الحداثة والتسويق التكنولوجي للرغبة

يحيل مفهوم الرغبة، في السياق الذي نحن بصدده، إلى تلك العين الباطنية والآلية، التي يستشرف بها الكائن الحديث آفاقه المنتظرة، حيث يمكن الإشارة إلى أكثر من إمكانية لمقاربة تفاعله مع محيطه، على ضوء حضورها أو غيابها، مع التذكير بتعدد المرجعيات المؤطرة لها، والمتدرجة عبر مستوياتها المتعددة، التي تراوح بين حدها الغريزي والبدائي، وحد آخر معرفي، موجه بإواليات العقل، وباستراتيجياته المتنوعة بتنوع ما يرد فيه من مقامات.
ولعل من بين المهام الأساسية التي تضطلع بها الحداثة، تفجيرها لمنابع رغبات جديدة، تعتمدها كوسائط حيوية لتصريف منتوجها، ضدا على إرادة العقل الذي تتنطع بانتصارها له. ذلك أنها، وباعتبارها عقلا كونيا، تستأثر بآليات التدبير المعولم، الذي لا يسمح بوجود عقل مواز، «يحشر أنفه» في تفنيد ما يعممه عقلها من اقتراحات، ومن خطاطات. كما أنها بوصفها عقلا شموليا، تمارس تحكمها في سلطة القرار، موكلة الجانب التنفيذي للرغبة، بوصفها إطارها الفعلي، الذي تنتظم فيه مقترحات ومشاريع عقل الحداثة، وملزمة بتوخي اليقظة الدائمة، كي تتيح للعقل البشري إمكانية الخلود للنوم. وإن أمكن، انسحابه الكلي من المشهد، خاصة أن العقل في حالة حضوره، قد يدخل في صراع مع عقل الحداثة، متصديا بذلك لسلطتها وهيمنتها.
وهنا تحديدا، تكمن منهجيتها في تأجيج نار الرغبة، كي يظل التلقي العام لموضوعها سجين لهيب أفقها الخاص، بفعل تنازل العقل عن دوره المنوط به، والمتمثل عادة في ممارسة الحكم والتقييم، تاركا هذه المهمة لرياح الرغبة، ولأعاصير أهوائها. وعلى الرغم مما يوحي به تفاعل الرغبة مع موضوعها، من حضور وعي ذاتي متكامل ومتوازن، إلا أن هذا الانطباع يظل في العمق، محض تحصيل شكلي مصطنع، وخال من مبرراته المنطقية، مادام هذا التفاعل لا يرقى إلى المكانة التي يحتلها التفاعل العقلي المعزز بشروطه، التي تضفي على العلاقة بعدها الموضوعي، ما يؤدي إلى تقزيم التفاعل المنتظر بين الرغبة وموضوعها، بتواز مع القمع الممارس من قبل سلطة الحداثة على كل ممانعة عقلانية وواعية، يمكن أن تصدر عن الذات.
وهذا القمع، يمارس عبر استراتيجية تبدو من حيث الظاهر إيجابية وبناءة، قوامها توسيع الحداثة لمحيط الحرية، وتقليصها الملتبس لصلاحيات سلطة المحظور، بصرف النظر عن الاختلافات الإثنية أو الدينية القائمة بين المعنيين، من حيث مستوى القبول أو الرفض. وهي استراتيجية تستند إلى خبرتها المتقدمة في إخضاع فضاءات المحظور، بأبعادها القانونية والاقتصادية والتجارية والبيئية، إلى آخر اللائحة لعمليات تجميل ممنهجة، معززة بمبرراتها «الحضارية» التي يتم إجراؤها في قلب تماسات «تعايشية»، تلطف من هول الإحراج المتبادل، الذي يمكن أن يستشعره هؤلاء في علاقتهم بأولئك، خاصة حينما يتعلق الأمر بالقناعات العقدية، والتقاليد المجتمعية المتفرعة عنها.

العولمة هي التي تتكفل بتعطيل قوانين الرقابة، على ضوء تحديثها الهجين لشبكات التواصل المجتمعي. وكذلك على ضوء ممارساتها لاختراقات مستعارة من طقس الألفة.

هذا السلوك التدليسي، الذي يمتلك رصيده الهائل في تجربة رفع الحدود الفاصلة بين فضاءات المباح وفضاءات المحظور، يجبر الرغبة على تجميد هويتها، كي تستمر في صيغة عقل، يتكفل بتنفيذ تعاقدات الاستهلاك الأعمى، المعدة سلفا لهذه الغاية، ما ينتقل بها من مستوى الغريزة البدائية، إلى مستوى أكثر تقدما، يحولها إلى طاقة عقلانية، واعية بحضورها، وبآليات اشتغالها.
هذا الانتقال هو الذي ينفي عنها كل شبهة قد تؤدي الى تسريب حالة من التشكيك، في قيم الحداثة، بما تمتلكه من أسواق، ومن معروضات متناسلة، يتعايش فيها المحظور والمباح بشكل تلقائي، ما يضفي على العملية التسويقية بعدها السلس. لأن المحظور في حالة تكشيره عن أنيابه، سيؤدي حتما إلى إحداث أكثر من زلزال في أسواق الحداثة ومعروضاتها.
من هذا المنطق، نشير إلى أن الحداثة استثمرت الكثير من إمكانياتها في عولمة روح الرغبة، التي تتلاشى معها مقومات الممانعة المؤطرة عادة بثقافة الخصوصيات، فالرغبة من منطلق كونها جماع تفاعلات سيكولوجية وعقلية، تتطلع إلى إشباع ميول الكائن المسكون بحلم انتزاع لحظات سلام وطمأنينة ممكنة، من سطوة اليومي وعنفه. باعتبار أن الحياة ككل، هي خلاصة ذلك التقاطع القدري، بين قطبي الموت والحياة، علما بأن الحياة، قابلة لأن تكون موتا، كلما تجاوزت دلالتها العرفية بوصفها مجرد حياة، إلى مرحلة الكشف عن أسرار هويتها المعقدة والمركبة، باعتبار أن العلاقة الموضوعية القائمة بين الكائن والحياة، هي تلك المتواجدة في رحابة الرمزي. ما دام الكائن، ليس مجرد حجر مادي ملقى به في قلب بئر المعيش، الذي لا قرار له، بقدر ما هو حزمة لا متناهية من الدلالات القابلة لأكثر من تفسير، ولأكثر من تأويل، حيث نقترب بموجبهما من جوهره، وهو يخوض صراعه المرير مع الحياة كذلك، وليس فقط مع الموت. فالموت الحاضر في الحياة، هو أكثر عنفا من الموت الحاضر في الموت، إنها المعادلة الشائكة التي يحلم الكائن ضمنها، بانتزاع لحظة السعادة المتحققة بقوة سلطة الرغبة.
وغني عن الذكر، إن ضيق هامش الحرية، هو ما يؤدي إلى توسيع هامش الرغبة، بوصفه المجال الملائم لممارسة فعل التمرد والعصيان الشخصي، بعيدا عن عين الرقابة، والموجه أساسا ضد قصور الذوات العاجزة عن تجاوزها لحدودها المجتمعية المسموح بها. أيضا فعل التمرد هذا، هو محاولة مستميتة للانفصال عن رعب الرقابة، وعن بؤس الإقامة داخل حزامها الأحمر، الذي يسهر على سلامته وأمنه سدنة المحظور، أملا في الانتماء إلى جغرافيات الحريات الكونية.
إن العولمة هي التي تتكفل بتعطيل قوانين الرقابة، على ضوء تحديثها الهجين لشبكات التواصل المجتمعي. وكذلك على ضوء ممارساتها لاختراقات مستعارة من طقس الألفة. داخل أكثر المدارات البشرية تعقيدا، التي تتحول بتأثير لمساتها السحرية، إلى فراديس اصطناعية مؤثثة بـ»بديهيات» و»مسلمات» لا يحتاج تبنيها لدليل أو برهان. وهي الفضاءات الملتبسة ذاتها، التي يكون فيها موضوع الرغبة بعيدا نائيا، بالنظر لانتمائه إلى الآخر، كما يكون قريبا، بحكم تماسه الحتمي مع الذات، ضمن أجواء التفاهم والتعايش السائدة والمكرسة من قبل العولمة. هذا التماس الحتمي، يضاعف حتما من حالة الإغراء التي يمكن أن تقع في أحابيلها كل مستويات الرغبة. لا فرق في ذلك بين البسيط منها والمركب، حيث تصبح منفتحة بالقوة والفعل، على كل مناحي الحياة، وعلى كافة أنماط العيش، استجابة لمبدأ الحق في الوجود، واستجابة لشعار الخروج من أزمنة التخلف ودياجيرها. وهي وضعية على درجة مزمنة من التعقيد، حيث تسفر في نهاية المطاف، عن تشكل واقع عصي على أي مقاربة عقلانية، من شأنها تبيان المنهجية التي تشتغل بها آلياته. كما تسفر عن الحضور الشرس لبعض التساؤلات المربكة والتشككية، المتعلقة بغير قليل من الخطابات العالمة والمكرسة، التي دأبت على إخضاع الواقع العربي والإسلامي، إلى مقولات مستلهمة من ثنائيات مانوية، من قبيل الحداثة في مواجهتها للتراث، وتلك فصول من رواية أخرى.

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية