باريس – “القدس العربي”: من صهيب أيوب
لم تعد لدى السيدة مبروكة سوى الحديقة القريبة من حيّها للتسلية. فبعد أن باءت محاولاتها كلها في “قضم” فواتير الذهاب إلى المطاعم والتسوق، لم يعد أمامها حيلة سوى الحديقة الصغيرة خلف حيّها القابع في ضواحي الدائرة الـ 18.
تقضي السيدة مع أولادها فترة ما بعد عودتهم من المدرسة في أرجاء الحديقة. تشاركهم القفز في الملاعب التي توفرها البلديات للدوائر السكنية في باريس. وعلى جري العادة، تحاول بلديات الضواحي الباريسية، العمل بشكل أكبر لتوسيع الحدائق وتجهيزها لعلم هذه البلديات انها “متنفس شبه وحيد للعائلات”. وربما، أيضا تجد العائلات العربية في هذه الحدائق متنفسها الوحيد. فكثير من النساء العربيات لا يعملن، أو لا يجدن عملا بسبب أغطية رؤوسهن، لذا تقع التكاليف على الرجل. وبالتالي سيؤثر وجود “راتب وحيد”، في نمط العيش. لذا تتجه معظم العائلات العربية إلى الاستفادة من الأماكن العامة، خصوصا الحدائق، لتمرير الوقت وتمضية أوقات عائلية ممتعة.
وفي الوقت الذي تزداد فيه الأسعار في عاصمة النور، تحاول مبروكة (34 عاما)، توفير مساحة مشجعة لأولادها للعب والتسلية والخروج من البيت، بعد العودة من المدارس والشعور بالضيق من سجن الشقق. تقول مبروكة لـ “القدس العربي”، لا نملك خيارا، إنها الطريقة الوحيدة كي أسليهم.
يعمل زوج مبروكة في شركة صغيرة، عامل كهرباء، يتقاضى معاشا يسد لهم تكلفة إيجار الشقة الذي يتجاوز الـ 700 يورو شهريا، إضافة لحاجات المنزل والأطفال. تكرس مبروكة وقتها للطفلين، بعد أن خسرت عملها في إحدى صالونات تصفيف الشعر. تقول: “لم أعد أعمل. ومعاش زوجي لا يكفينا. لذا نحن ليست لدينا قدرة على دفع فواتير جديدة. المطاعم مكلفة والخروج للفسحات الأسبوعية في أماكن الملاهي لا يمكننا تدبر ماله، لذا تبقى هذه الحدائق متنفسنا الوحيد”.
والحالة نفسها، مع السيدة ليلى (25 عاما)، التي تأتي بطفلها الذي لا يتجاوز الست سنوات، إلى الحديقة. تحضر معها غطاءً وبعض الأطعمة ودراجة هوائية مع أربع عجلات. “إنها مؤونة رحلتنا الصغيرة”، تقول، وتضيف: إنها مسرورة لوجود هذه الحديقة بالقرب من شقتها. “لا تبعد سوى 5 دقائق. أنزل معه إلى هنا كي يشعر بأنه قضى وقتا ممتعا. الأطفال يحبون الهواء والطبيعة. وللحقيقة لا يمكن الذهاب بهم إلى مطاعم مكلفة. أحيانا أشتري له بيتزا صغيرة ونأكلها معا هنا”.
والحديقة في العرف الباريسي، هي ليست فقط للتنزه، فهي أيضا مكان تجمع للعجائز وتسلية أولاد الحي، و مكان للدراسة بين أولاد لا يستطيعون دفع تكاليف الجلوس في مقهى أو مطعم. يقول علي، فتى في الرابعة عشرة من عمره، إنه يلتقي رفاقه في الحديقة لينهوا معا دراستهم. “نتوزع على المقاعد ونقضي وقتا ممتعا بين الدراسة واللعب والحديث”.