سنة 1998 تم تنظيم الأسبوع الثقافي اللبناني في البحرين، وكان من بين الحاضرين الفنان التشكيلي فضل زيادة، ونزار ضاهر، وفؤاد جوهر، وكان الفنان رفيق علي أحمد حاضرا أيضا بعمل مونودرامي بعنوان «زواريب». كان هذا أول احتكاك مباشر لي بالفن اللبناني، وكان ناجحا جدا في جذب الجمهور وجذبي شخصيا بتلك الخامة الفنية المتميزة. يومها أدركت مدى أهمية البيئة اللبنانية لإنتاج ورعاية الفن بكل أنواعه. وهذه كانت بداية علاقتي بلبنان الفن والثقافة، التي كبرت مع الأيام وأخذت منحىً جميلا.
سنة 2000 زرت لبنان لأول مرة، وأنجزت لقاءات مع فضل زيادة ومجموعة من التشكيليين لبرنامجي «شظايا الإبداع» وأقمت في بيت زجاجي في قلب مزرعة لأصدقاء لي، وأنجزت الحوارات المصورة هناك ما أعطى البرنامج قيمة فنية إضافية لم أتوقعها، فكل شيء جاء باقتراحات منهم، ووفق تصوراتهم ومنظورهم الفني. رأيت لبنان سنتها بعيون هؤلاء الفنانين، فقد تكرّم كل من فضل زيادة ونزار ضاهر بالاهتمام بجولتي السياحية، التي لا تزال محفورة في ذاكرتي حتى إني أستعيد منظر أشجار الحور والصفصاف والصنوبر، وتفاصيل كثيرة وصوت زيادة يرافقها كما لو أنه يشرح لوحات تشكيلية.
خلال تلك الجولة سأزور لأول مرة منطقة بشرِّي التي فوجئت ببرودة هوائها، ونحن في عزّ الصيف. وسأسمع شعر هدى النعماني بصوتها لأول مرة أيضا، وهو ينبعث من مسجل سيارة فضل زيادة. كانت تلك مجموعتها «رؤيا على عرش» التي منحت الرّحلة لمسة ساحرة فعلا، كما لو أننا كنّا نصعد للسماء. كانت رحلة شعرية تشكيلية تليق تماما ببيت جبران خليل جبران الذي قصدناه، وكانت في قمّة الإبهار بالنسبة لي. وهناك عند بيت جبران شعرت بأنني سافرت عبر الأزمنة، من عالم بيروت الدافئ إلى كوكب آخر شديد البرودة، الحجر البارد، والهواء البارد، والأشياء الباردة، والسرير الصغير لرجل قصير القامة، وهو ما أثار في داخلي زوبعة من الدهشة، فجبران الذي ملأ الدنيا بكلماته، كان بالكاد يملأ ذلك السرير الصغير! كل شيء من حولي كان مؤثثا بالبرودة، لكنّها برودة ناطقة، تعبّر بشكل مدهش عن الغياب. فقد كان جبران حاضرا وغائبا في الوقت نفسه في المكان. كان مسجّى هناك في حضرة البرد والصمت، كما لو أنّه يتمم حياته التي بدأها بشكل ما بالإيقاع نفسه.
تأثرت كثيرا وأنا أقف عند مقتنياته، ولوحاته، ثم أمام قبره، فجبران لم يكن كاتبا عاديا في مساري الأدبي، ولعلّي واحدة من ذلك الجيل الذي قرأه في عمر مبكر، لقد أخذ بأيدينا لنعبر فترة عمرية شائكة في المجتمعات العربية، بكثير من الحكمة والمحبة حين قرأنا له «النبي» و»الأجنحة المتكسّرة» و»الأرواح المتمردة». صدقا شعرت يومها بأنني ألمس أصابعه حين رأيت خط يده على أوراقه المحفوظة هناك. وبين قوسين أخبركم بأمر ليس سرّا أبداً، أنا كائن شديد التأثر بالشعر والفن والكلمة، وبكل ما يتركه أهل الفن من بصمات، مثلا لأنّي قرأت أن نزار قباني كلما زار لبنان أقام في فندق السمرلاند، أقمت فيه مستحضرة روحَه الشاعرة، رغم غلاء سعره آنذاك بالنسبة لمدخولي، أقمت فيه خمسة أيام. ولا يمكنكم تخيل منسوب سعادتي بتلك الإقامة لهذا السبب فقط. لكم أن تتخيلوا حجم مكاسبي وفرحي الطفولي بمجرّد وقوفي في حضرة جبران، لحظتها حضرني حديثه مع المطرة ووصفه لمدينة أورفليس وصوت فيروز وهي تتغنّى بها.
كانت إحدى أمنياتي أن أرى بيوتا لأدباء عرب كلما زرت بيت أديب أو فنان في بلد أجنبي، فقد سبق وأن زرت بيوتا كثيرة لأدباء وفنانين مثل بيت بابلو بيكاسو في مالغا، ومتحف البراءة لأورهان باموق في إسطنبول، وبيوت أخرى ربما ذكرت بعضها في مقالات سابقة. لهذا كان بيت جبران أول أمنية تتحقق لي بذلك الزخم الروحاني الاستثنائي، فرحلتي إلى بيته كانت شبيهة برحلة نحو السماء، وقد اختلفت عن كل أسفاري اللاحقة للبنان، الذي لم أكف عن محبته وزيارته حتى في أسوأ ظروفه، فقد زرته آخر مرة بدعوة من الصديق سام لحود للمشاركة في لجنة الأفلام الوثائقية في مهرجان سينما المرأة.
المختصر أن معرض الشارقة اليوم مذهل بمعنى الكلمة وقد حقق لنا أمنية قديمة لنعيش احتفالية ثقافية عربية في هذا الحجم وفي هذا التنظيم الممتاز المتمكن. لقد كان عرسا عشنا كل تفاصيله ملء قلوبنا وعقولنا، في شارقة الثقافة والحب والفرح، عسانا جميعا من عوّاده.
استحضرت كل هذه الأشياء حين عرفت بالمبادرة الرّائعة التي قام بها الشيخ سلطان القاسمي لترميم البيت، وهي واحدة من المبادرات الإنسانية والخيّرة لحماية التراث الثقافي العربي في مدن عربية كثيرة، غير إنجازاته العظيمة في الشارقة (أيام الشارقة المسرحية، دار الحكمة، مكتبة لكل بيت، معرض الكتاب) فقد قام بتأسيس ودعم مراكز ثقافية وإنسانية في كل بقاع العالم مثل بيوت الشعر في مدن عربية مثل تونس والقيروان والمغرب – إن لم تخنّي الذاكرة – ومكتبة ماكميلان في نيروبي وجامعات، وقرى للأطفال، ومسارح، وغيرها ولعل بيروت لا تزال تنال القسط الأوفر من اهتمام الشيخ سلطان وكلنا يتذكر حملة «سلام لبيروت» التي أطلقت بعد انفجار مرفأ بيروت، والدعم الذي تقوم به مؤسسة القلب الكبير للشيخة جواهر.
بالنسبة لترميم بيت جبران فهذا حتما حدث عظيم، وبادرة تؤكّد مرة أخرى تميز الشيخ سلطان المشهود له بالإجماع بحسه الثقافي الرفيع، وحمله لراية الثقافة العربية على مدى نصف قرن، ورهانه على أهمية الثقافة لبناء إنسان عربي ناجح. وأجمل ما ميّز سموّه هو أنه بدأ مشروعه الثقافي الكبير انطلاقا من عائلته، التي زرع في أفرادها حب العلم والمكتبة، وكل هذا الشغف بالجمال والإبداع، فكوّن عائلة داعمة لكل مشروع يحقق إضافات ثقافية للإنسان العربي. معروف مثلا عن ابنته بدور القاسمي اهتماماتها بالرواية وأدب الأطفال، أمّا ابنته حور فمهتمة بالفن التشكيلي ومساندتها للفنانين الإماراتيين. وفي ما أذكر مما روته لي الشيخة جواهر عنه أنه كان يزور بناته في بريطانيا، ويأخذهن في سيارة بسيطة للمكتبات، وللمتاحف، وفي كل دولة يزورونها إلا ويضع في برنامجه زيارة المتاحف والمكتبات، ومن أحلى ذكرياتهن وهن صغيرات رائحة يد والدهن وهو يمسك بأيديهن خلال تلك الزيارات.
ليس غريبا إذن أن يُطلق معرض الشارقة للكتاب ليكون ملتقى للثقافات، إذ في ظرف واحد وأربعين سنة من انطلاقته يتربع على عرش المعارض اليوم ويحقق نجاحا منقطع النظير.
لم يعزل معرض الكتاب في الشارقة الأدباء كنخبة عن باقي فئات المجتمع، بل جعل الكتاب سفينة حياة كاملة تتسع للجميع، معتمدا مفهوما جديدا للكتاب. لقد جمعت الشارقة خمسا وتسعين دولة مشاركة بألفين ومئتين وثلاثة عشر دار نشر، وهذا ما يجعلها في طليعة المعارض عالميا من حيث ضخامة الحدث. شمل المعرض ندوات حوارية مهمة ومتنوعة، وورشات عمل تدريبية، وأمسيات شعرية. وقد ابتعد تماما عن الصورة التقليدية التي جعلت معارض الكتب في العالم العربي سوقا كبيرة لبيع الكتب، بل إن بعضها انحدر لمستوى بيع القرطاسية والعطور التقليدية وألعاب الأطفال من دمى ومسدسات بلاستيكية في أجنحة لا تخجل للتربع بين دور نشر عريقة. لقد بلغ معرض الشارقة احترافية عالية في التنظيم، مستقطبا أكبر عدد من المشاركين والزوار، جامعا بين الأدباء والمترجمين وخبراء النشر من كل العالم. وهو يسعى سنويا لتطوير نفسه، مجاريا في ذلك المعارض الأهم في العالم مثل معرض فرانكفورت.
عن ضيوفه هذا العام جمع أهل الأدب بالرياضيين والفنانين والممثلين، بدءا بزلاتان إبراهيموفيتش نجم نادي إي سي ميلان، إلى نجم نجوم بوليوود شاروخان، إلى الكاتب السيريلانكي الحائز جائزة البوكر البريطانية لهذا العام شيهان كاروناتيلاكا، إلى مجموعة كبيرة من نجوم القصيدة والرواية والدراما العربية. وطبعا سُجِّل اهتمام بارز بأدب المهجر والأدب الافريقي بكل تنوعاته، كما احتفيَ بإيطاليا كضيف شرف أدبا وأدباء ومكونات أخرى قرّبت المشهد الثقافي الإيطالي للحضور.
المختصر أن معرض الشارقة اليوم مذهل بمعنى الكلمة وقد حقق لنا أمنية قديمة لنعيش احتفالية ثقافية عربية في هذا الحجم وفي هذا التنظيم الممتاز المتمكن. لقد كان عرسا عشنا كل تفاصيله ملء قلوبنا وعقولنا، في شارقة الثقافة والحب والفرح، عسانا جميعا من عوّاده.
شاعرة وإعلامية من البحرين