سيكون من العبث إيهام الذات بوجودها في زمن حداثي، خارج المقومات الموضوعية التي على أساسها تتشكل هوية هذا الزمن، دون أن يفيد ذلك، واجب التبني القسري لنموذج معين من نماذج الحداثة الكونية، باعتبار أن الجوهر الفعلي للمفهوم، غير قابل مطلقا لأن يوضع في قالب ثابت ونهائي، ذلك أن النزوع الحر للأخذ بزمام المبادرة في مجال ما من المجالات الحياتية الأكثر تأثيرا، هو في حد ذاته أحد العوامل المساهمة بشكل فعال في إنضاج الشروط التي تنهض بها مقومات التحديث. وكل تبخيس لأهمية هذه المبادرات، من شأنه الإبقاء على الذات المجتمعية خارج اللحظة التاريخية، التي يفترض فيها أن تكون التجسيد الفعلي للأفق التحديثي بجميع المقاييس. بهذا المعنى سيكون الحرمان من الحق في أخذ المبادرة، دليلا قاطعا على اكتساح حالة الإحباط لكل ما له صلة من قريبة أو بعيد بخاصية «الفعل».
وهو الطابع المهيمن على المجتمعات التي تعاني من تسلط الأنظمة الاستبدادية، خاصة أن المشاريع التحديثية بمختلف توجهاتها، تنهض على أرضية مفاهيمية ونظرية واضحة، تشمل مستوياتها المعرفية والعملية كافة. الشيء الذي يستدعي قابلية الذات المجتمعية للتفاعل الحضاري المشترك، مع مكونات المنتظم الحداثي. غير أن الوضع يختلف، حينما تغيب هذه المشاريع، على حساب الهيمنة المطلقة للمشاريع الأمنية. وهو الوضع الذي يسفر عن واقع مجتمعي مأزوم، مهدد دائما بقانون الرقابة، الزجر والعقاب. والغريب في الأمر، أن المؤسسات القطاعية التي تعتمدها الأنظمة الديمقراطية، في تطوير رؤيتها التحديثية، تتحول بالنسبة للأنظمة الاستبدادية، إلى بؤر استنزافية على جميع المستويات، حيث نجدها تقوم بدور الفضاءات «المتعددة الاختصاصات» فهي فضاءات التآكل الذاتي، والانتظارات التي لا يحد عبثيتها حضور، كما هي فضاءات الإقصاءات المبيتة، والامتيازات الشخصية. والأدهى من ذلك، وهذا هو المهم، أنها معدة بعناية إدارية فائقة، لإضفاء الشرعية على كل الخروقات، خاصة منها المتعلقة بتبديد الأموال العمومية، التي يصب ريعها مباشرة في جيوب القطط السمان.
وكما هو معلوم، فإن الغاية الأساسية من حرص السلطات على الدفع بهذه المؤسسات إلى أضواء الواجهة الإعلامية، هو قطع الطريق على أي إبدال، يمكن أن يصدر عن بعض الواجهات المضادة، و المنخرطة نظريا في صلب المشروع التحديثي، بالمفهوم الكوني للكلمة.
وبوسع الملاحظ، أن يستعيد تاريخا كاملا من مكائد الإجهاضات، التي تعرضت له هذه المشاريع المضادة، وفي مختلف الوسائل السلطوية المتاحة، التي لا تتردد في استعمال أبشع أشكال القمع والتخويف، من أجل قطع الطريق على كل تطلع فكري ومعرفي، يسعى إلى الكشف عن الوجه الظلامي لهذه المؤسسات. وبالنظر إلى غياب وعي مجتمعي بإشكاليات معقدة من هذا القبيل، فإن السلطة لا تجد أي صعوبة في تأليب الرأي العام على حاملي شعارات التحديث من النخب المثقفة والسياسية، بتلفيق مختلف التهم المحيلة على «الخيانة العظمى» وبدعوى تآمرهم على سلامة الوطن وأمنه، وسعيا من «المؤسسات» المعنية إلى تعزيز التهم بالحجج الدامغة، فسيكون من الضروري إدراج الإدانة في إطار «تواطؤ النخب مع جهات أجنبية» للمس بسيادة الوطن. وفي ظل هذه الأجواء القمعية، تنهار وتتفكك كل مشاريعها التحديثية، الشيء الذي من شأنه إعادة عقارب التغيير إلى الصفر.
وفي اعتقادنا أن الخلل يعود أيضا، إلى المنهجية التي تشتغل بها النخب، بحكم العنف الانقلابي الذي يطغى على نبرتها التحديثية، وهي نبرة كانت لعدة عقود خلت، تفتقر إلى مقومات الإقناع العقلاني، خاصة حينما تتمحور إبدالاتها حول نماذج اقتصادية وثقافية غريبة عن الواقع الإقليمي والعربي. كما أن جل ما نحظى به من استقطابات، يتم بموجب ما تؤججه خطاباتها اليوتوبية من تعاطف انفعالي وتحفيزي، لا يلبث أن يفقد صلاحيته فور تكشير وحش السلطة عن شراسة أنيابه.
وبوسع الملاحظ، أن يستعيد تاريخا كاملا من مكائد الإجهاضات، التي تعرضت له هذه المشاريع المضادة، وفي مختلف الوسائل السلطوية المتاحة، التي لا تتردد في استعمال أبشع أشكال القمع والتخويف، من أجل قطع الطريق على كل تطلع فكري ومعرفي، يسعى إلى الكشف عن الوجه الظلامي لهذه المؤسسات.
وسيكون من الضروري في هذا السياق، التذكير بظاهرة تفريخ الأحزاب، بما يدور في أفلاكها من جمعيات المجتمع المدني، وملحقاتها، التي يمكن اعتبارها بمثابة أقنعة مزخرفة بمنمنمات الديمقراطية والشعارات التحديثية المفرغة من دلالاتها، وهي الشعارات التي اتخذت منها الأنظمة الظلامية أقنعة تمويهية، من أجل تبسيط مسطرة استهلاك خطاباتها على مستوى المحافل الدولية.
وعلى ضوء هذا الواقع، لا تلبث الحداثة أن تفقد دلالتها كلما ضاقت وتضاءلت دوائر حضورها، وكلما تعذر عليها أن تحظى باهتمام الرأي العام.
ومن خلال تأملنا في حركية المجتمعات المتقدمة، سوف يتأكد لنا أن الحداثة تتنافى تماما مع أي رؤية نخبوية للواقع، لأن نفوذها الإجرائي لا يتحقق إلا عبر قدرتها على اكتساح الفضاءات العامة والخاصة على السواء، وحالما تفشل في إنجازها لهذه المهمة، فإنها تكون بصدد استئصال جذورها، قبل استئناس التربة بها. كما ستكون بصدد انحشارها الطوعي والتلقائي في زوايا الأوهام، أي على أساس انفتاحها على بعض المقومات التكنولوجية، أو تواجدها الرمزي في بعض واجهات الإبداع والكتابة، وفن العيش، كما هو الشأن بالنسبة للعالم العربي. بينما هي في الأصل، ذلك الكل العصي على التجزيء، الذي يتعذر اختزاله في مكون معزول عن غيره من باقي المكونات. إن رياحها، وحالما تستكمل الشروط الموضوعية لهبوبها، تعصف بالمكان عصفها الشامل الذي لا يستثني شبرا واحداً منها، بما في ذلك هرمية السلطة ومؤسساتها. إنها بهذا المعنى، تضيق بالإقامة في الدهاليز السرية، وفي الصالونات المغلقة على شعارات سعيدة بمرجعياتها المذهبية، تلك التي كانت صقور اليسار العربي تبني فيها أعشاش مشاريعها المستقبلية. وسيكون من الصعب على أي تنظير سياسي أو فكري، أن يقنعنا باحتمال تراجع هذا التأثير السلبي، في العقود القليلة المقبلة، مادامت الأوضاع تراوح مكانها. وخلال ذلك، سوف تظل نار الخلاف مستعرة بين القبائل السياسية، بيمينها ويسارها، تحت قباب البرلمانات وخارجها، تارة بذريعة صيانة العقيدة، وأخرى بدعوى التبشير بالعلمانية، أو الانتصار للحداثة وما بعدها. إلى جانب اليافطات التي يجد فيها الخلط المدمر ضالته، بتزكية تامة من السلطات الوصية، والخبيرة بتقنية توزيع الغنائم التي يراكمها التخلف والقهر، وهما معا يسيران بخطاهما الثابتة، باتجاه مستقبل لا مكان فيه لطيف الحداثة أو شبحها.
فهل يتعلق الأمر والحالة هذه، بغياب هاجس التأسيس الحداثي؟ أم يتعلق بغياب أولوياته؟ ومن المؤكد أن تحقق فرص التأسيس، يقتضي بالضرورة توافر إطاره النظري الذي يشكو هو أيضا من غيابه المزمن، بفعل ضيق الهامش الذي تحتله المسألة التعليمية، ذلك أننا حالما نسلم بأن القيمة الفعلية للأفكار والمشاريع، تتمثل مبدئيا في مدى قابليتها للتحيين على أرض الواقع، فإن الشرط الأساسي الذي سيكون حاضرا في خلفية هذا التحيين، هو الارتقاء بالمسألة التعليمية إلى أعلى درجة ممكنة من سلم الأولويات، وهنا تحديدا سوف نصطدم بعائق استفحال ظاهرة الأمية في أوساط الأطر المسؤولة على إدارة أهم المؤسسات السيادية، فضلا عن تفشي سمومها في أوصال الشرائح المجتمعية الأكثر تمثيلية، والأكثر عوزا وتهميشا. الشيء الذي لا يمكن أن يؤشر إلى ظهور بارقة أي أمل في بزوغ شمس التحديث. ثم وقبل ذلك، هل بوسع «أطر» تشكو هي أصلا من البؤس الفكري والثقافي، أن تحظى بشرعية التخطيط المستقبلي للمسألة التعليمية، التي تعتبر بحق، العتبة المفضية للعالم الحديث، وللمنتدى الكوني؟
شاعر وكاتب من المغرب