الجمع في صيغة الواحد: العربيّة/ العربيّات

يقول أبو حيّان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة (الليلة الثلاثون): “إذا كان الواحد في صيغة الجمع، ما يصنع به في الصرف؟ فقال: ألحقه بالجمع، فامنعه الصرف لأنّه مثله وشبيهه”. ويستدرك على هذه العبارة شارحا، فيبيّن أنّ الشيء قد يوصف بأنّه واحد بالمعنى وكثير بالأسماء، وقد يوصف بأنّه واحد بالاسم وهو كثير المعنى، وقد يوصف بأنّه واحد بالجنس وهو كثير بالأنواع؛ وقد نقول في شيء واحد إنّه واحد بالموضوع وهو كثير بالحدود. وأقدّر أنّ هذه حال لغتنا العربيّة/ لغاتنا العربيّة، ونحن نحتفل هذا الشهر بيومها العالمي. وهي لغتنا الرسميّة لاشكّ، وعليها تنصّ كلّ دساتير بلداننا، بما فيها تلك التي “تتعايش” فيها لغتان أو أكثر كما هي الحال في العراق والجزائر والمغرب… على أنّي لا أخوض في أمر هذه التعدّديّة اللغويّة، ولست مؤهّلا لذلك؛ وإنّما أحبّ أن ألفت الانتباه إلى أنّ وحدة العربيّة، ولنسمّها “الفصحى” أو “الأدبيّة”، لا تنفي تعدّديّتها ولا هي تحجب عنها شأنها شأن مفردات الطبيعة وأشيائها؛ فالتفّاحة واحدة، لكنّها متعدّدة بما تحوي من لون وطعم ورائحة؛ والبياض واحد في الحدّ، لكنّه كثير في الموضوع؛ إذ يوجد في الثلج والملح والقطن وغيرها.

تعزى هذه التعدّديّة إلى اتّساع الرّقعة المكانيّة، وما أدّى إليه من اضطراب في تحديد اللّهجة الفصيحة، واختلاف المادّة اللغويّة وتشعّبها وتشتّتها، وانصراف النّحاة عن العامل الزّمنيّ في تطّور اللّغة. فلم يقسّموا مثلا لغة الشّعر تقسيما زمنيّا، وإنّما اكتفوا بتقسيمها تقسيما مكانيّا، فجمعوا لغة جرير والفرزدق إلى لغة زهير والأعشى، وفرّقوا بين لغات القبائل بحسب قربها من نجد وبعدها عنها.

أقدّر أنّنا في سياق كهذا يمكن أن نتقصّى لغتنا/ لغاتِنا أو عربيّاتنا زمانيّا ومكانيّا؛ دون وجل أو تهيّب من قداسة، بحثا في نشأة الكلمة وتطوّرها، وفي أوجه العلاقات المعقودة بين العلامة والمدلول، وبين العلامة ومستعمليها، وبين العلامات بعضها ببعض، وما هو راجع إلى التداخل اللغوي أو مؤثّرات اللغات الأجنبيّة واللهجات المحليّة.

وهو مظهر ممّا نسمّيه “شعريّة اللّغة” حيث ترد الكلمة في سياق من التحوّل الأدبي، هو في جانب منه، من تحوّل اللّغة الدّاخليّ حيث “الأًصل” لا يوجد لذاته أو بذاته، بل هو ليس سابق الوجود. فهو جزء من كلمات “مختلفة” تدور في حيّزه بوساطة المصوّتات التي تضفي على الكلمة معناها أو مدلولها، على أساس من طابع المصوّت وكميّته أو مدّته من حيث الطول والقصر، على نحو يتيح لنا الرّجوع إلى “صورتها ” أو “وزنها”.

وقد ذكرت في مقالات سابقة أنّه لابدّ من دراسة توضّح الكيفيّة التي يستثمر بها الكتّاب والشعراء على اختلاف عربيّاتهم نظام “التحوّل الدّاخلي” في العربيّة الأمّ حيث إدخال المصوّتات داخل الأصل طريقة أساسية من خصائصها. وهي ناحية تستوقفنا قديما عند أبي تمّام، وحديثا عند محمود درويش حيث الشعرُ/ اللغة انصهارٌ بين الجميل والحسّي المعيش والفكريّ المجرّد، وتعالق بين الذاتي الحميم والخارجيّ الموضوعيّ، وتواصلٌ بين التشخيص والتخييل والترميز والتّكثيف. وهو ما نسمّيه “فعل الشعر” الذي يمكن تشبيهه بأحلام اليقظة. ودرويش مثل أبي تمّام يطرح على الشاعر المعاصر مهمّة شاقّة جدّا، وهي أن يتقصّى عن زمنيّة لغويّة “شعريّة” يتجاوز بها زمان القصيدة العربيّة القديمة التاريخي، ويغادر بفضلها أيضا زمانه هو إلى “الزّمنيّة الشّعريّة”، أي الزمنيّة التي نرى ضمنها إلى لغة القصيدة العربيّة من داخلها؛ ولعلّها من دون ذلك ليست أكثر من سطح أبكم، أو مجرّد “باب بدفّتين” كما سمعت منه في القاهرة قبيل رحيله، في كلامه على عودة البعض إلى “قصيدة البيت” أو “القصيدة العموديّة” وهي تسمية غير دقيقة.

والشاعر إنّما ينشئ في ظلّ تقاليد نوعيّة مخصوصة، أو في ضوئها، ولكنّ عمله لا يُقاس بها فحسب، وإنّما أيضا بما يذكي من احتمالات وإمكانات لغويّة فيها.

إنّ نظام “التّحوّل الداّخلي” لا يوقفنا على الهيئة التي تتّخذها العلامة وعلى قواعد تنسيقها فحسب، وإنّما يَبِين أيضا عن وظيفة التركيب في نظم المعنى وتنظيمه وعن لغة جمع. فإنتاج معنى مختلف من الفعل المزيد مثلا؛ إنّما ينجم عن النّظام المتعلّق بوحدتين لغويّتين أو أكثر بحيث ننتقل من الثّلاثي بشتّى معانيه؛ إلى المزيد بسائر معانيه، أو إلى المستحدث الذي يمكن أن يكون من أثر الدخيل أو اللغة الأجنبيّة. وقد ذكر ابن خلدون أنّ ملكة اللغة تغيّرت بما ألقى إليها السّمع من مخالفات المستعربين، وأنّ أهل العلوم من العرب خشوا أن تفسد تلك الملكة؛ فينغلق القرآن والحديث على المفهوم. وهو يقصد فساد حركات الإعراب.

فلم يكن بالمستغرب أن نزعوا في علم النحو، إلى بسط نظام لغويّ واحد هو نظام العربيّة الواحدة على “أنظمة” لغويّة مختلفة كان فيها السّمع” أبا الملكات اللّسانيّة” بعبارته. والنحو علم معياريّ يتّخذ من الفصحى باعتبارها لغة مثالا موضوعا له، على حساب الاستعمالات اللغويّة الأخرى، ويعزّز وشائج القربى بين مفهوم النّحويّة ومفهوم الصواب النحويّ. لكنّ العرب أهملوا للأسف “عربيّاتهم” المستعملة، ونكاد لا نظفر بشيء منها أو باقي وشم إلاّ في أبواب النحو الموسومة بـ”لحن العامّة”، أو في الشعر. يقول المستشرق الألماني يوهان فك إنّ اللحن استعمل أوّل مرّة بهذا المعنى عندما تنبّه العرب بعد اختلاطهم بالأعاجم، إلى فرق ما بين التعبير الصحيح (الأصل) والتعبير الملحون (الفرع) أي الحيّ المستعمل.

وأقتصر في السياق الذي أنا به على مثالين من شعر أبي تمّام، عسى أن ندرك أنّ القدماء كانوا أجرأ منّا في استعمال اللحن العامّي بدل الفصيح؛ حتى لا يتحوّل لسان العرب إلى مقبرة أو شواهد قبور. وهو ما كان يعزّز الصلة التي نكاد نفتقدها اليوم بين الشعر والحياة:

جلّيتَ والموتُ مُبدٍ حُرّ صفحته   /   وقد تَفرْعنَ في أقطاره الأجلُ

وكنت أستمتع وأضحك في سرّي وأنا أتتبّع مواقف القدماء من هذا الفعل “تفرعن” نسبة إلى فرعون. فكتب الصولي “تفرّع” أي “تفنّن وفعل ما شاء فنّا بعد فنّ”. ولم يرو “تفرعن هربا منها” على ما يقوله ابن المستوفي. ذلك أنّ هذه الكلمة ممّا عيب على الشاعر، والآمدي يعدّها من ألفاظ العامّة، وقال إنّه معنى في غاية الرّكاكة والسّخافة، وما زال النّاس يعيبونه به “ويقولون: اشتقّ للأجل الذي هو مطلّ على كلّ النّفوس فعلا من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون وعلى نفس كلّ فرعون كان في الدّنيا”. وتحرّج أبو العلاء على حبّه لأبي تمّام فذكر أنّها “كلمة ليست بالعربيّة المحضة”، ولكنّه تسقّط لصاحبه المعاذير: “وذلك أنّهم لمّا كانوا يسمّون الجبابرة الفراعنة تشبيها بفرعون موسى، حملت الكلمة على ذلك فقيل: تفرعن أي صار كأنّه من الفراعنة. واستعار الطّائي ذلك للأجل”.

ويقول أبو تمّام:

لو كان كلّفها عبيد حاجةً     /     يوما لزنّى شدقما وجديلا

واستضعفوا كلّهم كلمة “زنّى”، لأنّها عامّية ومن قبيح الاستعارات. وقال القاضي الجرجاني: “وأظنّه لو وجد لفظة أسقط من (زنّى)، وأقلّ مناسبة للمعنى لاستعملها”.

وشدقم وجديل فحلان من فحول العرب النّجيبة المذكورة في الشعر لسرعتها ونجاتها. وعدّ الآمدي لفظة زنّى “من ألفاظ الصبيان والجهّال”، وقارن بين معنى ظاهر وآخر مضمر أراده الشاعر، ولكنّه لم يهتد للفظه. قال: “وإنّما أراد لو سار عليها عبيد، هذا العالم بأمور الإبل في بعض حاجاته لصغر عنده أو لهان عليه أمر شدقم وجديل”، فلمّا استعصى عليه اللّفظ قال: “لزنّى شدقما وجديلا”. وأضاف ساخرا: “أتراه [عبيد] كان يقول لهما: يا زانيين، أو يا ابني الزّانية. إنّ هذه من حماقات الطّائي وسخفه العجيب”. وتفرّد به ابن المستوفي فعامل “زنّى” معاملة “أزنى” وفسّرها بالحمل على الزّنا لا النّسبة إليه كما فعل الآمدي.

إنّ الشعر ليس مجرّد استيهامات استعاريّة، وإنّما هو محاولة في “تأنيس” اللغة وبناء معادلات ذكيّة بين الغنائي (التكلّم والحاضر) والدرامي (الآخر والمستقبل) والملحمي (الغائب والماضي) كلّما طعّم الشاعر اللغة، ووعى أنّ للكلمة “دلالة حافّة” لا ترتبط بالمعنى على وجه التواضع، بل إنّ هذا المعنى نفسه أي الظّاهر أو الواضح، لم ينمُ من حيث هو كيان مستقلّ له قسماته البيّنة وحدوده الواضحة، ولا هو ارتبط ببنية لغويّة سكونيّة قارّة غير قابلة للتطوّر، إذ هو لا ينفكّ عن قرينه “الحافّ” الذي يتّسع لشتّى أشكال “المضمر”. والمضمر نفسه ليس مستقلاّ بذاته، فهو لا يوجد إلاّ من خلال حوامل الظاهر. بل أنّ من حقّنا أن نشكّ في إمكان وجود ظاهر دون مضمر. ذلك أنّ استعمال العلامة استعمالا خاصّا يمكن أن يدفع إلى التساؤل إن كانت توجد حقاّ علامات اصطلاحيّة غير حافّة أو لغة واحدة “العربيّة” دون لغات “العربيّات”.

* كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية