■ تتسم العوالم التي ما فتئت الحداثة تزج بها في دواخلنا، بشراستها المهولة، ربما نتيجة اكتظاظها بتلك الكائنات الرمزية، التي تسعى دون كلل الى تخطف الأجساد والأرواح، على هيئة نهش مغلف بجمالية التقاسم، وبقيمة إشراكك في المر، والمر. الشيء الذي يفاقم من حالة الحيرة، ومن عنف المكابدة ،و محنة التيه .كما لو أن الذات تعيش باستمرار على أهبة التضحية بشلو من أشلائها في معارك حقيقية أو رمزية، تتأجج نيرانها دونما سبب واضح ووجيه.
إن الذات هنا، مطالبة بتفقد أوصالها على مدار الساعة، كي تتأكد من استمرارية بقائها في مكانها .وهي الحالة التي لا تسمح لها بالحد الادنى من السهو. انها بهذا المعنى، مجبرة على أن تكون دائمة اليقظة، كي تستجيب لكل المحفزات الطارئة والثابتة. الشيء الذي يؤثر في إشاعة حالة من التوتر المزمن، الذي لا يسمح بتخصيص ما يكفي من الحذر، لاستكناه ما تشير إليه حقائق مكبلة بشباك تعقيداتها. علما بأن شرط الاستكناه، يستدعي حضور نسبة عالية من التركيز وإعمال النظر. وهما معا يتنافيان مع طبيعة واقع تهيمن فيه القوارض الحياتية، المتربصة بجلد الأرض والسماء .
ان مفهوم التقاسم المشار إليه، والذي يتقمص لبوسا طهرانية، يقترن أساسا بالمردودية، أي بالجدوى. والجدوى لا يؤكد حضوره وفعاليته، إلا من خلال تسهيله وتبسيطه لمأموريه الاستهلاك السلس ،الذي يتحقق عبر الاستجابة الآلية للإكراهات التي لا يني اليومي يحرضها عليك، ويحرضك عليها.
كما تكمن إشكالية الجدوى أيضا، في الجزاء الوافي الذي يمكن أن تعدك بها الاشياء، المستمدة ملحاحيتها من السياق الواردة فيه. والذي يتميز هو أيضا بجاذبيته وإغرائه في صيغة ذبذبات خفية ،يحدث ان تلسع رعشتها أديم الجسد في لحظة انتشاء عابر. أو بصيغة صرخة فرحة مكتومة او مدوية احتفاء بأضواء وبروق، تشعشع أنوارها في ظلمة المعيش، واعدة ربما ،بانفتاح افق يؤذن ببداية حية وممكنة، خارج دائرة الموت .
ان حديثنا هنا يتمحور وبشكل مركزي حول إشكالية «الشائك» المتعذر استيعابه، الذي لم يعد موضوع ترحاب من قبل المرحلة، بما هو حاجز وعائق، يعطل لعبة الاستهلاك من خلال تعقيد مهامها. وفي أخف الحالات، يحشرها داخل ظلمة زاوية الاستحالة.
فعلى أرضية هذا المنظور، يتطلب تحقيق التواصل المعرفي المؤهل والمستوفي لشروطه الموضوعية، تلافي كل ما ينتمي إلى دائرة «الشائك»، بتفادي الخوض في حيثياته، وتفادي توظيفه في سياق نسج العلاقات المجتمعية أو المعرفية. خاصة حينما يرد في النسق الشفاهي، الذي يعني الامتثال لسلطة الراهن، بما هي سلطة رسمية، وتفاعلية، تسهر على سلامة التبادل المعلوماتي بين الأفراد والجماعات على حد سواء. ما يدعونا إلى الاقتناع بمركزية الاهتمام بمسألة الإنصات العام والمشترك، في سلم أولويات تجربة الأفق التواصلي. وهي المسألة المنتمية الى الحقل الدلالي المهيمن، والحاضر بكل مقوماته الموضوعاتية والتعبيرية، في جنبات المشهد التواصلي. حيث تكون الغاية من إثارتها والخوض في تفاصيلها، المساهمة في إغناء هذا المشهد بالمزيد من القضايا والإشكاليات التي يستحب أن تكون منتمية اليه، ومندرجة ضمن شبكته المعلوماتية، في صيغة إضافة فعلية، منتظرة، ومرغوب فيها، والتي من شأنها إضفاء المزيد من المصداقية على مجموع القضايا التي يحفل بها المشهد. باعتبار أن الزج في القناة التواصلية ببعض الإشارات الغامضة، سيؤدي بشكل أو بآخر، إلى تعطيل عملية الإنصات . كما سيؤثر سلبا على تفاعلنا مع القضايا الحاضرة فيه، خاصة إذا كانت متعلقة براهن المعيش والمفكر فيه علما بان سؤال الراهن هو ما يهم أغلب الشرائح الاجتماعية الخاصة منها والعامة، ضمن رؤية مؤطرة بمنطق «الهنا والان» لأنه/السؤال، بقوة حده الزماني والمكاني، يصبح بمثابة المفتاح السحري، المعتمد من قبل الرؤية الذرائعية، الحريصة على تعبيد الطريق نحو انتظاراتها بأبسط السبل وأكثرها نجاعة. إنه يمتلك سلطة إجرائية من الصعب الطعن في صلاحيتها، بفعل تجاوزه لكل رؤية انتظاريه ذات بعد تأجيلي. فمنطق «الهنا والآن»هو الإطار العملي والبديل للإغراءات الهلامية، والتسويفية، التي تعدك في زمن آخر، قد يأتي ولا يأتي بنعيم مؤجل، ملتبس وغامض.
إن مسطرة التفاعل الحاضرة في حركية هذه العدوى، تستند على مبدإ البساطة، والسلاسة، وعلى توخي «سداد المعنى»و عدم « المعاضلة» فيه، بالإمعان في مراكمة الإشكاليات النظرية، العصية على الاستيعاب السريع والآلي .
إنه يتضمن عمليا قرار القطع مع الرؤية الطوباوية للواقع، مع الحلم المتنظر الذي ينسيك ما أنت فيه وبصدده. علما بأن سوء تصريف هذا الإطار، قد يخضع الأفراد والجماعات لسلطة المؤقت والعابر، فيصرفهم عن الاهتمام بالمنسي واللامفكر فيه .كما قد يحول بينهم وبين التفكير في المستقبل زمنيا ومكانيا.
أيضا ،قد يصرفك عن التملي في مخزون الهوامش النائية نسبيا عن فضاء الرؤية. وبتعبير آخر، قد يجعل التلقي حبيس الراهن زمنيا وحبيس الرقعة الدلالية التي تتواجد فيها اهتمامات الكائن. أي تلك التي يمارس فيها طقوس راهنيته. وهي عدوى تحدث تأثيرها التلقائي على الخاصة كما على العامة، وقد اتخذت شكل تقليد ساري المفعول ،و شكل سلوك يومي، مطبوع بعفويته.
إن مسطرة التفاعل الحاضرة في حركية هذه العدوى، تستند على مبدإ البساطة، والسلاسة، وعلى توخي «سداد المعنى»و عدم « المعاضلة» فيه، بالإمعان في مراكمة الإشكاليات النظرية، العصية على الاستيعاب السريع والآلي . إلى غير ذلك من الإواليات المساهمة في رفع إيقاع الحياة المجتمعية، وتسريع وتيرتها. وكما هو ملاحظ، فإن التوجه العام لكل من المنجزات التقنية والعلمية بمختلف اختصاصاتها، يهدف إلى تبسيط مسطرة التعامل الكوني، من خلال رفع جميع العوائق والحواجز التي من شأنها تعقيد وإرباك حركية العالم . إن العالم يسير في هذه الوجهة تحديدا. كما أن التقنية وعلى ضوء ما تقدمه من إمكانيات تفاعلية متجددة، وما تحدثه من انزياحات افتراضية ،تسعى إلى الارتقاء بالواقع إلى مستوى الحلم، الذي تفقد فيه العناصر قماءتها الواقعية، وتجهمها المعتاد. وبموازاة ذلك، يتم إنتاج مفاهيم جديدة، حول المكان والزمان. إلى جانب إبداع منهجيات مغايرة للتفاعل مع الأبعاد اللآمتناهية للمحيط وللمعيش.
غير أن ما ينبغي التنويه به في هذا السياق، هو انطواء الظاهر الموحي ببساطته وسلاسته ،على مستويات جد متقدمة من دقة البناء وقوة التركيب . ذلك أن الوصول إلى ذروة السلاسة، يستند على عمليات تدبيرية تتميز بمستويات عالية من التعقيد، كما هو الشأن بالنسبة للتطور المذهل الذي تعرفه التكنولوجيا الحديثة، والذي تحتجب خلفه معادلات جد متطورة، لا تهتدي إلى أسرارها سوى الكفاءات المتميزة بعلو كعبها من حيث الاختصاص والعمق المعرفي. وهي مفارقة لا يستدعي إدراكها امتلاك أي ذكاء استثنائي.
ومع ذلك، فإن سلطة الاستهلاك تتجاوز بكثير سلطة التعرف. بمعنى أن هناك تهافتا متصاعدا على الاستفادة من خدمات المنجز التقني، دون إيلاء أي اهتمام أو اعتبار لإشكالية «الأصل» الذي أدى إلى ظهوره، وقد بدا متوجا بسلاسة توظيفه وتطويعه للصالح الشخصي أو العام. وبالتالي، فإن ظاهرة تصفية الحساب مع» فلسفة « الأصل، تجد في هذه الحالة تحديدا، تفسيرها الواضح والكبير . فالأصل هنا منعدم القيمة أو يكاد. والحديث عنه، لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال الانحراف باتجاه هدر الوقت، والانغماس في تزجية خالية من المعنى ،لفائض الفراغ .ما يدعونا للقول، بالغروب شبه التام للفضاءات التي تتخلق فيها أصول الإشكاليات . بما في ذلك الأصل المقترن بالفتوحات التقنية والعلمية، والذي لا يختلف في اعتقادنا عن الأصل الميتافيزيقي، الذي تتشكل فيه الأسئلة المتعلقة بأسرار الكون.
فبنفس الصيغة التي تراجعت فيها الأسئلة ذات المنحى الميتافيزيقي، تراجعت أيضا بالنسبة لشرائح كبيرة من المتعلمين، الأسئلة المتعلقة بأسرار الكشوفات العلمية. فالعبرة تكمن أساسا في الاستمتاع بجمالية رسو المركبة على سطح المريخ، وليس في معرفة الشروط العلمية والتقنية التي ساهمت في نشر أجنحة المتعة، وهكذا دواليك.
٭ شاعر وكاتب من المغرب