الحُب الذي يرقى إلى مرتبة العشق عليه أمثلة في الشعر منذ أقدم العصور. وربما كانت سافو الإغريقية (620-550 ق.م.) أول شاعرة عاشقة تتحدث عن حُبها لزوجها الذي تعشقه، كما نجد في الجُذاذة رقم 2 من بين 104 جُذاذات من شعرها، هي كل ما تبقّى لدى مؤرخي الأدب الإغريقي. وهو كلام في منتهى الصراحة لا تجد فيه الشاعرة أية غضاضة:
«كالآلهة نفسها في نظري، ذلك الذي/ يجلس حيث يستطيع أن ينظر في عينيكِ، الذي يصغي/ قريبا منكِ، ليسمع الصوت الناعم، حلاوته / تهمِس حُباً/ وبهجةً كلّها له. لكن ذلك يعتصر روحي؛/ وتحت ضلوعي يختفق القلبُ جميعاً».
وليس في الشعر اللاتيني في العصور الوسطى أمثلةٌ كثيرة على عشق النساء، لأن الكنيسة كانت مسيطرة على الثقافة ولا تسمح بشعر يمجِّد النساء دون مريم العذراء. ولكن بدايات الشعر الدنيوي الذي يمجِّد الحب وعشق النساء نجده عند أول الشعراء التروبادور كيّوم التاسع. في القصيدة رقم 8 من بين 11 قصيدة تُنسب إلى كيّوم. يقول الشاعر: «أوَد أن أُلقي بنفسي إليها/ لكي تشملني في سجل عشّاقها/ ولا تحسبنّي بسبب ذلك ثَمِلاً/ إن كنت أحب سيدتي/ لأنني من دون حبها لا أقوى على العيش/ فقد كان جوعي لحبِّها بالغ الشدة».
وفي العصر الجاهلي لدينا أمثلة طريفة من لغة الشعراء العُشّاق ربما كان أبرزها قصيده المُنَخَّل اليَشكُري الشاعر الجاهلي الذي ولد بعد عام الفيل بعشر سنوات (571م). يصف المُنَخَّل إقباله على حبيبته بلغةٍ تكاد تكون سينمائية أو مسرحية، وفيها من الصراحة «حبّتين زيادة» ويبدو أن المجتمع الجاهلي لم يعترض على تلك الصراحة… الشعرية:
ولقد دخلتُ على الفتا / ةِ الخِدرَ في اليوم المطيرِ
الكاعبُ الحسناءُ تر/ فلُ بالدِمَقس وبالحرير
ودفعتُها فتدافعت / مشيَ القطاة إلى الغدير
ولثَمتُها فتنفّست / كتنفّسِ الظَبيِ الغرير
وأُحبُّها وتحبني/ ويُحب ناقَتَها بَعيري
وفي العهد الإسلامي الأول لم يكن حديث الحب غائباً عن قصائد الشعراء، ولكنه كان يتخفّى وراء صورة حُب مُتخيَّل أو مأمول. فحتى بين يدي الرسول (ص) كان حديث الحب حاضراً وامتداداً للتراث الجاهلي، كما نرى في قصيدة كعب ابن زهير الذي جاء يطلب العفو من رسول الله، ولكنه بدأ قصيدته بالغزل: بانَت سُعاد فقلبي اليوم مَتبول/ مُتيَّم إثرها لم يُجزَ مكبول. وما سعاد غداةَ البين إذ رحلوا/ إلاّ أغنُّ غضيضُ الطرف مكحولُ… هيفاء مُقبلةٌ عَجزاءُ مُدبِرةٌ/ لا يُشتكي قِصَرٌ منها ولا طولُ.
يختلف الوصفُ السينمائيُ المسرحيُ في قصيدة المُنَخّل اليشكري، ولكنه هنا ما يزال وصفاً جسدياً ملموساً. فحديث الحب لا يفارق خيال الشاعر العربي مع اختلاف الظروف والفصول.
وفي العهد الأُموي لدينا أمثلةٌ بارزةٌ في شعر العذريين وأبرزهم قيس بن المُلَوَّح (645- 688) الشاعر الأموي، النجدي؛ ونَجْد هي مَنبتُ الحب في تراث الشعر العربي: يقول شاعر القصيدة «اليتيمة» في وصف حبيبة لم يرَها من قبل:
إن تُتهِمي فتِهامةٌ بَلدي/ أو تُنجدي إن الهوى نَجدُ.
وبعض شعر الحب عند العذريين يكاد يتجاوز على قيم الدين الإسلامي. يقول مجنون ليلى قيس ابن المُلَوَّح:
أكاد إذا صَلَّيتُ يَمَّمتُ نَحوها / بوَجهي وإن كان المُصَلّى ورائيا.
وفي العصر العباسي لدينا الكثير من الشعراء العشّاق وأبرزهم المتنبي والبحتري وأبو نواس. ولكن يبدو لي أن العشق عند أغلب شعراء العصر العباسي كان موقفاَ مسرحياً أكثر منه عشقاً حقيقياً. وإلاّ كيف نفهم قصيدة المتنبي: أرَقٌ على أرَقٍ ومثليَ يأرقُ… وعذلتُ أهل العشق حتى ذُقتُه/ فعجبتُ كيف يموتُ من لا يعشق! هذا كلام في غاية البراعة يريد لنا الشاعر أن نصدقه ولكننا نجد فيه «التعطيل المقصود لعدم التصديق» بعبارة الشاعر الرومانسي الإنكليزي كيتس. وثمة العبّاس بن الأحنف الذي إذا تكلّم عن العشق يكون أقرب إلى التصديق لجمال عبارته. ومن ذلك ثلاثة أبيات نظمها على لسان الخليفة هارون الرشيد الذي كان لديه ثلاثٌ من الجواري الحِسان يُعتقد أنه كان يحبّهن جميعاً، ولكن كيف وهو الذي يغزو سنة ويحجّ أخرى؟ قال العباس:
مَلكَ الثلاثُ الآنساتُ عِناني / وحللنَ من قلبي بكلِّ مكانِ
مالي تُطاوعُني البريّةُ كلُّها / وأُطيعُهنَّ وهنّ في عِصياني
ما ذاك إلاّ أن سُلطان الهوى / وبهِ قَوينَ أعزُّ من سلطاني
وفي الأندلس يكاد يكون كل شخص شاعراً أو عاشقاً أو مُحبّاً لشيء إلى درجة العشق. ولا يسلم من هذه الصفة فيلسوف متصوِّف مثل ابن حزم الذي يقول:
متى جاء تحريمُ الهوى عن مُحمّدٍ/وهل مَنعُه في مُحكَم ِالذِّكرِ وارِدُ؟
كما لا تسلَم منه ابنة خليفة مثل ولاّدة بنت المستكفي، إذ يُقال إنها قد نقشت على ثوبها:
أنا والله أصلُح للمَعالي / وأمشي مِشيتي وأتيهُ تيها
أُمكِّن عاشقي من صَحنِ خدّي / وأُعطي قُبلتي من يشتهيها
وكان الشعر أول ما ينطق به دبلوماسي أُرسل بمُهمةٍ إلى بلاد النورمانديين مثل يحيى ابن الحكَم الغَزال (772-864) وعند مقابلة الملكة ثودَة راح يتغزّل بالملكة الشقراء، زرقاء العينين، وقدَّم أوراق اعتماده بدبلوماسيّة شعرية قائلا:
كُلِّفتَ يا قلبي هوى مُتعِبا / غالبتَ منه الضَيغَمَ الأغلبا
إني تَعلّقتُ مَجوسيّةً / تأبى لشمسِ الحُسنِ أن تغربا
ولا شك أن الملكة النورماندية قد طربَت لذلك الإطراء عندما ترجم إليها ذلك الكلام.
وهذا رجل يُحب التين الذي تُشتَهر به منطقة مالقا بجنوب إسبانيا الأندلس، لكن الطبيب منع ذلك الرجل من الإفراط في أكل التين، فما كان منه إلاّ ان سجّل اعتراضَه شعراً:
ما لَقَةٌ حُييتَ ياتينَها / الفُلْكُ من أجلكَ يأ تينها
نهى طبيبي عنه في علّتي/ ما لطبيبي عن حياتي نهى!
وعلى مستوى أكثر جدّيةً وأسمى عبارة نجد الشاعر العالِم لسان الدين ابن الخطيب (1313-1374م) يعبِّر عن عشقه بهذه الأبيات:
جاءت مُعذِّبتي في غَيهَبِ الغسَق / كأنها الكوكبُ الدُريّ في الأفُقِ
فقلت نوَّرتِني يا خيرَ زائرةٍ / أما خشيتِ من الحُرّاس في الطُرُقِ
فجاوبتني ودمع العين يسبقها / من يركب البحرَ لا يخشى من الغَرَق
ومنذ أواسط القرن العشرين صار الحديث عن الحب والعشق في الشعر العربي أوسع من أن يُصَنّف. ولكن مثالاً واضحا في التعبير عن الحب والعشق دون مواربة أو تخفّي وراء الاستعارات نجده في شعر نزار قباني، الشاعر غزير الإنتاج من أربعينات القرن الماضي، بمجموعات شعرية صغيرة مثل «طفولة نهد» و «قالت لي السمراء» امتدادا إلى آخر أيامه عام 1998 الذي ختم القرن العشرين وغاب بغيابه عدد كبير من خيرة الشعراء والأدباء العرب. شعر الحب في لغة نزار صريحة إلى حد إحراج الكثير من المنافقين الذين يؤمنون بما يقوله ولكنهم يَخشون التصريح به في العلن. إجابةً عن سؤال مفترَض: هل أنت حقاً تُحب أم أن هذا كله موقف مُتخيَّل؟ والجواب:
وإن كنتُ لستُ أُحبُّ تُرى / لمن كل هذا الذي أنظُم؟
وتلك القصائد أشدو بها / أما خّلفَها امرأةٌ تُلهِمُ؟
من المهم جداً أن نلاحظ أن شعر الحب عند نزار نظيفٌ نقيٌّ ليس فيه أي أثرمن الكلام البذيء أو العابث. وشعر الحب عند نزار لا يكرِّر الصور، ولا يُعطي القارئ أي انطباع أن هذا الشلال من الحب يمكن أن يتوقف أو ينتهي. فمن أواخر مجموعاته واحده بعنوان:
«أحبكِ، أحبكِ، والبقية تأتي». ونبقى ننتظر مجموعةً جديدةً على وتيرةٍ دائمة التجدّد.