طالعت حديثا مطولا على موقع ‘مراسلون’ أجراه الزميل الصحافي محمد فرج مع الباحثة المصرية زينب أبو المجد أستاذة تاريخ الشرق الأوسط بجامعة أوبرلين بالولايات المتحدة، خلصت فيه إلى أن الجيش المصري يمثل أكبر عائق للتحول الديمقراطي، وقدمت في سبيل ذلك البرهان تلو البرهان، لاسيما تأكيدها على أن الإمبراطورية الاقتصادية للجيش دفعته لتجاوز حدود القوة التي يمنحها المجتمع، عادة، للقوة العسكرية. كان الحوار موضع جدل واسع بيني وبين عدد من الأصدقاء، بينهم الفنان الكبير أحمد اللباد، فرأيت أن أنقل هذا النقاش لمساحة أوسع يتشارك فيها الجميع من قراء وكتاب، فالأمر يمس وترا مشدودا على آخره يقف على أحد طرفيه شعب يستشعر هلعا تاريخيا على دولة كان الاستقرار احد سماتها، وعلى طرفه الثاني يقف جيش يتوسله كثيرون بغية العودة للحكم. يحدث ذلك في مواجهة نظام سياسي يقارب الفشل ويدانيه يوما إثر يوم، وقلة بين النخبة المثقفة تتوافق بشكل أو بآخر مع طرح أستاذة تاريخ الشرق الأوسط. وبداية لا نستطيع التغاضي عن الأسباب التي دفعت الباحثة لاختزال دور الجيش المصري في كونه ‘تاجرا بشعا’ شارك في عمليات الخصخصة بشراء العديد من الوحدات الاقتصادية في مناخ يشوبه الفساد، رغم أن تدخله كان عملا وطنيا بامتياز، إنقاذا لعشرات المشاريع التي كانت معرضة للتبدد بين أيدي رجال أعمال فاسدين، رغم أنها مشاريع ماسة بالأمن القومي، مثل مشروع النقل النهري بين مصر والسودان، الذي تدخل الجيش لشرائه في اللحظات الأخيرة، بعد أن اقتنصه أو كاد وزير النقل محمد منصور وأخوه ياسين منصور. في الوقت نفسه لا ترى الباحثة صورة الجيش حارسا للأمن القومي ووحدة الوطن، إلا كأسطورة لا يقوم أدنى دليل على صدقها. ولا يستطيع المرء هنا أن يتبين، من حديث السيدة، موقع ثورة يوليو أو الحروب التي خاضها الجيش، أو وجوده كقوة لحفظ التوازن المحلي والإقليمي. ولا أظن أن بإمكان عموم المصريين تصديق هؤلاء الفابيين والمخمليين والعدميين عن دولة بلا سلطة أو بلا جيش، فهي أفكار لم تجد صداها في الواقع الذي نبتت فيه. وقد ظلت هذه الفلسفات ملمحا من ملامح الحرية المجانية، التي يصدح بها الشعراء ليس أكثر. فـ’السان سيمونية’ مثالا عندما نادت بإلغاء الجيوش، كان قائدها واحدا من قادة الحروب الأمريكية قبل عودته إلى فرنسا. وفي ظني أن الباحثة زينب أبو المجد تختزن بالأساس صورة مزيفة لجيوش العالم الأول، باعتقاد أنها الصورة المثالية للجيش الحديث، متجاهلة تاريخا قريبا تطفح من جنباته أشلاء ملايين الضحايا. ففي الولايات المتحدة ودول أوروبا تم الترويج لتلك الصورة المثالية التي صنعت أسطورة ‘الخروج البريء’ من حقل السياسية، ما يعني أننا يجب أن ننسى أو نتناسى تلك الجرائم التاريخية، التي ارتكبت تحت ظل الحكم الاستعماري التوسعي لهذه الجيوش، حيث قتل ملايين الجوعى ونهبت ثروات الشعوب المستعمرة وأقيمت المحارق البشرية، عبر عمليات واسعة للتطهير العرقي والديني، غير أن توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان عليها تجميل هذه المخازي بانسحاب تلك الجيوش من المشهد السياسي وإفساح الطريق لسيطرة رأس المال وأجهزة الاستخبارات العالمية، لتلعب الأدوار نفسها وإن بشكل أكثر نعومة، تحت ظلال الكثير من القيم المكذوبة، وعلى رأسها مواثيق حقوق الإنسان التي أرادوا لها أن تكون ذات طبيعة أممية، لكنها بدلا من أن تستر بعضا من هذا التاريخ الشائن تحولت إلى أداة من الأدوات التي تبرر التدخل من جديد في شؤون المستعمرات القديمة. في العالم الثالث كانت الصورة أشد قسوة، فميراث الحقبة الاستعمارية ثقيل الوطأة، ولم توجد مستعمرة واحدة عصية على الاختطاف، وسط شعوب جرحها الاستعباد وقهرتها الأوبئة والفقر والجهل، وقد كانت جيوشها الحديثة الطالعة من قلب الطبقة المتوسطة، تمثل أعلى تعبيرات السيادة الوطنية، فحملت عبء التغيير المجتمعي الجذري الذي بدأ بحروب الاستقلال. وقادت معظم هذه الجيوش عمليات التحديث، فاستعاد الفرد صوته الخاص، واستعادت معه الأمة بريق هويتها واستقلالها، وتشكل ما يعرف بثورات التحرر تحت مظلة الدولة القومية. على جانب آخر رصد العديد من البحوث الاجتماعية وعشرات الرسائل العلمية التي عملت على علم الاجتماع العسكري، أن الجيوش الوطنية في الدول ذات المؤسسات المستقرة، مثل تركيا والجزائر وباكستان ومصر عملت دائما كقوة ثورية ثم كقوة إصلاحية، في الوقت نفسه استمرت كمعادل مجتمعي لتحقيق مفهوم السيادة، وتحقيق أعلى درجات النظام، باعتبار الجيش الممثل الأعلى لمفهوم’مشروعية القوة’، فهو وحده الذي يستطيع، عبر وضعه الدستوري والقانوني، امتلاك السلاح وتحديد أوقات وطرائق استخدامه. وقد رصدت هذه الدراسات أيضا التأثيرات العميقة والمتقدمة التي تركها الجيش على مجنديه في الريف من الفقراء وغير المتعلمين، حيث تحولوا من عاطلين بالضرورة إلى متعلمين وأصحاب حرف ومهارات ساعدتهم على تغيير أوضاعهم الاجتماعية وهؤلاء يقدرون بالملايين. ربما لذلك لن تتنازل تلك الجيوش عن امتيازاتها بسهولة، وهي بالمناسبة ليست امتيازات ذات طابع شخصي، لكنها امتيازات ترتبط في عقيدة تلك الجيوش بأبنية الدولة القومية، وهي عقيدة لازالت تقوم على وحدة الأرض والشعب وانصهار القوميات تحت ظل مفهوم القوة المفرطة.. وهذا الوضع، قطعا، سيبدأ في التحلل كلما نضجت حركة المجتمع المدني وتعمقت الثقافة التعددية، واستقرت أشكال الحكم الديمقراطي، إلى جانب توافر أوضاع اقتصادية ملائمة تقوم على احتياطات ضخمة تؤمن الدولة في حالات الحروب والأوبئة والكوارث القومية. وقد ظلت تجربة الجيش المصري، بما لها وما عليها، مثالا متقدما ينطوي على الكثير من الوطنية والأخلاقية، فلم يكن، في أية لحظة، جيشا انكشاريا، من ثم لا يمكن لقوة داخلية أو خارجية أن تستأجر قوة عمله، فهو باختصار ليس جيش من يدفع أكثر.