الجوسسة الأمريكية على الفلسفة الـوجـوديـة!

أصدر محرر الصفحات الثقافية السابق في جريدة ‘فرانكفورتر ألغماين زايتونغ’ فلوريان إيليس هذا العام كتابا شيقا بعنوان ‘1913’ وثق فيه للمناخات والأحداث الفنية والأدبية التي شهدها العام السابق لاندلاع ‘الحرب العامة’ (هكذا سمى العرب الحرب العالمية الأولى، بينما سماها الغربيون ‘الحرب الكبرى’). يتطرق الكتاب للتساوق الذي كان سائدا بين الوعي بأن عام 1913 يفتح أفقا من الإمكانات اللانهائية (عازف الجاز لويس آرمسترنغ يبدأ أول خطوة في حياته الفنية، تشارلي تشابلن يبدأ أول أفلامه، فرانز كافكا يكتب رسائل حب طويلة وجميلة لفليس باور، الخ) وبين شعور القلق المبهم والملح بقرب وقوع الكارثة. تساوق وتداخل ربما يجدان أدق تعبير عنهما في محاورات سيغموند فرويد وراينر ماريا ريلكه عن لا-ثبات الأشياء، أي العلاقة بين الجمال والزوال.
يذكر إيليس في الفصل المخصص لنوفمبر أن ألبير كامو ولد في الجزائر يوم 7 نوفمبر 1913، وأن مسرحيته (الأخيرة) كانت بعنوان ‘المتلبسون بالأرواح’. ويقول: في اليوم ذاته في فيينا صدر العدد الأول من مجلة ‘المتلبسون بالأرواح’ التي قدمت نفسها للقراء بأنها مجلة ‘الشغف والهوى’. ملاحظة طريفة تستدعي أخريات. إذ في خضم الفعاليات التي نظمت والكتب والمقالات التي نشرت هذا الشهر بمناسبة مائوية كامو، أفرز الإنتاج الإعلامي الأنغلوساكسوني مقالتين طريفتين من الجنس الذي نادرا ما يخطر ببال الإعلام الفرنسي.
فقد ذكر رئيس تحرير مجلة ‘الفلسفة الآن’ البريطانية ريك لويس في افتتاحية العدد الأخير أن ألبير كامو هو ‘جيمس دين الفلسفة’. كيف؟ لقد كان كلاهما يتميزان بالوسامة والموهبة. كما أن أشهر أفلام جيمس دين هو ‘متمرد بلا قضية’؛ أما كامو فقد بحث قضية التمرد في كتابه الشهير ‘المتمرد’. توفي كل منهما، شابّا، في حادث سيارة (دين عام 1950، وكامو عام 1960). ويلاحظ لويس أنه إذا كان كامو توفي في السادسة والأربعين، فإن تلك سن مبكرة بالنسبة للفلاسفة. حيث عاش ويلارد كواين 92 سنة، وبرتراند راسل 98 سنة. أما هانس غيورغ-غادامر فقد كان ما يزال يدرّس وهو قد تجاوز المائة.
أما أطرف القصص فهو أن مجلة ‘بروسبكت’ الفكرية البريطانية كشفت النقاب، هذا الشهر، عن تجسس مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (اف.بي.اي) على كامو وسارتر!!! ذلك أن جاي ادغار هوفر كان يرى بنفاذ بصيرته أن الوجودية، التي كانت آنذاك مالئة الدنيا وشاغلة الناس، إنما هي قناع من الطلاسم يتخفّى خلفه شبح الشيوعية. وبينما أثار كامو شكوكه لمجرد أنه كان في المقاومة ضد النازية (!) فإن سارتر أثبت التهمة على نفسه عندما أعلن، قبل مدة من اغتيال الرئيس كندي، أن الولايات المتحدة ‘أمة بلا رأس’ !
وهكذا أصبح الجواسيس الأمريكان، حسب بروسبكت، بمثابة ‘البوليس الفلسفي’. بمعنيين. أولا، لأنهم نهجوا طرائقهم المعروفة في التحري (الفلسفي): أي المراقبة، والتنصت، وتسجيل المكالمات الهاتفية. وثانيا، لأنهم صاروا مضطرين لمتابعة المحاضرات وقراءة النصوص المعقدة (‘المشكلة أن لا شيء بيّنا في البيان الشيوعي’) بغرض استبانة الدوافع الخفية والمقاصد النهائية. أي أن شرط ‘الشرطة الفلسفية’ ـ أو مبدأ الجوسسة على الوجود السابق للماهية – هو ذكاء التأليف بين سيغموند فرويد وشرلوك هولمز.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية