«الجمال العظيم» رواية السوري محمد عبد العزيز: في قطع ووصل حبْل الطفل السُّرّي بالكون

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

ليس غريباً أن يلجأ روائيو الواقعية السحرية إلى إنباض قلوبِ رواياتهم بأرواح «الشامانات» المتنوّعين، من السحرة الطيبين إلى الأولياء المبارَكين إلى عرّافات الغجر السعداء؛ فمثلُها مثلُ العالم الذي تجسّده، وتجسّد فَقْدَه البراءةَ وفطرةَ الإنسان الأولى المتناغمةَ مع الكون، في زمن التوحّش الرأسمالي الذي وصل فداحةَ الوقاحةِ في ارتكاب الإبادة الجماعية، وتصوير مرتكبيها أنفسهم، بفخرِ كونهم المختارين من إلهٍ باركَ أيديهم بأسلحة التصفية العنصرية.
وليس غريباً أن تجنح الروايات التي تنهج أسلوب الترابط والتوحّد والتداخل بالطبيعة لغةً ومعانٍ، أكثر فأكثر إلى التشابك بالكون، تنويعاً للواقعية السحرية التي مازالت تثير مخيلة القراء إن لم يكن خروجاً عليها إلى آفاق أبعد في الفن؛ وتوسيعاً للرؤية بتضييق العبارة في التداخل الصوفيّ الأكثر قرباً من روح الكون؛ وتفاعلاً مع ما يقدّمه العلم والأعمال التي تتداخل مع آخر شطحات خياله المحمول على أجنحة فيزياء الكم.
وليس غريباً أكثرَ، أن تكثُر الروايات العربية المتفاعلة مع شطح هذا العلم، بعد انتشاره ونجاحه في الغرب بحيازة الجوائز، على اختلاف نهج أساليب التشابك بين الواقع والخيال، اليومي والأسطوري، الصوفي والكمومي بنفس الوقت، وأن تَبرز رواياتٌ واضحةُ المعالم في هذا التشابك، مثل رواية المخرج السينمائي السوري محمد عبد العزيز الأولى «الجمال العظيم». وهي تخوض في تجربة ولادة البراءة، وتطوّرها الفطري في التشابك مع أشياء وكائنات الطبيعة، وكسرها بسيوف ما ركّب الإنسان من تمييز طبقي عنصري بينه وبين الآخر، وانحرافها إلى التقوقع والاتجاه للانتقام جرّاء الخذلان، ومن ثم إيجادها طريقَ وصل حبلها السُّري الذي انقطع مع الكون.

تجلّيات الجمال العظيم:

في تجلّيات عالمها الشاعري المتشابك بعوالم فيزياء الكم، بالنسبة لوحدة الكون وتركيب روحه بالاحتمالات، اللايقين، نهاية الواقع، الزمن الواحد، والأكوان الموازية؛ يغوص عبد العزيز في روايته بأعقد ما يَعرِف ولا يعرِف الإنسان، وما أخفى عنه إلهه المبتكَر وأبقاه سراً يخصه إذ: «ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي»، حول مآلها مع العجز عن تحديد ماهيتها، بـ: «لعل الروح لا تموت، بل تتسرّب في الأشياء: في الغبار، في ذرات الضوء، في ذاكرة الأرض. وما نظنه فناءً، ليس سوى انتقالٍ من شكل إلى آخر، من لحمٍ إلى معنى، من صوتٍ إلى صدى. وما من وداعٍ حقيقيّ».
ويغوص أعمق فيما يخص «البيولوجيا الكمومية» الغامضة أكثر من سلوك الفوتونات، وتبسيطه لها في «احتمالات» الحياة، بفقس بيضة عن طائر ميت، يسرد راويه ضيا الوحيد في منظومة سرد الرواية لحظةَ حياته وموته في ذات اللحظة، وبقاءَه احتمالاً: «جلستُ، حدّقت، رأيت كيف يمكن لكائن أن يكون أعمق من الحياة نفسها، وأجمل من الموت لأنه لم يجرّبه، ولم يفسده، بل ظل في حالة نقية من الاحتمال، لحظةٍ غير مكتملة، غير معطوبة، بل خالصةٍ تماماً كفكرةٍ لم تُقَل بعد».
ويربط ذلك بمقارنة ضيا بين ذلك الطائر وأبيه الميت، في الصورة التي أخرجها من محفظته، كصورة سينمائية عن الموت/ العبور، باستخدامه صورة الطائر الذي يدور ويدور في حلقات: «الجبهة الواسعة، العينان… كأن حياته كانت عبوراً صامتاً في ممر طويل من الضوء الخافت/ في عينيه شيء من ذلك الطائر الذي لم يولد».
وفيما يخص الزمن، يداخل عبد العزيز «الزمن الطيني»، لطفل القرية، وزمن أمه التي تُحضِر الماء من البئر، بالزمن الكمومي، الذي لا ماضي فيه ولا حاضر ولا مستقبل، رغم جريان الرواية كلاسيكياً في زمن مستقيم، من الجنين إلى الطفل إلى الصبي إلى المراهق. هذا الذي بدأ شبابه، حيث، «كان الزمن في هذا المكان مختلفاً؛ الزمن لا يتبع قوانين الساعات ولا دقيقة دقيقة، بل هو يسير على إيقاع الأجساد»، وتندفع فيه الديدان البيضاء التي تصفّي الأم الماء منها، خارجاً: «وكأنها تحمل في جسدها، في هذا الصراع الصغير، حكاية العالم كله، حكاية الحياة والموت في لحظة واحدة»… «قادرة على أن تزرع في قلب الطفل فكرةً لا تنطفئ، عن الوجود نفسه، وعن حقيقة الكون».
ويصل عبد العزيز في تشابكاته إلى بلورة ما توّج به روايته من عنوان فصل «الجمال العظيم»/ معجزة الولادة، في حدث ولادة حمارة نعمان، كتعبير عن جوهر وتجليات الوجود، حيث: «بدأت الحمارة تصدر أنيناً خفيضاً، كأنه ترتيل كوني، صوت قادم من جوف الأرض ومن أعلى السماء معاً. كل شيءٍ في جسدها كان يتحرك تحت تأثير قوة غامضة، كأنها تفتح بوابة سرية بين عالمين.». قبل أن يكمل حدث معجزة الولادة الذي لا ينسى، بلمسة الحنان الأمومي،التي صار بعدها يسمع:»كلَّ هذه الكائنات تتحدّث في داخلي، تخبرني عن أوجاعها، عن خوفها من الإنسان، عن حنينها إلى زمن لم تكن فيه الأرض ملكاً لأحد».
ليوصل بطله الطفل إلى لمس الرؤية العظيمة في قلبه: «رؤيا أخرى للعالم: أنْ لا شيء أدنى، أنَّ كل ما يحيا له حقُّ أن يُصغى إليه، أن يُلامَس، أن يُعامل بلطف».
وليختم فصله المذهل بالتشابك بين عالم بطله الواقعي الملوّث بالتمييز القومي وشعارات دولة البعث الجوفاء بصورة حافظ الأسد الذي لا يبتسم أبداً، وقسوة التعليم، وبين العوالم الموازية، حيث: «بين كل هذا، كنت أنسلُّ كجذر شجرةٍ تحت التراب، أبني عالماً موازياً يخصني وحدي، عالماً لا فيه مسطرةٌ ولا المعلّم صفوان ولا شعارات جوفاء، فقط دفءٌ، وحنانٌ، وعصافيرُ، وولاداتٌ سرّية تحدث كل يوم في داخلي».

صفحات موازية لا مرئية:

تماشياَ مع مفهوم أن الروايات الكبيرة لا تقاس بعدد الصفحات، وأن أقلام الروائيين الموهوبين تحفر كما ديدان كونية أنفاقاً إلى صفحات موازية غير مرئية في الرواية، تمدّها بالحياة والمعرفة والألق في ذات الوقت؛ يزوّد عبد العزيزروايته، بسعة لا متناهية في معالجة الارتباطات غير المرئية بين الأشياء والكائنات، فيما يجعل الكون كلّاً واحداً يعمل بتناغم سيمفوني يقوده سحر الجمال، ليبعث في الكائنات الرضا عن موتها الذي لا يعتبر عندها موتاً بقدر ما يكون تجدداً.
ويتماثل عبد العزيز في بلورة رؤيته هذه مع موضوعه، ببلورة عالم الطفل ومن ثم الصبي فالمراهق، من الحدث البسيط الذي لا يَحُسّ به العالم، مثل موت عصفور لحظة فقس البيضة، أو إعادة فرخ عصفور إلى عشّ كاد أن ينزلق خارجه، أو سعي سمكة فضية يراها الطفل لأول مرة فترسم له عوالم مذهلة من الانعتاق، ويحوّله إلى حدث عظيم كونيّ ينزرع في روح ووجدان القارئ ويحوّله كذلك إلى الإحساس بقيمة الوجود وتمجيد الحياة.
لا تخلو الرواية من بعض الأمثال المقحَمة غير المتماشية مع الحدث، عن الإبادة الجماعية في معسكر أوشفيتز؛ وبعض إشكالات التفسير «للدروس التي لا توفّرها أية مدرسة»، وجريانها في زمن مستقيم يختلف عن روح زمن الطفل الطيني اللا زمني، بفصول قصيرة أشبه بلوحات تقرّبها من حافة المذكّرات، ولا تسقطها فيها بسبب تلك الصفحات اللامرئية نفسها. رغم ذلك فإن عبد العزيز لا يكتفي بنسج حبكة الرواية لصفحاتها الظاهرة المبلورة بحكاية الطفل وأمه فحسب، وإنمايقوم بنقل هذه الصفحات على ظهر بساط ريح صفحاتٍ موازيةٍ لا مرئية مميزة، بعمق الرؤية للوجود والعدم، والتحليل النفسي العميق للطفل والمراهق، وللأم التي تنتقل في هذه الصفحات إلى كونها الأرض الحاضنة للحياة، بخصوصيتها الكردية المكافِحة الآسرة: «المرأة التي تربّي الخراف وتخبز الرغيف وتُدخّن سيجارتها بصمتٍ، هي نفسها التي تمسك بزمام العالم دون أن ترى»… «أمي التي لم تكن أمي، بل كانت صوت الأرض».
ويتجاوز عبد العزيز بذلك عادية حكاية الطفل الذي يولد يتيماً، ويعيش حزن اليتم وفقر العائلة وتمييز دولة البعث القومية الفاسدة الجوفاء، ومعاملتها الكرد كمواطنين بدرجة أدنى، وكفاحات الكرد وأمثولات حرق مظلوم دوغان لنفسه كفعل مقاومة؛ إضافة إلى سعي الطفل والمراهق إلى التحرر، وحب الطفولة والمراهقة الذي يصاب بالخذلان، ويكسر بطله الذي يقوم من رماده.
وفي حبكته الروائية هذه، لصفحاته الظاهرة والمرئية، يعيش قارئ «الجمال العظيم» اثنين وثلاثين فصلاً بمشهديةً سينمائية مصقولةٍ، شاعريةَ وسحريةَ ومتعة:
ـــ تداخل الحياة والموت بفلسفةٍ ورؤيةٍ تخفّف وطأة الموت وتجعله طريق عبور ليس أكثر، بأمثلة موت الأب وإحساس الجنين بحزن الأم وإحساس الطفل ومشاركته الوجودية العميقة بحياة وموت كائنات الطبيعة، وتتويج هذه الأمثلة بلقطة عين الكاميرا للقنفذ الذي اختار حفرته للموت بسكينةِ ورضا الكائن الذي أدّى دوره.
ـــ تداخلات الحياة اليومية للقرية بالأساطير واعتياشها عليها وعلى النذور والأولياء بتفهم ومحبة لمخاوف وآمال الإنسان، مثل سحلية «غومغموك» الملونة التي تحرق الجنة وتنال كره وهجومات الأطفال، وسحلية «المارماروك» الشفافة المحترمة التي تحضر الماء بفمها الصغير لإطفاء النار، مع الاستخدامات المبتكرة لهذه الأساطير وفق تحولات الشخصية وفلسفة الرواية.
ـــ تداخلات فن الرسم والسينما التي تدخل بقوة في تحولات الشخصية بدءاً من نيغاتيفات الأفلام السحرية لدى الصبيان، وانتهاءً بفيلم «أحلام المدينة»، الذي يجد فيه ضيا المماثَلة بحياته.
ــــ حبّ الطفولة البهي بالبراءة الخالصة، وحبّ المراهقة المرتبط بعين الشمس وتواصلات الكون، ورغبات البلوغ المشوبة بتجارب العادة السرية والتلصص على الجارة التي تفتح باب الجنة، مختلِطة بصورة مادونا التي: «لم تكن مادونا المغنية، بل كانت تجسيداً لتلك الأنثى التي تسكن كل حلم، تلك التي تجمع بين الحنان والشهوة، بين العذوبة والانفجار. مددتُ يدي بارتباك إلى عضوي، أحاطتني صورة الجارة، وصورة مادونا، وصورة أمي ــ نعم، أمي، ليس جسدها، بل دفؤها، رائحتُها، يدُها التي كانت تمسح على رأسي في الليالي الممطرة».
وتجربة ممارسة الجنس المخيبة للآمال في ساحة المرجة التي حوّلها النظام إلى فنادق للدعارة، بإيروتيكية عميقة حافلة بطهر الكشف عن نوازع الجسد وطموحات الروح وتداخلات مشاعر الخطيئة والخزي والذنب.
ومن ثم الحب الأول الذي يضرب الروح بالبرق، وينتهي إلى الخذلان بسيف الطبقية على أيدي الشيوعيين المزيفين الذي يضعون صورة ستالين في صالوناتهم، والكثير الكثير مما لا تستطيع طيّه الصفحات المتشابكة الظاهرة واللامرئية.
ويوصل عبد العزيز هذه الحبكة إلى قطع حبل سرّة الفتى المخذول مع الكون، بعد خذلان الحب، وإيجاد حلول إعادة الوصل بما لا يخطر على البال من صغائر تتحول إلى محركاتٍ لأحداث الكون، مثل نيغاتيف الفيلم الذي يدفع ضيا لاستعادة وجهه القديم «كجزء من الكل»؛ وفي الفصلين الأخيرين الساحرين «قنفذ ميت يبتسم للكاميرا مرتين»، ويلخص فيه ضيانفسه ابناً للطبيعة و«عيناً صغيرة للكون، يبصر بها ذاته». و«ترنيمةُ الكون البهيّ» الذي يختم الرواية بـ: «وقفتُ هناك، في قلب الحقل، وحدي، لكنني لم أكن وحيداً… في اللحظة التي يتصالح فيها الإنسان مع ضعفه، ويتذكّر أن العالم ليس سوى جسدٍ واحدٍ كبير، وأننا لسنا أفراداً مبعثرين، بل شبكة سرية من النبض والمعنى».
محمد عبد العزيز: الجمال العظيم
دار نينوى، دمشق والشارقة 2025
205 صفحات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية