الجيش اللبناني في حرب غير تقليدية… كيف غدرت المهنة بصباح جزائري… وشماميان على «طريق الشمس»

حجم الخط
1

«قطيع أبقار يهرب من مصنع لتعبئة اللحوم في أمريكا». لعلّه خبر طيب أولاً للنباتيين، لكن ليس لأبناء هذا الحيّ في جنوب كاليفورنيا (والأخبار قالت إن البقرات أحدثن دماراً في الحيّ) ولا لأصحاب المصنع الذي تُرك بابه مفتوحاً فهربت حوالى أربعين بقرة.
من حلاوة الروح ساحت البقرات في الشوارع على غير هدى، صدمت سيارات، وبشراً، وقد أُعلن عن بعض الخسائر، من بينها مقتل بقرة على يد شرطي، عندما حاول أن يتفادى اصطدام بقرة بعائلة. لكن الفيديو الذي تعرضه «سي أن أن» لا يكتفي باستعراض الخسائر، فقد «اعترف بعض الجيران بأنهم كانوا يأملون بألا تعاد البقرات إلى المسالخ». لقد بدأت قضيتهم تحوز شيئاً من التعاطف.

خبر طيب للنباتيين: «قطيع أبقار يهرب من مصنع لتعبئة اللحوم في أمريكا».

إنها حكاية نادرة بالطبع، وكما قال أحد الشهود: «إنه حدث لا يُرى إلا مرة واحدة في العمر». بالنسبة لنا كقراء ومشاهدين، ربما هي واحدة من مرات قليلة نشهد فيها البقر كأبطال حقيقيين يتسلّمون زمام حياتهم ومصيرهم، ولقد شاهدنا من قبل هروباً مماثلاً في فيلم «المطلوبون الـ 18» للفلسطيني عامر شوملي، وكان يقصد بالمطلوبين بقرات، حاول أهالي مدينة بيت ساحور أثناء الانتفاضة الأولى الاستغناء بهن عن اقتصاد الاحتلال فصرن مطاردات ومطلوبات.
ليس هذا الهروب حدثاً نادراً في العمر، ولربما كانت هناك محاولات كثيرة وقعت في الظل من دون أن يهتم لها الإعلام، أو أنه تقصّد التعتيم عليها.
يبدو أن معركة الحرية قد بدأت.

مهن غدّارة

أكثر ما يلفت في المقابلة الإذاعية المصورة للفنانة السورية صباح جزائري حديثها عن عشق أولادها لفن التمثيل، ورفضها في المقابل السماح لهم بدراسته. جزائري فسّرت ذلك بالقول إن هذه المهنة غدارة، وإنها هي شخصياً، رغم النجاح الذي شهدته أعمالها الأولى، أُبعدت عن المهنة لعشر سنوات بحالها، من دون أن تعرف سبباً واضحاً لذلك، على الأقل لم تبح بسبب لمستمعيها.
استبعاد كفاءة وموهبة وطردها ليس حدثاً استثنائياً في بلداننا، وإذا كانت جزائري قد استأنفت عشقها للتمثيل مع مسلسل «الخوالي» لبسام الملا، فلربما هناك آلاف المواهب المغدورة، التي بقيت طيّ الظلّ لأنها لم تجد صديقاً كبسام الملا ينتشلها.

بلاد يصعب أن يكون فيها الرجل المناسب في المكان المناسب. كل شيء مقلوب على رأسه، ما دام الرأس نفسه ليس سوى أضحوكة.

هل كان هذا ما يعنيه نابليون عندما قال «ما من رجل لا يمكن الاستغناء عنه»! ولا ندري صدقية تلك الحكاية التي جمع فيها وزير إعلام سوري صحافيي بلاده، وكان قد بلغه على ما يبدو أنهم ينوون احتجاجاً من نوع ما، ليقول لهم، مع شتيمة مقذعة: هل تظنون أن الصحف غداً لن تصدر من دونكم؟
هي بلاد يصعب أن يكون فيها الرجل المناسب في المكان المناسب. كل شيء مقلوب على رأسه، ما دام الرأس نفسه ليس سوى أضحوكة.
بالطبع يمكن الاستغناء عن صباح جزائري، بل عن نصف الشعب برمّته. واحد فقط لا يمكن الاستغناء عنه: الرجل الأضحوكة!

من كبّر حجره

من العبث ملاحقة المعاني والصور الشعرية في كلمات أغنية «طريق الشمس» للمغنية السورية لينا شماميان، إنها من نوع الـ «أي كلام» ولو أنه يجهد في أن يعثر على قافية وجرس. فإذا كنا نتحدث عن القدس، لا بدّ عندها من كلمات كالعرس والترس، وإذا كان الشعب «مقهور» فلا بدّ أن يكون «مأسور» و»مكسور» ولا بأس، رغم ذلك، برجال يعمرون القصور، فحرام أن تخسر القافية قصراً، وكم سيكون جميلاً أن تختتم السلسلة والأغنية بالـ «نور» فهنا تضرب الأغنية عصفورين بحجر، تبقى مقيمة في القافية، وتختم ببشرى النصر.
تحاول أن تنسى الكلام لتجد عزاء في اللحن، الموسيقى، أداء المغنية. عبث أيضاً. كان يمكن أن يمرّ اللحن، والعمل برمته، مثل أعمال سابقة للمغنية من دون الاضطرار للتوقف عندها، لكن ما يلفت هذه المرة أن العمل، وبدءاً من عنوانه «طريق الشمس» يحاول تسويق نفسه عبر إطار سياسي، ثوري، يعزف على وتر اللحظة السياسية الفلسطينية الراهنة. يستخدم الكوفية الفلسطينية، ثم تحضر طيور وكنائس إلى جانب صورة القدس (لا بدّ من التأكيد على روعة التجاور بين الكنيسة والجامع!) وتمثال صلاح الدين المنتصب على مدخل قلعة دمشق، قبل أن يتعكّز في ختام الكليب على أسماء بارزة كالمخرج السينمائي المصري يسري نصر الله، والفنانة بشرى، تتبنى «طريق الشمس» لتقول «طريق الشمس هدية مننا» أو «كلنا واحد» أو «كلنا واحد ع فكرة».

لم يكن يعيب الأغنية لو أنها تخلّت عن كل الاستعارات والصورالسياسية والسياحية واهتمت أولاً بأن تكون أغنية، لحناً، أداءً، توزيعاً موسيقياً، فهذا هو المطلوب أولاً وقبل أي شيء من أي أغنية.

لم يكن يعيب الأغنية لو أنها تحدثت بشكل أوضح عن الحدث الراهن، فإذا تعلّق الأمر بالقدس فإن هناك صوراً وحكايات في منتهى الروعة والتأثير جاءت من حي الشيخ جراح وغيره من أحياء القدس، لا شك أن الإشارة إليها مباشرة كانت ستمنح الأغنية راهنيتها ومعناها، أحياناً التعميم بهذا الشكل، وفي الوقت الذي يريد أن يتضامن مع أكبر شريحة من المقهورين، قد لا يصيب أحداً البتة، لو أنها اكتفت بالتضامن مع أبناء الحي المقدسي لربما أصابت كل مظلومي العالم.
لم يكن يعيب الأغنية لو أنها تخلّت عن كل الاستعارات والصور السياسية والسياحية واهتمت أولاً بأن تكون أغنية، لحناً، أداءً، توزيعاً موسيقياً، فهذا هو المطلوب أولاً وقبل أي شيء من أي أغنية.

حرب غير تقليدية

«صنّفنا الوضع في لبنان على أنه غير عادي، وبالتالي الحرب التقليدية تستدعي حلاً غير تقليدي». عندما تسمع هذه العبارة من ضابط ركن طيار في جيش لبنان، البلد المنكوب بألف مصيبة ومصيبة لا بد أن تستدعي مخيلتك ألف حلّ غير ذاك الذي ابتدعه الجيش اللبناني.
مراسلة «بي بي سي» في لبنان ستذهب لاستكشاف الحل، وإذا بالجيش يبيع جولات سياحية فوق لبنان بهليكوبتر صغيرة لكل راغب، شرط أن يكون بعمر ثلاث سنوات فما فوق، رحلة لكل ثلاثة أشخاص ولخمس عشرة دقيقة بكلفة مئة وخمسين دولاراً (يا له من سعر رخيص بالطبع، فالركوب في أراجيح حديقة ديزني لاند أغلى من ذلك).
جاء ذلك «في إطار سعي الجيش لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بالبلاد. (حيث) تؤثر الأزمة بشكل كبير على ميزانية الجيش وعلى المستوى المعيشي لعناصره وإمكاناته العملية» حسب «بي بي سي».

في لبنان، حيث الحدود الفالتة، والبلاد عرضة للنهب والقتل والإفساد من ميليشيات أشبه بقوة احتلال، وتجارة المخدرات والسلاح ولا أوضح، كيف تقبل عندها أن يصبح الجيش بياع ألبان، أو هزّاز أراجيح!

لو كان الجيش السويسري هو من يبيع تلك الرحلات لأثار إعجابنا حقاً، أما في لبنان، حيث الحدود الفالتة، والبلاد عرضة للنهب والقتل والإفساد من ميليشيات أشبه بقوة احتلال، وتجارة المخدرات والسلاح ولا أوضح، كيف تقبل عندها أن يصبح الجيش بياع ألبان، أو هزّاز أراجيح!
«الحرب غير التقليدية» هنا، تذكّر بـ «التوازن الاستراتيجي» خاصة حافظ الأسد، «توازن» حوّل وزارة الدفاع إلى معامل لإنتاج البيض ومواد استهلاكية كثيرة، ليس بينها أي سلاح استراتيجي لمواجهة أعداء الخارج الإستراتيجيين.
أما الجولات السياحية فهي اختراع لم يقدر عليه حتى نظام الأسد.

كاتب فلسطيني سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية