما أنه واسع وفضفاض لا يظهر تفاصيل أو تقاسيم الجسم، ولن ننسى في أعلاه غطاء الرأس المتصل به ويسمى في المغرب بـ «القب».
العابر لمحيط «الجلباب» سيخاله واحدا متوحدا في شكله وطريقة خياطته، لكنه مخطئ، فهو أنواع وأصناف تختلف من منطقة إلى أخرى، ففي فاس نجده قشيبا جدا وفضفاضا من الأسفل، الرباطي مثله تقريبا الفرق في الأكتاف التي تنزل قليلا عن المستوى العادي. وهناك «الجلباب» الذي يرتديه سكان باقي المدن مثل الدار البيضاء وهو مفصل بشكل مستقيم متناسق لا اختلاف بين الاكتاف والاكمام وطويلا، عكس الأنواع الأخرى القصيرة.
«جلباب» الرجال أخذ النصيب الأوفر فهو علامة رمضان وكل المناسبات الدينية، عكس «جلباب» النساء، الذي يدخل في باب المعتاد اليومي، الصالح للسوق مثل باقي المشاوير الخاصة، «جلباب» يكون على أهبة الاستعداد لتلبية طلب صاحبته بالتحرك متى تطلب الامر ذلك، ولن ننسى تلك المقولة الشهيرة التي تقولها النساء تعبيرا عن التعب ونفاد الصبر: «عطيني جلابتي ما تعروفوني في مشيت»، بمعنى: أعطوني «جلابتي» ولن تعرفوا أين ذهبت، نكاية في الزمن المؤلم وتراكم اليومي فقط.
لكن «جلباب» النساء الأكثر حضورا في فسيفساء اللباس التقليدي المغربي، كما أن خياطيه المتخصصين فيه أكثر من نظرائهم المتخصصين في جلابيب الرجال، الغلبة للكثرة والكمية وأيضا للذوق المتغير بتغير الأزمان والأماكن أيضا.
الخياط الذي كان سيد زمانه في زمن سابق، صار اليوم يصارع الحداثة ويحارب اللباس الجاهز الذي اكتسح الأسواق وبات مطلوبا لرخصه وجهوزيته أيضا. ولإقبال عموم الناس عليه للأسباب المذكورة وغيرها ويبقى على رأسها الثمن اليسير.
رمضان 2023 يشبه كثيرا سلفه في 2022 وقبل ذلك بأعوام كثيرة، كل رمضانات في المغرب تتشابه مادام «الجلباب» حاضرا وتدعمه خلال يوميات الصيام «الدراعية» و»القشابة» و»الفوقية»، ولن ننسى مؤنسهم الحميم «سروال قندريسة» وهو سروال مغربي عريض عند الحوض بفسحة كبيرة بين الساقين والأقدام ضيقة.
الأصالة هي باب آخر يفضي إلى جنة الإيمان وأناقة لا مثيل لها.