يزحف الحراك الجزائري السلمي نحو أسبوعه الثلاثين. في الجمعة الأخيرة رفع بعض المتظاهرين شعاراً جديداً يتسم بالخطورة والتساؤل: العصيان المدني. هذا يشكل بداية انقلاب ضد فلسفة الحراك السلمية نفسها، وقلة التفكير في نتائج العصيان الوخيمة.
للعصيان قواعده وحساباته واستعداد الشعب على تحمل نتائجه الثقيلة، وهو ما ليس متوفراً اليوم. هل يئس الحراك من زحزحة السلطة سلمياً؟ والسلمية هي نقطه الكبرى؟ قد يكون ذلك واحداً من الأسباب الافتراضية. ألم يعد الحراك قادراً على تطوير سبله النضالية السلمية؟ إن ما جعل «الثورة الجزائرية» الثانية تكسب تعاطفاً جزائرياً ودولياً هو سلميتها لدرجة أن رشحها كثيرون للحصول على جائزة نوبل للسلام لهذه السنة.
فقد كانت وما تزال نموذجية في خياراتها الجميلة، السلمية والإنسانية والفنية أيضاً.
إلى اليوم، وعلى الرغم من المناوشات الأمنية، لم تسجل أية ضحية. هذا التحول في وسط الحراك الجزائري يعني شيئين خطيرين بدآ يتأكدان منذ أسابيع قليلة: أولاً، اختراق كبير للحراك قد يجره إلى ما لا يريده. لم يعد الاختراق ثانوياً؛ إذ بدأ يتحكم في الشعارات بنية هتك وتفكيك وحدة الحراك. امتدادات العصابة والمتعاطفون معها بدأوا يرمون بثقلهم في عمق الحراك، وتوجيهه للإجهاز عليه، بعد أن تم تغيير كل شعاراته الأساسية التي غاب عنها حتى شعار الحراك «تتنحاوا ڤاع» أو «جيش شعب خاوا خاوا»، وشكلوا داخله تحالفاً معقداً ومركباً يقود إلى انهيار الحراك السلمي وانزلاقه نحو حرب أهلية شديدة الخطورة، لا نتائج من ورائها إلا تفكك البلاد الذي تنتظره قوى جهوية ودولية تمهيداً للانقضاض على الجزائر، بحيث تكف عن أن تصبح قوة جهوية كبيرة مثل الحالة العراقية التي تتقاطع معها في كثير من صفاتها.
هذه القوة (الدولة العميقة) التي أصبحت اليوم مرئية من خلال شعاراتها، ومنها شعار العصيان المدني، تراهن أيضاً على انقلاب فجائي داخل المؤسسة العسكرية تقوده مجموعات متعاطفة مع العصابة، فيصبح كل ما حققه الحراك حتى اللحظة مجرد استراحة تنفيسية والعودة إلى النظام الريعي الذي نهب خيرات البلاد وعطل كل مشاريعها التنموية، وجيرها لمجموعات نفعية خدمت المصالح الخارجية أكثر من خدمتها لبلادها. فقد كانت وما تزال وراء الانهيار الاقتصادي للجزائر وبعثرة آلاف الملايير من الدولارات في مصالح شخصية وعائلية لم تفضح كلها حتى الآن.
وهذه القوة أو العصابة وامتداداتها في النسيج المجتمعي هي التي ترفع اليوم شعار العصيان المدني. فهي تتشكل من ثلاثة أقطاب متحالفة على الرغم من أن تحالفها يبدو غير طبيعي وغير مألوف. تحالفها الذي يبدو: العصابة التي تحولت بسرعة إلى قوة مالية مهيمنة على كل شيء بما في ذلك وسائل الاتصال الحديثة بعد أن اشترت الكثير من الذمم. بقايا «الفيس»، المحل الذي يحاول جاهداً تجميع قواه وتسخيرها للصدام القادم ولعب ورقة المستقبل، وتنظيم الماك MAK: (الحركة من أجل استقلال القبائل) الذي لا يشكل اليوم قوة فعالة في الحراك لأنه مرفوض من غالبية سكان منطقة القبائل الصغرى والكبرى، لكنه يشكل خزاناً لكل الغاضبين على النظام المتماطل، مثلما كان الفيس في تسعينيات القرن الماضي، في ظل نظام متكلس، متشبث حتى الموت بالسلطة، لم يعد قادراً على اقتراح أي حل يفك الأزمة، ويلعب على الوقت والتعفن، وينسى أن الوقت قد يقذف به وبالجزائر كلها نحو جحيم وضع مدمر لا أحد يستطيع اليوم أن يدرك عواقبه.
الحل الأمني الذي بدأ ينتهجه بشكل واضح في الأسابيع الأخيرة، ومحاولة كسر الحراك بالقوة. لمسنا ذلك من قرب في الأسبوع الماضي من الحراك، كيف قسمت القوى الأمنية المضادة للشغب التي أصبحت تحتل المدن، بالخصوص العاصمة، أوصال الحراك، وفصلت مسيرات البريد المركزي، عن ساحة أودان، عن بقاياها في شارع ديدوش مراد، مع تعنيف واضح لكل من قاومها سلمياً. أصبحنا اليوم بعيدين جداً عن بداية الحراك عندما نزلت القوات المضادة للشغب وسارت في طريق الشعب رافعة شعار: جيش شعب خاوا خاوا. النظام الذي أخفق في إيجاد الحلول والاستماع إلى مطالب الحراك بشكل جاد وفعلي، يتحمل مسؤولية ما يتم طبخه اليوم من طرف العصابة وحلفائها لإغراق الجزائر في حرب أهلية مدمرة.
للذين نسوا، تذكير بسيط لتنشيط خلاياهم الدماغية النائمة.. العصيان المدني ليس جديداً، فقد تبنته الجبهة الإسلامية للإنقاذ في التسعينيات، وكان من نتائجه تدمير كلي للآلة الاقتصادية، و200 ألف ضحية لم يعرف أغلبهم الكثير لماذا قتل؟ كل شيء بدأ يومها بكراسة صغيرة كتبها سعيد مخلوفي، أحد مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ وعضو مجلسها الشوري الوطني، ورئيس تحرير جريدة «المُنقذ» لسان حال الجبة الإسلامية. كانت كراسة العصيان المدني توزع سراً في البداية، قبل أن يتم توزيعها علناً على المشاركين في الاعتصامات والمسيرات والمظاهرات التي نُظّمت خلال الإضراب السياسي العام الذي دعت إليه الجبهة الإسلامية للإنقاذ بين شهري ماي وجوان 1991.
يدعو فيها بشكل معلن إلى العصيان المدني ورفض الديمقراطية لأنها كفر، ومؤسسات الدولة وتعويضها بمؤسسات إسلامية بديلة. هذا جزء من كراسة العصيان التي حولت الجزائر إلى رماد: إنّ الدّيمقراطية وسيلة من الوسائل المستعملة لدفع الفرد وإرغامه على الركون للظالمين، فليس رأي الأغلبية هو الذي يحدد ويبين الحق والعدل، بل الله سبحانه وتعالى هو الذي يُبيّن ويحدد… إنّ رأي الأغلبية لا اعتبار له، كما أنّه ليس القانون الذي يُملي علينا الحق والعدل، بل ما هو حق وعدل، وهو الذي يُملي القانون وشرع الله سبحانه وصراطه المستقيم، هو الحق والعدل، وما سواه ظلم وفساد وباطل.
فالذين لهم مهمّة إرغام النّاس على “احترام” القانون الظالم، سواء كانوا سلطة تنفيذية كالحكومة والولاة والشرطة والدرك، أو سلطة قضائية كالمحاكم والقُضاة، أو سلطة تشريعية كالمجلس “الشعبي” الوطني، يشتركون في جريمة واحدة هي خيانة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام (من قانون العصيان المدني لصاحبه سعيد مخلوفي).