الإعلامي المصري المعارض، محمد ناصر
أنقرة- “القدس العربي”: يُعتبر المعارضون المصريون لا سيما الإعلاميون منهم المقيمون في تركيا من أبرز ملفات البحث والخلاف في مساعي التقارب المتواصلة بين أنقرة والقاهرة، حيث تسعى الأخيرة بكل قوة لتحقيق شروط مختلفة تتعلق بوقف وسائل الإعلام المعارضة والصحافيين البارزين من مواصلة نشاطهم من الأراضي التركية وصولاً لمطالب طردهم أو تسليمهم إلى جانب عدد كبير من الناشطين والسياسيين لا سيما من جماعة الإخوان المسلمين.
وفي إطار رغبتها المتقدمة بالتوصل إلى توافق مع النظام المصري لإعادة العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين البلدين لتحقيق مصالح مشتركة متعلقة بالملف الليبي وشرق المتوسط وغيرها، أبدت تركيا انفتاحها على القيام بما اعتبرت بمثابة “خطوات لبناء الثقة” بين الجانبين والتي كان أبرزها تخفيف مستوى الانتقادات المتبادلة في الإعلام الرسمي والخاص، قبل أن يصبح ملف إعلام المعارضة المصرية الذي يبث من إسطنبول الأولوية للنظام المصري الذي يعتقد أن ربط أي تقدم في مباحثات إعادة تطبيع العلاقات بخطوات جادة من تركيا في هذا الاتجاه.
وقبل أسابيع، طلبت السلطات التركية من القنوات التلفزيونية التابعة للمعارضة المصرية والتي تبث من إسطنبول بضرورة “الالتزام بمعايير الصحافة المهنية”، وهو ما اعتبر بمثابة دعوة صريحة لتخفيف حدة الانتقادات للنظام المصري وهو ما دفع عددا من كبار الصحافيين المعارضين إلى بث برامجهم عبر يوتيوب وصفحاتهم التي يتابعها الملايين على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة في محاولة للتحايل على الضغوط التركية.
ولكن النظام المصري الذي أثبت مجدداً أنه يولي أولوية وأهمية بالغة جداً لهذا الملف، عاد لربط أي تقدم بخطوات أكبر في هذا الإطار قبل أن تعاود السلطات التركية مخاطبة هذه القنوات وكبار الصحافيين المعارضين والطلب منهم بوقف برامجهم وانتقاداتهم سواء عبر الفضائيات أو من خلال منصات التواصل الاجتماعي وهو ما دفعهم بالفعل للإعلان عن توقف برامجهم فوراً لـ”للأسباب المعروفة الخارجة عن إرادتهم” كما وصفوها.
يقول ناشط مصري بارز يعمل في هيئة تعنى بتنسيق شؤون المعارضة المصرية في إسطنبول رفض الكشف عن اسمه لـ”القدس العربي”: “هذه المرحلة كانت لغة الخطاب مختلفة من الجانب التركي، في المرة الأولى كان الخطاب وديا ودعوة لمراعاة المصالح التركية والالتزام ببعض المعايير، هذه المرة كان الخطاب مختلفاً، حيث اعتبر الجانب التركي أن القنوات والصحافيين لم يلتزموا بالإبلاغ الأول ووجهوا تحذيراً صريحاً وواضحاً ومحدداً فُهم منه ضرورة التوقف التام لهذه البرامج”، وأضاف المصدر: “في حالة أخرى فُهم من الخطاب الموجه لإحدى القنوات بأنه تحذير من خطوة قادمة قد تتمثل في إغلاقها في حال لم تلتزم بالخطاب الأخير الموجه لها”.
ويركز النظام المصري في حملته ومطالبه على عدد من كبار الصحافيين المعارضين الذين حظوا طوال السنوات الماضية بمتابعة واسعة جداً من قبل الشعب المصري، ومنهم بدرجة أساسية معتز مطر وهشام عبد الله أبرز المؤثرين عبر قناة الشرق المعارضة، ومحمد ناصر وحمزة زوبع أبرز وجوه قناة “مكملين”، والذين نجحوا في العمل بقوة من خلال يوتيوب وفيسبوك وتويتر رغم توقف بث برامجهم على قنواتهم منذ أسابيع.
وفي ظل التضارب الكبير في الأنباء خلال الأيام الماضية، انتشرت أخبار مختلفة كان أغلبها مصدره الإعلام المصري التابع للنظام تحدثت عن سيناريوهات مختلفة منها تسليم عدد من كبار الصحافيين المصريين المعارضين للنظام المصري أو عن وجود قرار تركي بمغادرتهم البلاد في وقت قريب، وأنباء أخرى عن تسليم معارضين آخرين ما خلق حالة من الإرباك والتضارب في الكثير من الأوساط.
وبالحديث عن ملف التسليم والإبعاد خارج تركيا، يبرز إلى الواجهة ملف مهم يزيد من تعقيد المسألة بشكل كبير، وهو حصول عدد كبير من المعارضين المصريين بشكل عام والإعلاميين منهم بشكل خاص على الجنسية التركية، وهو ما يجعل من الحديث عن إمكانية التسليم أو الإبعاد أمراً معقداً يصعّب من هامش المساحة المتاحة للسلطات التركية للتجاوب مع المطالب المصرية في هذا الإطار حتى لو رغبت بذلك.
ومن المؤكد أن آلاف المصريين لا سيما المعارضين منهم قد حصلوا خلال السنوات الماضية على الجنسية التركية بطرق مختلفة وباتوا يتمتعون بحقوقهم كمواطنين أتراك وفق الدستور التركي، فيما يُعتقد بقوة أن الغالبية العظمى من الإعلاميين الذين تستهدفهم مطالب السلطات المصرية بالتسليم والطرد هم بالفعل من الذين حصلوا على الجنسية التركية.
يؤكد ناشط مصري من العاملين في اللجنة التركية المصرية المعنية بمتابعة شؤون الجالية والمعارضة المصرية لـ”القدس العربي” أن كبار الإعلاميين الملاحقين لنشاطهم الإعلامي ضد النظام المصري هم من الذين حصلوا على الجنسية التركية، معتبراً أن “الحديث عن تسليمهم أو ترحيلهم من تركيا أمراً غير قابل للتطبيق”.
وفي حال كان هؤلاء الإعلاميين يتمتعون بالفعل بالجنسية التركية، فإن الدستور التركي يمنع تسليمهم لأي جهة خارجية، وبغض النظر عن أي توجه سياسي للحكومة، فإن تسليمهم يعتبر خرقاً للدستور وأمراً لا يمكن الوقوع فيه مهما كان الثمن السياسي المقابل، كما أن ذلك ينطبق على فكرة الترحيل والطرد خارج البلاد إلا في حال اللجوء إلى إجراء دستوري بإسقاط الجنسية عنهم، وهو أمر لا يعتبر سهلاً ويحتاج مبررات قوية من الحكومة لاتخاذ هكذا إجراء.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، لا يجري الحديث عن أي سيناريو يتعلق بتسليم معارضين أو ترحيلهم وخاصة من الإعلاميين، لكن يعتقد أن الضغوط التي مارستها الحكومة التركية عليهم لوقف انتقاداتهم للنظام من تركيا سوف تدفعهم لممارسة نشاطهم الإعلامي من مكان جديد خارج البلاد. وفي هذا الإطار يقول مصدر مقرب من هؤلاء الصحافيين لـ”القدس العربي”: “ثلاثة من كبار الصحافيين الذين توقفت برامجهم يبحثون طوعاً عن مكان بديل لاستئناف برامجهم، وحتى الآن يجري الحديث عن بريطانيا كخيار أول”.
إلى جانب ذلك، تدور نقاشات جوهرية عند مشرفي قنوات المعارضة المصرية في إسطنبول حول جدوى استمرار عملها في حال استمرت القيود المفروضة على انتقاد النظام المصري، حيث كانت النسبة العظمى من المشاهدات لهذه القنوات تنصب على البرامج التي توقفت بالفعل، كما أنها قنوات خصصت معظم برامجها لانتقاد النظام، واليوم تبدو فارغة المحتوى، الأمر الذي قد يدفع تدريجياً نحو إغلاقها أو نقلها لبلد آخر أو الاكتفاء ببث برامجها الأساسية المؤثرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا في حال حصول انتكاسة في جهود إعادة تطبيع العلاقات بين أنقرة والقاهرة ما سيتيح على الأغلب لهذه القنوات استئناف عمليها كما في السابق من إسطنبول.