الحجاب بين فراس السواح ودينيز شاكر… زهير عبدالكريم: بيان رقم واحد… ومادورو يسافر عبر الزمن

حجم الخط
3

بث الممثل السوري زهير عبدالكريم فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي حمّله اسم «بيان رقم1» يوجه فيه انتقادات لمجموعة من زملائه الفنانين بعد أن توجهوا أخيراً برسائل مفتوحة إلى رأس النظام بشار الأسد يشتكون فيها عدم توفر مواد التدفئة من غاز ومازوت وكهرباء. وعلى الرغم من أن هؤلاء الفنانين لم يعرف عنهم سوى ولائهم للنظام، إلا أن عبدالكريم، الذي يلمح في بيانه إلى أن زملاءه سبقوه الآن على درب التشبيح، عاتب لأنهم غابوا عن مساندة النظام عندما وجب الأمر، وهو لم يغفر لهم تهرّبهم من الظهور على شاشة تلفزيون النظام، هذا بحجة أنه عراقي (لعله يقصد الفنان أيمن رضا)، وهذا بحجة أنه فلسطيني (لا ندري إن كان يقصد شكران مرتجى، أو عبدالمنعم عمايري، أو باسل الخطيب).
من الكلمة الأولى في الفيديو بدا الممثل السوري وكأنه جاهز للبكاء، مع شعور كبير بالخيبة من الزملاء، وكأنهم ارتكبوا خيانة عظمى بشكواهم من البرد ومن ذلّ الحياة اليومية. أي جريمة ارتكب زملاء عبدالكريم؟ ومم يخشى هذا الممثل؟!

من عاش في هذا البلد يعرف جيداً أن تلك الرسائل ارتكبت محظوريْن اثنيْن، حسب أعراف وتقاليد النظام، الأول في أنها توجهت للرئيس برسالة مفتوحة ومباشرة أمام الجميع، الأمر الذي لم يحدث في تاريخ حكم الأسد إلا مرات قليلة، من بينها رسالة شهيرة وجهها المفكر الراحل أنطون مقدسي عبر الصحافة في بداية تسلّم بشار الأسد الحكم، والثاني إشاعة مناخ من التذمر أوصل بعض المرسِلين إلى التجرؤ على كلام غير معتاد، من بينها فيديو ليوتيوبر معروف وناقد من قلب النظام قال «ظل لنا هالأمل الصغير برئيس الجمهورية، ومانو هالأمل الكبير بقى. سيادة الرئيس، أنت الأمل بس ما بقى كتير هه. لازم يتاخد قرار». وأضاف، في تلميح للكيفية التي تواجه بها الأجهزة عادة انتقادات الشعب: «يا ابعتلي دورية تعدمني، تحطني بالسجن، يا خود قرار بقى».
صحيح أن رسالة عبدالكريم المصورة أقرب إلى قطعة ميلودراما، معدّة من أجل الدموع، إلا أن الفحوى واضحة لا لبس فيها، بل إن العنوان وحده كفيل بإيصال الرسالة: «بيان رقم 1»، وهو اسم يأخذ فوراً إلى لغة العسكر والانقلابات، ولا بدّ أن الزملاء فهموا ذلك جيداً.
في آخر الفيديو، استحضر الممثل مقطعاً من قصيدة لمظفر النواب، ذلك الذي يقول فيه «لكنها بلادي. لا أبكي من القلب، ولا أضحك من القلب، ولا أموت من القلب، إلا فيها». ختم، ثم أجهش، وبكى. وكان أولى، ما دام يحمل قلباً رهيفاً هكذا، أن يبكي لحال الناس الذين يموتون من برد وثلج وطين وذل، بل من قتل تحت التعذيب وتحت البراميل وفي عرض البحر.

حجاب العقل!

بعد أخذ وردّ، أقرّت الممثلة التركية دينيز شاكر أخيراً بأنها همست لفتيات محجبات مرّت بقربهن بعبارة «هل هنا السعودية؟». شاكر مثلت أمام المحكمة بسبب ما اعتُبر إهانة ضجت لها صحف تركية. وهي راحت تكرر على نحو اعتذاري «إلى يومنا هذا، لم أفرّق أبداً بين امرأة و رجل ومحجبة وغير محجبة، ولم أميّز في الجنسية أو الدين واللون».
في هذه الأثناء دار جدل وتعليقات بين سوريي مواقع التواصل الاجتماعي بسبب منشور للباحث السوري فراس السواح الذي قال فيه: «تعميم: أنا لا أقبل طلبات صداقة من المحجبات، حجاب الرأس يعني حجاب العقل».
دعك من كلمة «تعميم» التي تذكّر بسلطة البيان رقم واحد للممثل زهير عبدالكريم، كيف لم يخطر ببال الباحث المرموق، صاحب «مغامرة العقل الأولى» بأن هاتيك المحجبات هن أمهات وأخوات وزوجات ملايين السوريين، وليس من اللائق من نظام علماني ديمقراطي أن يتعامل معهن كمحجوبات عقل، كمقدمة لإقصائهن، كما يمكن أن نتوقع من علمانية البراميل، أو علمانية «سرايا الدفاع» التي أطلُقت يدها بعد مجزرة حماه في ثمانينيات القرن الماضي. العلمانية تعني نظاماً قادراً على استيعاب جميع الأطياف والأفكار، لا تحويلهم إلى لون واحد.
رغم الاعتراض الشديد على عبارة السواح، الذي تحوّل إلى سخرية لاذعة، لم يصدر عنه توضيح أو اعتذار، فمن الواضح أن الجدل جاء في معظمه من معارضي النظام على صفحات الفيسبوك، أما في ظل «دولة القانون والمؤسسات» الرسمية السورية فعلى ما يبدو لن يجد الباحث أي ضرورة للتوضيح! حيث لم تجد العبارة صدى معترضاً.
لا أحد يتمنى على الإطلاق أن تأخذ العبارة الباحث، صاحبَ المكانة العالية التي لا تنكر، إلى القضاء، على غرار الممثلة التركية، أو أن يُؤخذ تعميمه على محمل عنصري، ما يطمح إليه كثيرون مجرد تطمينات على أن لا يكون هنالك أثر عمليّ للعبارة تجاه المحجبات في الشارع السوري في مرحلة ما بعد النصر.

الجنة المؤجلة

عرض موقع قناة «العربية» فيديو وخبراً يقول إن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو روى في كلمة متلفزة أنه قد «سافر عبر الزمن واخترق حدوده من الحاضر إلى المستقبل»، مطمْئِناً: «ها قد عدت بأخبار سارة لأطمئنكم بما أنا متأكد منه، بأن كل شيء سيجري على ما يرام».
كما نقل عنه قوله: «أؤكد لكم بأننا سنخرج أشد قوة وأكثر حكمة. لقد ذهبت إلى المستقبل ورأيت كل شيء خيراً لنا ولشعبنا»، وعلّقت القناة «حسب ما نسمعه في الفيديو المرفق، لم يستغرب أي من الحاضرين ما قال، بل أخذوا كلامه على محمل الجد».
سبق أن شاهدت وثائقي «فرانس24» المرعب بعنوان «فنزويلا: رقصة مع الأموات»، ذاك الذي يصور عبادة فقراء الفنزويليين لـ «القديسين اللصوص»، كما يصور المقابر المنهوبة، والقتل على أتفه الأسباب، حيث بإمكان المرء أن يلمس فظاعة تلك البلاد التي يجثم مادورو على صدرها.
أحاول أن أتخيل بما سيشعر شهود ذلك الفيلم وهم يسمعون رئيسهم يتحدث عن سفره إلى المستقبل، والخير الذي هناك.
هل بإمكان الفنزويليين، أيضاً وأيضاً، انتظار الجنّة الفنزويلية المؤجلة القابعة في المستقبل، وهم على تلك الحال التي لا تصدق!
الرعب الذي صوّره وثائقي «رقصة مع الأموات» يشي بأن من غير المعقول انتظار يوم آخر.

٭ كاتب فلسطيني سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية