غزة- “القدس العربي”: إن كانت إجراءات الحصار التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، للعام الخامس عشر على التوالي، ضد قطاع غزة، نجحت في منع وصول الكثير من المستلزمات الأساسية والأجهزة، بما فيها تلك الوسائل المنقذة للحياة، إلا أن ذلك الحصار والحاجة، دفع العقل الغزي لمزيد من الابتكار، للتعايش مع الظروف الراهنة.
“عربة الإطفاء” التي صنعت تجهيزاتها بأيدي فلسطينية من قطاع غزة، كانت آخر الأمثلة على إبداع العقل الفلسطيني، لتدبير الأوضاع بما يملك من معدات بسيطة، ليصنع نموذجا يحاكي تلك التي تملكها الدول المتقدمة.
تلك العربة التي خرجت من ورش التصنيع قبل أيام، وكتب عليها عبارة “صنعت في فلسطين” انضمت إلى أسطول عربات الدفاع المدني في قطاع غزة، التي تعاني كثيرا من التهالك، بحكم صناعتها قبل سنوات طويلة، لتصبح حاليا من أفضل مركبات الانفاذ والإطفاء التي يمكن الاستعانة بها وقت الحاجة.
الحاجة إلى مثل هذه العربة التي شكلت بداية نحو تصنيع المزيد منها، وغيرها من مستلزمات فرق الإنقاذ، جاءت بسبب استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ فرض الحصار، إدخال معدات الإطفاء إلى قطاع غزة، رغم تدخل العديد من الجهات الدولية، إذ كان الرد دوما بالرفض، رغم علم الاحتلال حاجة غزة التي تكتظ بالسكان، وتكثر فيها حوادث الحرائق، لمثل هذه العربات.
وخلال السنوات الماضية لم تفلح أي جهة دولية زارت غزة واطلعت على حاجة فرق الدفاع المدني، في ثني إسرائيل عن قرارها هذا، فيما سمح لدولة قطر بإدخال بعض المعدات الخاصة بالإنقاذ والإطفاء، مخصصة لحالات “الاستجابة السريعة”، وذلك من خلال سماح الاحتلال بدخول عربات من ذوات خزانات المياه الصغيرة، فيما تكون الحاجة وقت وقوع الحدث “الحريق” لتلك التي تملك خزانات مياه كبيرة.
ومع استمرار قرار المنع الإسرائيلي لدخول تلك العربات، وآليات الإنقاذ، كما هو الحال مع العديد من المستلزمات والأجهزة الطبية، جرى التوجه نحو التفكير باتجاه تصنيع عربة بأيد غزية، وقد أزيح عن تلك العربة الستار، في الأول من الشهر الجاري، بمناسبة “اليوم العالمي للدفاع المدني”.
وبسبب ما واجهته تلك الفرق الإنقاذية، جرى التفكير بشكل عملي بعد الحرب، لنقل فكرة امتلاك مركبة إطفاء متطورة من الورق إلى الشكل العملي، وحاليا تقف هذه المركبة التي صنعت جميع معدات الإنقاذ والإطفاء فيها ونفذت في قطاع غزة، في مقر وحدة الدفاع المدني الموجودة غربي مدينة غزة، كبرى مدن القطاع والتي عانت كثيرا في الحرب الأخيرة أكثر من أي منطقة أخرى.

ويؤكد أفراد من وحدات الإنقاذ العاملة في غزة، أن تلك العربة تعد الأفضل في العمل حاليا، وأكثر العربات سهولة في الاستخدام، حال توجهوا للقيام بمهمة إنقاذ، لما تملكه من معدات أكبر من تلك الموجودة سابقا، والمصنعة في شركات عالمية مختصة بهذا الأمر.
وهذه العربة، عند وضع خطط تصميمها، قام الفريق المختص من الدفاع المدني ومن مهندسين مختصين في الجامعة الإسلامية، بالاطلاع على آخر أشكال عربات الإطفاء سواء الموجودة حاليا في غزة، أو تلك الموجودة في دول العالم.
واستمع الفريق المختص حسب ما أكد العقيد محمد شرير، مدير التجهيزات في جهاز الدفاع المدني، أيضا إلى فرق الإنقاذ العاملة في غزة، وعن حاجتها للأدوات اللازمة، وعن الشكل الأفضل لأدوات الانقاذ ومكانها، وكذلك عن الصعوبات التي تواجههم في العمل في العربات المتوفرة، ليتم بعد كل هذا وضع المخطط النهائي، الذي يضاهي التطورات العالمية، ويريح فرق الإنقاذ خلال العمل، مؤكدا أن تصنيعها بأيد من قطاع غزة ليس بالهين، وكان يحمل الكثير من التعقيدات، التي جرى في النهاية التغلب عليها. ويقول هذا المسؤول إن أصعب ما واجههم خلال التصنيع كان المضخة ومدفع المياه، الذي يضخ حاليا خمسة آلاف لتر في الدقيقة.
وأشار المسؤول إلى أن جميع المركبات الحالية بخلاف المركبة الجديدة، متهالكة، كون أن تصنيعها يعود لنحو 30 عاما مضت، ويقول إن منظمة الصليب الأحمر التي اطلعت على تلك المركبات واحتياجات فرق الانقاذ، أبلغتهم صعوبة صيانة تلك المركبات، لعدم صلاحيتها بالأصل، وأن فرق الانقاذ تحتاج عربات جديدة لا صيانة المتهالكة.
وعن تلك العربة وما تحتويه من معدات، أوضح الرائد محمد بصل الناطق باسم جهاز الدفاع المدني، لـ”القدس العربي”، أنه جرى تصميمها لتصبح آلية انقاذ وإطفاء في نفس الوقت، بخلاف العربات الموجودة حاليا، والتي إما أن تكون عربة إطفاء أو عربة إنقاذ، وعند سؤالنا عن الفرق بين العربتين، وكيفية دمج ذلك في عربة واحدة، لفت الرائد محمد إلى أن عربات الإنقاذ تكون مخصصة لحمل عتاد وأدوات خاصة بإنقاذ أشخاص عالقين، إما تحت ركام أو في أماكن خطرة أخرى، فيما تكون عربات الإطفاء تحمل مياه ومواد أخرى لإخماد الحرائق.

وهنا يوضح أن الكثير من مهمات الإنقاذ تكون مزدوجة كما حصل في الحرب الأخيرة، بمعنى وجود أشخاص عالقين، مع اندلاع حريق في نفس المكان، ما يجعل هذه العربة قادرة للتعامل مع هذا الحدث، ويشير أيضا إلى أن تلك العربة تحتوي على معدات إنقاذ وإطفاء أكثر من تلك الموجودة في العربات الأخرى.
فمثلا جرى زيادة سعة حزان المياه الخاص بالإطفاء ليصبح ستة كوب، بدلا من العربات الحالية التي يتسع خزانها لما بين ثلاثة إلى أربعة كوب، فيما وضع خزان آخر للمادة الرغوية التي تضخ لمنع وصول الأوكسجين للنار، من 100 لتر إلى 300 لتر، بسبب عدم كفاية الخزانات السابقة للتعامل مع الحوادث.
كما جرى زيادة عدد “خزن العدد” أي الأماكن التي تضع فيها معدات الإطفاء لتصبح ثماني، بدلا من أربعة في العربات القديمة، فيما جرى وضع عملية التحكم في ضخ المياه في نهاية العربة وليس عند السائق، ما يجعل رجل الإطفاء قادرا على تحديد كمية وقوة ضح المياه خلال الحدث، ولم يغفل فريق التصميم، مراعاة تأثير خزانات المياه ومكانها وكذلك مكان أدوات الإنقاذ، مع تصميم هيكل المركبة، بحيث لا تعيق حركتها عندما تكون بكامل حمولة الإنقاذ.
ويقول الناطق باسم الدفاع المدني لـ”القدس العربي” إنه جرى أيضا تصميم وصناعة مضخة المياه الأساسية الموجودة أعلى العربة داخل غزة، من خلال سكب النحاس على الشكل المطلوب، ويبين أن هذا الشيئ المعروف عند طواقم الدفاع المدني باسم “مدفع الضخ” تمنع سلطات الاحتلال دخوله إلى غزة.
ويكشف المسؤول أن قلة الإمكانيات، بسبب حصار إسرائيل، تسبب في وقوع حوادث وفاة لأشخاص خلال الحرب الأخيرة، ويقول إن الكثير من المواطنين الذين انهالت المنازل فوق رؤوسهم بسبب الغارات الإسرائيلية، قضوا تحت الأنقاض لعدم التمكن من الوصول إليهم في الوقت المطلوب، ويوضح أنه كان بالإمكان إنقاذ الكثير من المواطنين، لو توفرت “الفرشات الهوائية” التي توضع بين طبقات الأسمنت، لمنع انهيارها من جديد بعد القصف.
وخلال الحرب الأخيرة احتاجت فرق الدفاع المدني وقتا طويلا لإنقاذ مواطنين انهارت عليهم المنازل بفعل القصف بسبب قلة الإمكانيات، وذلك بعد أن تعمدت إسرائيل تدمير أحياء سكنية خلال تلك الحرب، كما في المنطقة التي تقطنها عوائل أبو العوف والكولك، في مدينة غزة، والتي قضى فيها أكثر من 60 مواطنا.
ويؤكد الناطق باسم الدفاع المدني أن سلطات الاحتلال تمنع 15 صنفا تخص فرق الإنقاذ، رغم أن هذه الأصناف مدنية، وتستخدم لإنقاذ الأرواح، ومن بين الأصناف التي يمنع الاحتلال إدخالها إلى قطاع غزة، أجهزة الأوكسجين الخاصة بالمنقذين وكذلك الكمامات التي توضع على وجوههم لتمكينهم من التنفس وسط الدخان، إضافة إلى اللباس الخاص بفرق الدفاع المدني، للوقاية من لهب النار.
إسرائيل تمنع إدخال 15 صنفا تخص الإطفاء منها بدل الحريق وأقنعة الأكسجين
والجدير ذكره أن هيكل العربة الجديدة جرى شراؤه عبر موردين من السوق المحلي، قبل أن يوضع تحت تصرف فريق الهندسة المختص، الذي نجح في إعادة تشكيله ليصبح عربة الإنقاذ والإطفاء الأكثر تطورا في قطاع غزة، وذلك بدعم من “مؤسسة أحباء غزة ماليزيا”.
وجرى تجريب تلك العربة خلال تمرين إنقاذ نفذ شرق مدينة غزة، بمشاركة العديد من العربات الأخرى، وقد اشتمل التمرين على إطفاء حرائق وإنقاذ مواطنين علقوا في أدوار علوية في أحد المباني.
وحسب جهاز الدفاع المدني في غزة، فإنه يحتاج إلى 33 عربة إطفاء وإنقاذ جديدة، حيث جرى توفير خمس مركبات جديدة عن طريق تبرع من المؤسسة الخيرية الماليزية، صنعت واحدة منها فقط، خاصة وأن جميع عرباته الحالية متهالكة.
ويقول مدير جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة اللواء زهير شاهين إن جهازه عكف على تطوير عمل المركبات وآليات الاستجابة بطرق علمية، كما عمل في ذات الوقت على رفع كفاءة الكوادر والعناصر، من خلال تدريبهم للقيام بمهمات لمواجهة الكوارث.
وتطرق شاهين خلال حديثه إلى الصعوبات التي واجهتها فرق الدفاع المدني، خلال الحروب الأربعة التي شنتها إسرائيل ضد قطاع عزة، ويوضح أن تلك الفرق التي لا تملك المعدات اللازمة عانت كثيرا، وعملت في ظروف صعبة للغاية، خلال عمليات إطفاء الحرائق التي سببتها الغارات، وكذلك عمليات انتشال المواطنين من تحت ركام المباني المدمرة، وطالب بأن يجري تقديم دعم عاجل وسريع لفرق الانقاذ من خلال عربات جديدة مصنعة عالميا، للمساعدة في تفادي المخاطر التي قد تواجه قطاع غزة المكتظ بالسكان.

