في قائمة ضحايا “حرب الانتخابات” المتواصلة منذ أكثر من سنة، يحتل عرب إسرائيل مكاناً عالياً، فالأحزاب الصهيونية تنشغل بالتناكف فيما بينها، ما أدى على نحو شبه مؤكد إلى ضياع الفرصة التاريخية لدمج ممثلي وممثلات السكان الناطقين بالعربية في إسرائيل في صفوفها، بشكل كان سيسمح أخيراً، بنحو تدريجي، إلى إبعاد الجمهور العربي عن القيادة السياسية المتطرفة التي تدعي تمثيلهم، وجعله جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإسرائيلي.
إن إدراج عيسوي فريج بمكان غير واقعي في قائمة اليسار الموحد ليس هو السبب الوحيد الذي يثير نقاشاً جدياً عن موقف الأحزاب الصهيونية من الجماعات الناطقة بالعربية في إسرائيل، ففي الأماكن الواقعية في قائمة “أزرق أبيض” نجد غدير مريح، الدرزي، وفي أماكن الواقعية في قائمة الليكود يدرج فقط فطين ملّا الدرزي، وإن كان في مكان حدودي جداً. أما قائمة “إسرائيل بيتنا” فوضعت حمد عمار، الدرزي، في مكان عالٍ جداً؛ رقم 6، وفي ظروف معينة قد يجد نفسه خارج الكنيست. في “يمينا” لا يوجد أي تمثيل للناطقين بالعربية في إسرائيل.
وأمام التمثيل المحترم جداً للدروز في الأحزاب الصهيونية، يبرز بشكل واضح غياب كل تمثيل للمسيحيين والمسلمين والبدو. فإهمال البدو في صالح محافل متطرفة، إسلاميين وقوميين عرب، هو قصور وطني. وفي الظروف الناشئة في الشرق الأوسط وإسرائيل في العقد الأخير يتعاظم تماثل أجزاء واسعة من المسيحيين والمسلمين في إسرائيل مع الدولة التي يعيشون فيها، في ظل قبول طابعها اليهودي.
وتتضح الظاهرة أساساً في أوساط الأجيال الشابة ممن يرون ما يجري في الشرق الأوسط ويفهمون عظمة حظهم في العيش في إسرائيل. المزيد فالمزيد من المسيحيين والمسلمين في إسرائيل يفهمون بأن لا تناقض بين يهودية إسرائيل وتحقيق حقوقهم كأقليات دينية وثقافية، وانخراطهم المتعاظم في كل أطر دولة اليهود. باستثناء السياسة، لو اجتهدت الأحزاب الصهيونية لأن تجند عرباً مسيحيين ومسلمين في صفوفها وتضمن انتخابهم للكنيست لكان في ذلك رسالة واضحة في رغبة المجتمع اليهودي في تعظيم التعايش مع عرب إسرائيل في إطار صهيوني؛ أي في ظل الاعتراف بكون دولة إسرائيل الوطن القومي للشعب اليهودي.
إن تجاهل الجماهير العربية في إسرائيل يترك أمام الناخبين العرب خياراً واحداً فقط: التصويت لـ”القائمة المشتركة” التي كان هدفها ولا يزال تصفية الطابع اليهودي لإسرائيل من الداخل، من أجل شق الطريق لإقامة دولة ثنائية القومية، أو فلسطينية، من نهر الأردن وحتى البحر. لا تنبع قوة “القائمة المشتركة” من تأييد تلقائي في الشارع العربي كله لأهدافها المتطرفة، كما تشهد بحوث كثيرة عن مواقف عرب إسرائيل من دولة إسرائيل، بل لانعدام البديل: الساحة السياسية الصهيونية تدفع عرب إسرائيل نحو المتطرفين.
الأحزاب الإسرائيلية تدفعهم نحو “التطرف” وتترك أمامهم خياراً واحداً
فضلاً عن ذلك، فإن مجرد منح الشرعية السياسية لقائمة سياسية معنية بتصفية دولة اليهود من خلال جعلها محفلاً يحسم في مسألة أي حكومة ستقوم في إسرائيل، يشكل إفلاساً فكرياً: الأحزاب الصهيونية تستسلم أمام أحزاب تقاتل ضد الفكرة الصهيونية. وإضافة إلى خطيئة الإهمال لعرب إسرائيل أضيفت خطيئة الاستسلام.
فهل ممكن إصلاح الظلم؟ ليس متأخراً بعد. أولاً، على اليمين أن يتخلى عن شعاراته الانتخابية التي تحذر من “اليسار والعرب”. فهذه مغلوطة لسببين: أولاً، ثمة عرب غير قليلين يصوتون لأحزاب اليمين الصهيونية والأصولية.
ثانياً، “القائمة المشتركة” ليست يساراً بل هي خليط من المحافل الإسلامية والقومية، حتى في صفوف الحزب الشيوعي الذي كف عن ذلك. على كل الأحزاب الصهيونية أن تتوجه إلى جمهور الناخبين العرب. وفي انتخابات الكنيست الـ24، التي ستجرى بعد أربع سنوات، من الواجب أن يدخل إلى السياسة الصهيونية وإلى الكنيست، عدد أكبر من ممثلي عرب إسرائيل.
بقلم: الداد باك
إسرائيل اليوم 19/1/2020