شكلت الحاضنة الشعبية نقطة تحول كبيرة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فلم يعد الشعب بمعزل عن أداء وعمل المقاومة خلال الحروب والاجتياحات الإسرائيلية، وهذا ما شاهدناه وسمعناه من قصص من داخل مخيم جنين لمواطنين تركوا منازلهم وأموالهم وطعامهم، وخرجوا كي يتمكن المجاهدون من التنقل بحرية وأخذ قسط من الراحة وتناول الطعام خلال العملية العسكرية الإسرائيلية الشرسة على مخيم جنين الأسبوع الماضي.
وشن الاحتلال الإسرائيلي عدواناً في الساعات الأولى من فجر يوم الاثنين الماضي على مدينة جنين ومخيمها استمر ليومين خلف دماراً واسعاً طال كافة مناحي الحياة، فقد دمر الاحتلال قرابة 800 منزل بشكل جزئي وكلي، بالإضافة لتدمير شبكة الكهرباء والمياه في المخيم، كما أدى الاجتياح إلى استشهاد أكثر من 12 فلسطينياً وإصابة المئات من السكان، بعد قصف المنازل والشوارع لترويع السكان المدنيين.
وعمل الاحتلال على ضرب الحاضنة الشعبية من خلال إخراج السكان الفلسطينيين خلال العملية العسكرية من مخيم جنين، في مشهد يذكر بأحداث النكبة عندما تعمدت العصابات الصهيونية إخراج السكان من منازلهم وتهجيرهم، في خطوة للقضاء على المقاومين داخل أزقة وبيوت المخيم، لكن فتح غالبية كبيرة من السكان أبواب بيوتهم للمجاهدين، عرقل مخطط الاحتلال في القضاء على المقاومين الذين تستروا داخل هذه المنازل من خطر المسيرات الجوية والقناصة المتمركزة فوق الأبراج والمناطق المرتفعة.
حركة حماس قالت في تصريحات على لسان الناطق باسمها حازم قاسم، إن الحاضنة الشعبية والجماهيرية للمقاومة في مخيم جنين، مثلت أحد أهم أسباب الانتصار في المعركة الأخيرة، مشيراً إلى أن الجماهير شريكة في النضال مع المقاتلين بما تشكله من دعم حقيقي وإسناد قوي، كما أن هذا الموقف البطولي للجماهير دفع الاحتلال للانتقام بمحاولة ضرب الحاضنة، إلا أنه فشل وأصبحت الجماهير أكثر التصاقاً بالمقاومة والمقاتلين.
أما حركة الجهاد الإسلامي فقد صرحت على لسان نائب الأمين العام للحركة محمد الهندي أن الاحتلال واهم أنه سوف يفرق بين المقاومة وحاضنتها الشعبية بالدمار والقتل وهدم المنازل وتفجيرها وتخريب البنية التحتية والطرق، وأن نتنياهو فشل في اجتثاث المقاومة بجنين والضفة، ويحاول تحقيق نصر من الأوهام لتسويقه على المجتمع الصهيوني، مشيداً بالحاضنة الشعبية التي خرجت للاحتفال بالانتصار بشكل عفوي دون توجيه من أحد.
ومن المشاهد البطولية التي سطرها سكان جنين وضعهم على مداخل منازلهم قصاصات ورقية توجيهية للمقاومين، حيث انتشرت عبر مواقع التواصل إحدى القصاصات الورقية التي وجدها مقاومون فلسطينيون في منزل تحصنوا فيه في جنين، بعد أن غادره أهله وهم يخوضون معركة الدفاع عن المدينة، حيث كتب أحد المواطنين قائلاً: «الأكل والمونة موجودات في الدار وفي البراد، وهناك باب في الخلف بطلع على حوش الجيران لو بدكم تنسحبوا، وفداكم الدار المهم تضلكم بخير، وهناك 700 شيكل في الفريزر لو لزمكم مصاري الله يحميكم وياخد بيدكم» كلمات أثبتت أن علاقة الشعب الفلسطيني بمقاومته لا يمكن كسرها، وزادت هذه التضحيات من عزيمة وقوة المقاومين.
ويؤكد الكاتب المختص في الشأن الإسرائيلي فتحي بوزية أن الفلسطينيين يتوحدون دائماً في مواجهة الاحتلال بهدف إفشال مخططاته، وهذا التضامن الذي أبدعت فيه الكثير من العائلات في جنين، هو دليل على الوحدة الوطنية بين جميع أبناء شعبنا الفلسطيني في مواجهة أي خطر يحدق بهم، وهذا ناجم عن غياب أي برنامج سياسي واضح للقضية، وفشل جميع المبادرات والاتفاقيات التي تنصف الفلسطينيين.
وقال لـ«القدس العربي»: إن الاحتلال الإسرائيلي عول خلال اجتياحه لجنين على سياسة العقاب الجماعي من خلال تهجير السكان وإخلاء المخيم من المدنيين، كورقة للضغط على المقاومين لفرض واقع جديد في المناطق التي يجتاحها، لكنه تفاجأ من التلاحم والتماسك الذي أظهرته العائلات في جنين.
ولفت إلى أن الحاضنة الشعبية الحقيقية في جنين، أفقدت الاحتلال قدرته على تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وعجز عن حسم المعركة لصالحه وعن ملاحقة المقاومين الذين تنقلوا بحرية داخل المخيم، بفعل فتح المواطنين بيوتهم لهم ومساعدتهم على الاختفاء من الطائرات. وأوضح أن الرسالة التي وضعها صاحب أحد البيوت في جنين وتناولتها وسائل التواصل بشكل كبير، كانت بمثابة تحد لإسرائيل بأن الشعب الفلسطيني لن يتخلى عن مقاومته رغم التهديد والاعتقال والدمار، وأن ليس من يحمل السلاح المقاوم فقط، بل أن المواطنين هم مقاومون أيضاً.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي عامر خليل إن الاحتلال الإسرائيلي طوال فترة العملية العسكرية على جنين، تعمد استهداف منازل المواطنين، لإيصال رسالة مفادها أن دعم المقاومة سيقابله الدمار والاعتقال، لكن الحاضنة الشعبية كسرت المعادلة، وأكدت دعمها للمقاومة، وفتحت البيوت أبوابها أمام المقاومين.
وأوضح لـ«القدس العربي»: أن حالة التضامن التي رسخها السكان في جنين ليست غريبة على أبناء شعبنا في ظل حالة التآخي بين جميع المواطنين الذين ضربوا أروع صور التكافل والتضامن، كما نرى حينما يتعرض أي جزء من الوطن لعمليات تهجير أو قتل وتدمير، أبناء الوطن ينتفضون لنجدة إخوانهم من خلال فتح البيوت لاستقبال المتضررين، وتقديم الدعم المالي والغذائي لهم، وهذا المشهد تكرر مرات عديدة في غزة التي تتعرض بين الفينة والأخرى لموجات من العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وأضاف أن حالة التخاذل العربي والدولي تجاه الفلسطينيين، أجبرتهم على الاقتناع بأن المقاومة وحدها هي الضامن لإفشال مخططات الاحتلال، في ظل تواطؤ المنظومة الدولية وتخلي كل الأطراف الإقليمية عن القيام بدور مسؤول تجاه حماية شعبنا الفلسطيني.
وتابع، الاحتلال الإسرائيلي بات على قناعة بأن أي دخول آخر لجنين أو غيرها من المدن التي يهدد باجتياحها سيكلفه الكثير، بعد أن شاهد مدى التلاحم والتكاتف بين الفلسطينيين أمام الهجمات وهذا سيدفعه ربما للتراجع عن القيام بعمليات عسكرية قريباً، على اعتبار أن المدنيين هم خط الدفاع الأول عن المقاومين في حمايتهم والتستر عليهم، وهذا الفعل سيمنح مزيدا من القوة للمقاومين.