الجُرجاني وبلاغة السوق

يعتقد الكثير من الناس أنّ البلاغة من أمر الكلام الرفيع المتعالي مثل القرآن والشعر ولا يؤمنون أنّ في كلامنا اليومي بلاغة. ومعهم الحقّ في هذا التصوّر، لأنّ البلاغيين اشتغلوا على الكلام الراقي وهم يعتقدون أنّ الجرجاني لم يبحث عن بلاغة العامة في السوق وإلاّ لكانت البلاغة سوقية.
لكن لنفترض أنّ الجرجاني حكم عليه بأن يجمّع بلاغة العامة، وأن يصوغ لكلامهم نظرية في نظم العوام يبرز فيها كيف أنّ العامّي شأنه شأن الفصيح يفكّر في لغته، ويعدل بها عن أصل وضعها، ليبرز ويفيد، وأن كلام العوام موضوع في المواضع التي يقتضيها علم النحو لديهم وعامل على قوانينه وأصوله ومناهجه. سوف يضطر الجرجاني أن يمشي في الأسواق، ويستمع إلى كلامهم بانتباه الدارس وربما حمل معه دواة وقلما ليسجّل. سيعمل عقله البلاغي في كلام هو مقتنع سلفا بأنّه لا بلاغة فيه، ولكن بقوة الحكم الصادر له، عليه أن يرى أنّ في العامة بلغاء وفي كلامهم نظم. الخطة الأولى التي سيعتمدها هو أنّه سيبحث بين العامة عن رجل عامّي مفوّه كلامه يثير اهتمام الناس في الأسواق، وربما قصده واستمع إليه. سيكون عمل الجرجاني بهذا الشكل متبعا فكرة سلطة القائل التي طبقها على الشعر مثلا، ولن يخرج بالتالي من إهابه الفكري القديم غير أنّه سينوع فقط المنتخب من الجمهور.
سلطة القائل هي ركن من أركان البلاغة القديمة، وهي سلطة جاءت من شهادة الجمهور على أنّ شاعرا ما مفوّه ومميز، وعادة ما تكون هذه الشهادة بعد تكرار كثير من الآراء تشهد للشاعر بالتقدم في القول. وبعد ذلك يكون النصّ هو الشاهد الثاني أو المجال الذي يحدث فيه الاشتغال على بيان سلطة القائل. لقد صاغ الرأي العام النقديّ المختصّ دائما آراءنا حول الأدب، وما زال هذا الرأي النقدي القديم يوجّه ذائقتنا تجاه الشعر القديم وشعرائه. فيكفي أن تتحدث اليوم عن امرئ القيس ليحدثوك عن دارة جلجل وكأنها شيء وقع كفلق الفجر، ويكفي أن تتحدث عن أبي نواس ليقترن اسمه بالخمريات، في حين يقترن اسم أبي العتاهية بالزهد، ويكفي أن تذكر جميلا لكي يقال إنّه العذريّ المجنون، وهذه انطباعات تتوارى خلفها مواقف ومعايير نقدية ثابتة. وبناء عليه، فإنّ سلطة القائل هي سلطة يشهد عليها الجمهور وهنا نعني جمهور النقاد.

أمّا سلطة القائل في العامّية فستكون مزعجة للجرجاني المحكوم عليه سلفا بالبحث عن بلاغة العامة في السوق. فهو لا يعرف مثلا لماذا قيل عن ابن مخارق، أو ابن الفزغل، أو عن بنت الصيرفي (أسماء مصطنعة للمفوهين في العامية) مثلا إنّه كان مفوها، أو متكلما لا يشق له غبار في العاميّة. سمات كهذه لدى العامة هي سمات براغماتية تعني أن الشخص الذي اشتهر بالكلام بين العامة اشتهر به في نشاط استخدم فيه الكلام أداة ناجحة لتحقيق مآربه في البيع أو الشراء أو الإضحاك. لنفترض أنّ ابن مخارق المفوه المفلق بين العامة كان يشتغل وسيطا للكراء في مدينة يشكو الناس فيها من كثرة المساكن، وقلة إقبال الأَكَرَة عليها، وأنّ عليه أن يجعل الناس يقبلون على كراء الدور الحقيرة بأموال كثيرة، وإنّه بذلك يحتاج أن يقنع الناس بأسلوبه المميز حتى يقبلوا عليه. ومن الممكن أن يستعمل الرجل أساليب في الإقناع مثلا مميزة وقوالب من الأقوال يمكن أن تكون فيها المحسنات البيانية والبديعية والتراكيب الإنشائية المميزة. في هذه الحالة سوف يتوقف الجرجاني عند هذه الأشكال البلاغية، وبدلا من أن يتخذ مثاله من الفصحى سوف يتخذه من العامية. هذا الضرب من الإجراء هو إسقاط تفاصيل وَرَلسانيّة خاصة بالشعر مثلا، والكلام الرفيع على الكلام اليومي. سوف نجد إذن أبواب البلاغة تكرر مع العامية، ولكن بأشكال من الكلام العامي مختلفة. عمل كهذا فاشل من وجهة نظر علمية لسانية، لأنّ قوة الأقوال لدى ابن مخارق ليست في الأشكال البيانية أو البديعية أو في المعاني الإنشائية، بل إنّ قوته مثلا ستكون في القرن بين الكلام والأمارات والإشارات واللهجة وغيرها. الكلام الحيّ يلتقي فيه القولي بالإشاري، ويشدّ التنغيم مفاصل معينة من الكلام يؤثر بها. الكلام اليومي بين العامة سيفرض على ذكاء الجرجاني أن يستخدم عناصر من الإلقاء وعناصر كثيرة من اللهجات التي لا يعرفها في الكلام المكتوب. البلاغة في الكلام المنطوق غير البلاغة في الكلام المكتوب في هذه تغيب عناصر مقامية لبناء الوضعيات ولكنّها تحضر في الكلام الحيّ. الجديد لجرجاني الأسواق هو الانغماس في الوضعيات التواصلية التي تجعل الكلام مختلفا.

من الممكن أنّ الجرجاني وهو منغمس في هذه المهمة مع العامة أن يختار هو البلغاء اختيارا مسبقا، بالتركيز على الخطابات غير النمطية التي تتجاوز التحيات والأحاديث اليومية إلى الأحاديث التي فيها غنائية مثل مناداة بائع على بضاعة بلكنة العامية (فصحنا المثال عمدا): «يا غربة المشتاق يا فالوذجǃ»، «يا لطائف يا قطائف»ǃ.. طبعا ستقال هذه العبارات بالعاميات التي تتكلمها العامة من باعة ومشترين ومستمعين.. ماذا يمكن أن يجده الجرجاني بليغا في هذا الكلام؟
على الجرجاني أن يجدّد رؤيته الكاملة، عليه أن يمسح ما في ذهنه عن البلاغة القديمة حتى يجد بلاغة جديدة للعامة، وإلا فإنّ تصوّراته عن كيفية اشتغال الكلام العاميّ ستكون في أغلب الأحوال مقترنة ببلاغة الكلام الفصيح. لا يمكن للجرجاني أن يكون بلاغيّا على سمت من يرون أنّ الكلام اليومي هو كأي كلام فيه من البلاغة ما يكفي لأنّ البلاغة شأن عامّ في الكلام، ولكنّه يمرّ ولا نشعر به، أو لنقل إنّنا لا نستطيع أن نسمّيه. في تونس حين تقول عن شخص أضاع الاتجاهات وفرّط في البوصلة إنّه (داخل في حيطǃ)؛ العامّي لا يستسيغ كثيرا أن يستعمل في هذا السياق عبارات الاتجاهات أو البوصلة، فالبوصلة مثلا شيء لم تعد لنا به حاجة براغماتية، بات مخزونا ولم يعد مستهلكا في الحياة. الكلام العامي(داخل في حيطǃ)؛ يقول لك حتى لو أضعت البوصلة بمعنى الاتجاهات، فليس في ذلك من درجة الخطر ذاتها حين تترك جميع المسارات المفتوحة وتتجه بقدمك وبرأسك لتقرع به الحائط؛ أنت لن تمرّ هذا مؤكّد وستزداد ألما مع عدم المرور، ألما هو ما سيوقظك من غفلتك وضياع الاتجاهات عنك. العامّي يقنعه أكثر أن يقول: (داخل في حيطǃ) من أن يقول: (أضعت البوصلة). والعربي الذي يتكلم بالفصحى سيجد هذه العبارة أكثر لباقة لأنّ وراءَها تراثا كاملا من الاستعمال، جعل لها السطوة ورسّخها في الكلام. لكنّ الجرجاني الذي قد تعجبه إضاعة البوصلة بما هي كناية عن ضياع الاتجاهات سيجد في (داخل في حيطǃ) شيئا من ركاكة اللغة تتمثل في استعمال حرف الجرّ (في) في غير معناه سيقبلها في بعض الأقوال التي لها سلطة من نوع (سافرت في تجارة) بمعنى (لام ) الجر الدالة على السببية، لكن أن تكون في معنى المجاوزة الممنوعة فلا يقبلها. غير أنّ كثيرا من المجازات يمكن أن يستعمل فيها الحرف في غير موضعه.
وكثير من الكنايات لا تقاس ببعد المسافات بين المعنى الملفوظ والمعنى المقصود، بل تقاس بتغيير وجهة العبارة من جهتي الغرابة والرمز: الغرابة في (داخل في حيطǃ)؛ هي أنّ الحيطان تُتسلق وتُتسور ولا يدخل فيها وإلا لما عدت حيطانا؛ والرمزية أساسها الخيال: أنّ شخصا يتخيل أنّه يمكن أن يعبر من الحواجز هو شخص عاجز، لا لأنّ الحواجز ليست معابر بل لأنّه نسي ذلك: ترك الاتجاهات المفتوحة واختار المغلق.
هل سيقتنع الجرجاني بعد هذا أنّ بلاغة العامة هي بلاغة براغماتية تعمل بها ما تشاء حيثما ما تشاء عملا مقبولا؟ ربما فعل لكنّ الإشكال كامن في منهجه وفي طريقة تفكيره وليس الإشكال في كلام العامة الذي يسري بين الناس كالماء العذب الزلال عند من يعطش ويجد الماء ويستعذبه لكنه لا يعرف أسبابا لتلك العذوبة.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية