الحداثة والتراث: القنطرة المفقودة

حجم الخط
2

في هذه المقالة سأحاول أن أؤشِّر على نقاطٍ كثيفةٍ ومحدَّدةٍ كمفاتيح للحوار والجدل حول التراث والحداثة والعلاقة المتوتِّرة والملتبسة والدموية أحياناً كثيرةً بينهما .
اوَّلاً : يجب الاعتراف أوَّلاً وقبلَ أيِّ شيءٍ آخر أن المجتمع العربي المعاصر هو مجتمعٌ مشوَّهٌ ثقافياً ومعرفياً ووجودياً , وهناك تشوُّهٌ عميقٌ في هويته ومرجعياته الجمعية , بل هناك صراعٌ دمويٌّ بين هذه المرجعيات الجمعية وتمثُّلاتها المعاصرة , انعكس هذا الصراع وكوَّن شخصيةً ذاتَ عقليةٍ دمويَّةٍ , غيرَ قادرةٍ على التعامل والانفتاح على الآخر القريب ثقافياً وتاريخياً وبالتأكيد غيرَ قادرةٍ على الانفتاح على الآخر البعيد ثقافياً وتاريخياً والمرتبط في الذاكرة العربية بالاضطهاد الاستعماري والتعالي الحضاري والوقوف عبر التاريخ ضد هذه الأمة وطموحاتها بالتحرر والتقدم والمشاركة في ركب الحضارة الإنسانية .
ثانياً : هناك انقطاعاتٌ معرفيةٌ في المجتمعات العربية, أي بلغة أخرى ليس هناك تراكمٌ معرفيٌّ متواصلٌ يؤسِّس لرأس مالٍ ثقافيٍّ عربيٍّ متحركٍ ومتغيرٍ وفاعل , بل هناكَ رأس مالٍ دينيٍّ متحجِّرٍ ومتوقِّفٍ عن النمو منذ أكثر من ألفِ عام .
ثالثاً : المجتمعات العربية المعاصرة مجتمعاتٌ تائهةٌ بينَ قطيعتين مركزيتين ومجموعةٍ كبيرةٍ من القطائع الفرعية المتناثرة أفقياً على جغرافية هذه المجتمعات وعمودياً على تاريخ هذه المجتمعات الثقيل .
القطيعة المركزية الأولى تتمثَّل بانقطاع هذه المجتمعات عن تراثها الحيِّ وجهلها به , فالمجتمعات العربية لا تعرف ولا تتواصل ولا تتغذَّى معرفياً , وليس من مكوناتها المعرفية ابن سينا والفارابي والمعري وابن رشد وابن باجة والنظَّام والعلاَّف والجاحظ والكندي والبيروني وابن الهيثم والزهراوي والخوارزمي .. الخ , ولم تقم هذه المجتمعات ومثقفوها عبر التاريخ بأيِّ نقدٍ معرفيٍّ وثقافيٍّ لمنتجات هؤلاء الأعلام ولم تدخل هذه الثقافة والمعرفة التي أنتجوها في نسيج الثقافة اليومية والتاريخية لهذه المجتمعات مما ولَّد قطيعةً آنيَّةً بين النخبة الحقيقية في هذه المجتمعات وبين الناس والحياة والتاريخ الفعلي للمجتمع , والذي أسَّس بدوره لقطيعةٍ تاريخيةٍ أعمق أدخلت هذه المجتمعات في هذا اليباس والتخلف الذي تعيشه الآن .
هذه القطيعة كدَّست وحجَّرت وجمَّدت تراثاً يحمل بذوراً عقليةً قادرةً على الحياة والتطور وقادرةً أيضاً على تطوير مجتمعاتها والمساهمة في حلِّ مشكلاتها التي تراكمت حتى وصلتنا وأوصلتنا إلى هذا الجدار المغلق .
هذه القطيعة راكمت تراثاً لم يتحرَّك في المجتمع ولم يتعرَّض للنقد والتطوير والحياة اليومية , بل بقي حبيسَ مخطوطاتٍ لا يطَّلع عليها أحدٌ سوى بعض المختصين , أي أنها لم تتسرَّب كمكوِّنٍ معرفيٍّ فاعلٍ في التاريخ العربي الفعلي في حركته ومدارسه وجامعاته ومنتدياته وأسواقه وفنه ومنتجاته الثقافية المختلفة .
أما القطيعة المركزية الثانية فهي القطيعة مع الحداثة الغربية وعلومها الطبيعية والإنسانية , فالمجتمعات العربية لا تدرك من الحداثة الغربية إلا قشورها الخلاَّبة , ولا تعرف ولا تعي غيرَ منتجاتها واستخدام واستهلاك هذه المنتجات دون القدرة على وعيها والقدرة على إنتاجها وهضمها وتمثُّلها عضوياً , ودون القدرة على إقامة حوار بين مكونات هذه المجتمعات المعرفية والثقافية وهذه الحداثة المتعالية .
رابعاً : ما الحل ؟ وكيف نستطيع أن نحافظ على هويَّةٍ ثقافيةٍ حيَّةٍ ومتميزةٍ وفي الوقت ذاته كيف نعمل على أن نكون مكوِّناً حضارياً حاضراً ومنفتحاً على حداثة العصر وعلومه وثقافته وهضمها وتمثُّلها عضوياً وإدخالها في نسيجٍ حيٍّ لثقافةٍ قادرةٍ على فهم الآخر واستيعابه وتمثُّله في منظومتها المعرفية والثقافية ؟ .
انشغل المفكرون والفلاسفة والشعراء والأدباء العرب في الإجابة على هذا السؤال , وذهبوا مذاهبَ شتَّى في الإجابة والتأسيس لرؤية معاصرةٍ للمجتمعات العربية تُمكِّنها من حلِّ مشكلاتها التاريخية والخروج من هذا التخلف الفكري والسياسي والاجتماعي والمادي والعلمي والحضاري الذي تعيشه هذه المجتمعات .
ولمحاولة الإجابة على السؤال أعلاه لا بدَّ من :
البحث الجاد والمخلص عن أسباب القطائع المعرفية المتكرِّرة في التاريخ العربي , والتي حرمت هذا المجتمع من تأسيس رأس مال ثقافي حيٍّ ومتحرِّكٍ ومستنير .
على المستوى الثقافي النخبوي العربي , لا بدَّ من البحث الجاد أيضاً عن أسباب توقُّف الفكر العربي المبدع والناضج وانسحابه من المشهد وتحجُّره وتراجعه ؟ .
وتأسيساً على المحورين السابقين يمكن الحديث عن العمل الثقافي والاجتماعي والمؤسسي من مدارس وجامعات ومعاهد بحث ومفكرين وفلاسفة ومثقفين لإعادة تكوين وتشكيل القنطرة المفقودة بين المجتمعات العربية المعاصرة وتراثها اوَّلاً وذلك بنقد هذا التراث عند المرحلة التي توقَّف عندها نقداً عقلياً هاضماً لهذا التراث ومقولاته وواعياً ومدركاً لاتجاهات تطور هذا التراث لاحقاً ضمن بيئاتٍ وحاضناتٍ ثقافية أخرى استطاعت تمثُّل هذا التراث ونقده ثقافياً ومعرفياً والتأسيس عليه وتجاوزه , وبلغةٍ أخرى يتطلَّب ذلك الفهم إعادة قراءة ونقد التراث بلحظته التاريخية التي أنتجته وليس بلحظتنا التاريخية الراهنة , ويتطلَّب ذلك أيضاً إعادة تمثُّل عصورٍ تاريخيةٍ تاليةٍ لتلك اللحظة التاريخية وإعادة إحياء حيوية هذه اللحظة من خلال فهم ووعي وتمثُّل اللحظة التاريخية الموازية في الثقافة التي احتضنت جزءً حيَّاً من هذا التراث ووظّفته في مشروعها الثقافي ونجحت في الخروج من المأزق .
وعند إعادة ما انقطع بين العلوم العربية ( في الفلسفة والرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب والنبات والعلوم الإنسانية الأخرى ) وبين المرحلة التاريخية الموازية لها تاريخياً , يمكن عند هذه النقطة أن نتتبع ( هضماً وتمثُلاً واستيعاباً ) حركة هذا التراث واستيعاب واستعادة النقد المعرفي الذي تعرَّض له في تلك الثقافة التي تمثَّلته , وهذا التمثُّل يجب أن لا يكون على مستوى النخبة والفلاسفة بل على مستوى المجتمع ومؤسساته التعليمية وجامعاته ومعاهده وبحيث يتم تعميم هذه القنطرة المفقودة بين لحظتنا الثقافية التي تحجَّرت في القرن الثاني عشر الميلادي وبين لحظة الثقافة الغربية التي قامت بتمثُّل تلك اللحظة وإحيائها ونقدها وتجاوزها , ويتم هضم واستيعاب وتمثُّل هذه القنطرة عضوياً ليس عبر ما أسمته الأدبيات الماركسية – وتبناها بعض المفكرين الماركسيين العرب بحرق المراحل التاريخية , هذا المصطلح الزائف والذي أدى ويؤدي إلى خلق بُنى شكليةٍ زائفةٍ أثبتت حركة التاريخ زيفها وبطلانها , ولكن يتم هذا الهضم عبر تمثُّل تلك المراحل ووعيها وهضمها أو ما يمكن أن نسميه تجاوزاً ‘ تكثيف المراحل ‘ وليس حرقها .
كخلاصةٍ أوَّليةٍ لما تقدَّم :
على الثقافة العربية المعاصرة أن تقوم بعملية نقدٍ جريئةٍ وعميقةٍ لتراثها ومرجعياته التأسيسية , وعليها تجاوز مرحلة التُّقية والالتفاف على الاستحقاق النقدي , على الثقافة العربية التأسيس العقلي لنقد القرآن والوحي والحديث والفقه والتفسير- نقداً عميقاً وليس نقداً سطحياً توصيفياً يعكس مواقف أيدلوجيةً مسبقةً أو مواقف فانتازيةً أو شعريةً أو مواقف سياسيةً آو تنهل من ماءٍ ملوَّث – والتأسيس على تراثٍ عقليٍّ نقديٍّ ينفتح على منجزات الحضارة الإنسانية ويأخذ منها ويعطيها .
تأسَّست الثقافة العقلية العربية على مفهوم التأويل للنص وعليها التقدم خطوةً جريئةً للأمام وذلك بالعمل على تأسيس النقد الثقافي للتراث على نقد النص وليس على تأويله .
المجتمعات العربية المعاصرة تقف أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فاصلةٍ , فإما أن تكسر هذا القيد الذي تهيَّبه وما زال يتهيَّبه المفكرون والفلاسفة والمثقفون العرب , وإما أن ندخلَ جميعاً في سُباتٍ دمويٍّ يسبق ويهيئ للخروج الدموي من التاريخ والجغرافيا .

كاتب من الاردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية