الماضي، بالنسبة للأفراد، كما الجماعاتِ كما المنافي التي هي أوطانٌ للآخرين، كما الأوطانُ التي هي منافي لمواطنيها، وكما الأرض، كما الكونُ نفسُه الذي انفجر عن ذرّةٍ وصلت كثافتُها حدود احتمال سعة التكثّف، وتوسَّعَ لنشهد نحن البشر كجزء منه، على شظية من شظاياه تسمّى الأرضُ ملحمةَ توسّعه، بحقائقنا وأوهامنا عنه، حتى حدود تكثّفه التي لا نعلم عنها الآن متى تصل إلى ذرّةٍ تتكثف حتى انفجار كبير جديدٍ آخر يخلق كوناً جديداً آخر…
الماضي، في تلسكوب هابل الفضائي وعدسة تلسكوب الروائية اللبنانية هدى بركات، في روايتها الجديدة البالغة الجمال بحديثها عن نعمة الجمال، والقبح الصادم «هند أو أجمل امرأة في العالم»، حيث تتوجّه عدسة بركات إلى أرض دواخلنا لتلتقط جانباً يتعلق بأحد أهم ما يثير مخاوفنا ونهرب من مواجهته في العادة/ الموت، من جهة علاقتنا بالأموات. ولا يصدف أن نشهده في تحكّم ماضينا بنا متجسّداً في حاضرنا منذ أكثر من ألف وأربعمئة سنة في خطاب شيخٍ أو «سيّدٍ» أو «فقيهٍ» طائفي أو عنصرِ مقتلةٍ شعبوي، ليثير مَقاتِلنا، هويّاتٍ قاتلةً وعصبيّاتٍ مكبِّلةً لنا عن الحياة…
والماضي الذي لا يبقى منه سوى أسوأ ما فيه، من حيث العبث، واللامبالاة، كما تنقل ساردة الرواية عن قول قرينتها المتأففة/ شخصية الرواية الثانية، أمُّها، وآسرتُها التي حكمتها خلال حياتها، وبقيت تحكُمها بلا خلاصٍ بعد موتها، إذ لا تكتفي بسرد شخصيتها وجوهر معاناتها مما صنعها، بل تعيش معها شبحاً في بيتها…
الماضي، يتحكّم إن لم نبالغ بكلمة يحكم الحاضر والمستقبل الذي يعود ماضياً إن لم يتداخل هذا بما تفتحه لنا شطحات العلم ويحدث داخل شخصية رواية بركات الرئيسية السّاردة، من أنّ الزمن واحدٌ ولا ماضيَ لا حاضرَ لا مستقبلَ سوى في أوهامنا، حين تسرد بطلة الرواية عن شبح أمها: «لا أخاف أبداً مما أراه أو أسمعه، ولا أردّ ذلك إلى تهيّؤات أو أوهام كما قد يفعل غيري لدرء الخوف والتوجّس من وجود أرواحٍ بيننا. لأني أنا لا أعرف الحدّ الفاصل، ولا أحبُّ التفريق بين الأوهام والحقائق، على ما يفعل الناس، لأن الحياة تصبح إذ ذاك غير محتمَلة. كلّ الحدود الفاصلة القاطعة، حتى بين الحاضر والماضي، الحسّي والخياليّ، السماءِ والأرضِ، ما فوقهما وما تحتهما، هي الوهم. فأنا نفسي عشت وأعيش حياتي كاملةً على تلك الحدود المرتجّة، التي قد تلتبس على الآخرين لكن ليس عليّ أنا».
التباس الحدود في الواقع:
فيما تولّده هذه الرواية من مخاوف واستنتاجات وقراءات ورؤى خلال رحلة التوسّع، تُفجّر بركات صرخةَ «بيغ بانغ» ولادةِ القارئ خلال القراءة؛ وفي جريان حياته الذي سيتداخل بجريان الرواية على الأغلب وفق ما مرّ به من تجارب خاصة لا تبتعد عنها تجربة بطلة الرواية كنموذج. حتى في أقاصي بُعدها الخاص، كفتاة وُلدتْ جميلةً بصورة استثنائية، واهتمّت بها أمُّها كأجمل بنت في العالم، باندهاش كل من يرى مثل هذا الجمال، وأصابها مع بلوغها مرض الـ «أكروميغاليا»/ التضخم والنمو السريع، الذي حوّلها إلى مسخ، ودفع أمَّها بما تحمل من أمراض نفسية واجتماعية إلى حبسها وإخفائها في علّية المطبخ عن البشر. وهربتْ لتعيش تجربةً مدهشة في التشرد بفرنسا، لم تخلُ من حبّ مفرط في جماله وقسوته ومعاني الحرية والأسر فيه مع المشرّد فرنسوا أو رشيد، ثم عادت بعد وفاة أمها إلى بلدها، لتعيش تجربة التداخل محكومةً، بأمِّها الميتة وبلدها لبنان الذي يصل إلى ذروة انهياره بانفجار مرفأه، وسرقة مدخرات أهله من قبل المصارف وسياسييه، وبفساد أهله أنفسهم كذلك.
وخارج الفرح العارم الذي يتولّد عند موت أو قتل حاكمٍ مستبدٍّ أو مجرم حربٍ أو سفّاح شعوب، لا تدخل الرواية في مجاله، يدور في ذهن قارئ رواية هند، ما يتعلّق بحالة «حرمة الموت» العاديّ التي لا تقفُ عند حدود دفع الإنسان إلى المسامحة على الارتكابات العادية من أكل حقٍّ أو ظلم خفيفٍ أو قسوةٍ نابعةٍ عن أوهام المعتقدات، وإنما تتعدّى ذلك إلى تغطية ما ارتكبه الأموات من آثامٍ تحت وصايا أنّ «الميّت لا يقال عنه سوى الله يرحمه»، وتعليمات «اذكروا محاسن موتاكم»، كما لو أنها دعوةٌ لعدم الحديث عن مساوئهم.
ورغم ما في هذه الوصايا من إيجابياتٍ في محو نوازع الانتقام المُمْرضة من النفوس إن تمّ اتباعها، وما فيها من سلبيّاتٍ تمنعُ الكشف عن جوهر الارتكابات، وتُعطّل استخلاص العِبَر عن مساوئ الآثام، وتعرقل إيجاد سبل منع تكرارها عند معرفتها ومعرفة الأسباب التي أدت إلى حدوثها، والنتائج الكارثية التي أحدثتْها للآخرين؛ فإن التعامل مع حرمة الموت أمرٌ معقّد فعلاً، في الحياة كما في الروايات التي تعالج ذلك.
وفي ذلك، تقوم بركات بإبداعٍ استثنائيٍّ، لا يجيب عن تساؤلات ما يجب فعله بقدر ما يطرح من تساؤلات، ولا يحكم على مرتكبي المظالم بقدْر ما يغوص في عمق دوافعهم لمعالجة الأسباب، خارج الرواية التي قدّمتها بجملةٍ مقتبسةٍ من عالم الاجتماع الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت، تلمّ بها الرواية وتنشرها في ذات الوقت، وتدفع قارئها إلى التساؤل حول علاقات الأحياء المعقّدة بالأموات، لتصدمنا بما نعرف في دواخلنا ونهرب منه إلى تجنّب ذكر غير محاسن الأموات، هي: «الموتى هم من يحكمون الأحياء».
إبداع التباس الحدود في الرواية:
في ترجمة مقولتها حول علاقة الأحياء بالأموات، وفي ابتكارها لثيمة الرواية «النهر الذي ليس نهراً»، والتي ترافق بدايتها، وتستخدمها بركات لازمةً تتكرّر في الرواية، وتفتح ختامها على هذه البداية، في تعبيرها عن الالتباس، حيث الأشياء ليست كما هي عليه، والمرويات ليست كما هي حقيقتها، وحيث: «لا أترك مكاني المحبّب على ضفة النهر، الذي ليس نهراً، قبل أن أسمع الليل.»
وفي رسم شخصياتها التي يتداخل الأموات فيها بالأحياء، تبتكر بركات بنيةً روائية ليست بنيةً بقدر ما هي تدفُّقٌ لا ينتهي لذاتٍ معذّبة لا فواصل تقطع تدفّقها حول رحلتها المتداخلة في الوطن/ بيروت، والمنفى العلاجيّ/ باريس؛ ولا عناوين لا نجماتٍ تضع حدوداً بين ماضي وحاضر النص المتدفق غير بعض فراغاتٍ ليست حدوداً بمعنى وشكل الحدود.
وفي هذه اللابنية التي هي بنية متماسكةٌ لا يشعر القارئ بمللٍ في تدفقه معها؛ ترسم بركات شخصياتها، وتصيغ أحداث روايتها بمنظومة سردٍ أحاديّ تقوم به شخصيةٌ واحدةٌ يشعر القارئ أن جميع الشخصيات تقوم بالسرد معها، بإبداعيةِ حيادية السّاردة هند، وجرأةِ صراحتها تجاه مأساتها، وارتقاءِ تسامح داخلها عن ضغينة الحكم.
في التداخل الذي يقوم به الروائيون المؤدلجون للحديث عن الواقع أو التاريخ، وتجسيده كمرحلةٍ مميّزةٍ من خلال الشخصيات، ولا ينجح الكثير منهم في ذلك تحت فخاخ الوصف أو سرد المعلومات المأخوذة من الصحف والكتب والشهود، بانفصالٍ أو افتعالٍ لحركة الأحداث والشخصيات، تتجنّب بركات هذه الفخاخ بحِرَفية ملفتة. وهي تُجسِّد حياة التشرّد والعناية الإنسانية بالمشرّدين في باريس، مثلما تجسّد حياة الحضيض التي وصلها اللبنانيون في بيروت، بسلاسةٍ وحقيقيةٍ واحتضانٍ ودفءٍ لا يشعر فيه القارئ بأي افتعال للحدث أو استخدام للشخصية في بلورة مصيبةٍ.
وفي هذا تُشابك بركات الشخصيات والمرحلة التي يمرّ بها لبنان بصورة طبيعية لا تنفصم، مثل حدث تخزين النترات وانفجار المرفأ الذي أثّر على حياة هند، وحياة من تعرّض له من سكان بيروت، ومثل تعسّر سحبها لنقودها من البنك بفعل إفلاس مصارف لبنان، والسرقة الهائلة التي نتجت عن حياة فساد حُكّامه، ومثل مساعدة طبيبة الأسنان السورية اللاجئة لها نفسياً بتهوينها مصيبتها لها. إذ ما الذي يكبر من مصائب أمام برميل متفجّر لا يميّز بين طفل وامرأة ورجل في نثر الأشلاء، ومثل ذهاب شبابٍ إلى الحرب في غير بلدهم، ليَقتُلوا أناساً لم يفعلوا لهم شيئاً، وعودتهم توابيت تثير أسى هند عند توزيع الحلويات في جنازاتهم كشهداء وعرسانٍ أمام وجوم المفجوعات أمهاتهم.
وتفعل بركات ذلك من دون افتعال ولا حكم ولا إدانة، فالحدث نفسه فجائعي، ومتشابك بما حولها، والمتأثرون هم نفسُها وجيرانها، والعائد شهيداً أو المختفي دون خبرٍ منه صديقها نبيل عامل الكراج الذي يساعدها، والسورية اللاجئة هي طبيبة أسنانها في مرضها الذي يتطوّر بسقوط أسنانها، ومن يقومون بتخزين الأسلحة التي تجلب الوبال على المدنيين في الشقق يُخزّنونها في الشقة التي تُجاورها، وتثير خوفها.
وفي تداخلها الروائي بما يُغنيها بالثقافة والمعرفة إضافة إلى تمتين صلتها بالثقافة الإنسانية، تُمرّر بركات ضمن اهتمامات شخصياتها، نظريات العلم في بحثه عن الحقيقة وشكوكه مع آخِر نسخ اكتشافاته حول الكون، مقابل يقينيات الدين القاهرة المرهقة للبشر، إلى درجة سخريتها من أفعال الكهنوت. كما تمرّر حكاياتٍ متشابكةً بقوة مع عالم الرواية وشخصياتها، مثل حكاية القديسة ريتا الإيطالية في حبّها للمسيح حتى الموت في مشاركة العذاب، ومقارنة هند نفسها بها في عذابها من مصيبة مرضها، مثلما تمرّر حكايةَ خائن المسيح يهوذا الذي انتحر ندماً وخزياً مشنوقاً مدلّى من شجرة التين، ضمن مأساة انتحار والد هند شنقاً على باب بيته بعد اتهامه بالخيانة عند التحاقه بجيش لحد الذي حارب اللبنانيين مع الجيش الإسرائيلي، وهو بريء كما يتضح. مع السخرية باحتمالية تواطؤ يهوذا مع المسيح لخيانته كي تتحقق أمثولة الخلاص.
في لغتها التي تتجنب المحكية وتلتزم الفصحى البسيطة الشاعرية، فيما عدا بعض الأمثال وأسماء الأكلات، تساعد بركات المترجمين على نقل روايتها دون إرهاقٍ يضيفه الروائيون الذين يعتمدون المحكية المجهولة، إلى لغات أخرى.
وفي فاتحة روايتها، اختزالاً وأمثلة ًعن غناها، على ضفة نهرها الذي ليس نهراً، وتشعر معه أنها حوتٌ نافق، ولا تسمّيه بما يهجس القارئ أنه نهر الكلب، وفي بنيتها المحكمة التي ليست بنيةً، وتَداخُلِها الذي هو تَخارج في ذات الوقت؛ ترسم بركات شخصيةً نموذجاً، يُذكّر بما فعله روائيون كبار برسم شخصيات حقيقية بقدر ماهي مبتكرة، لا تبدأ بشخصية كوزيمودو/ أحدب نوتردام، وأميرة البحار السبعة المصابة بمرض رائحة السمك، والمَشّاءة التي تضع خطاً مستقيماً أمامها وتسير عليه مخترقةً الموانع، وفورِست غامب الذي يجري حول العالم من دون توقّف، ولا تنتهي بمستر نون/ الأنثى الأقرب إليها في بيروت، والعديد من الشخصيات المحلّية والعالمية التي تضيف فوائد أدبية لأجنحة الخيال وللتحليل النفسي إلى جانب متعة القراءة. وليس من الغلوّ في شيء الإشارة إلى أهمية شخصية هند، في رواية محكمةٍ وشاعرية ومتعاطفة مع الإنسان ومآسيه الناتجة عن المرض والصراعات.
وكما يبدو فإن الوقت قد بدأ فعلاً بالاهتمام بهذه الشخصية في الرواية، تقديراً ودراسات واحتفاء بما تستحقه على إبداعها.
هدى بركات:
«هند أو أجمل امرأة في العالم»
دار الآداب، بيروت 2024
328 صفحة.