الحراك وقلق المؤسسة العسكرية

ما لاحظه المتتبعون عن قرب عن الحراك الجزائري، هو أنه تحول إلى تقليد أسبوعي جميل يتنامى باستمرار أبداعاً وعدداً، وإلى مدرسة حقيقية تنتج بشكل خلاق، في كل مرة، شيئاً جديداً يضمن استمرارها وتطورها وتناميها وتجذرها. لكن، منذ أسابيع قليلة، بالضبط منذ اعتقال الجنرال مدين والجنرال طرطاق، والسعيد بوتفليقة، أصبحت المؤسسة العسكرية مثاراً لجدالات ونقاشات كثيرة، من خلال الشعارات المتضاربة المرفوعة في الحراك، من القبول المطلق لدورها التاريخي والدستوري، إلى الرفض المطلق والتخوف منها، ومن احتمالات استيلائها على الحراك، بينما الشعب الجزائري يريد القطيعة مع كل ما يمت للنظام السابق بصلة. وهذه الشعارات المختلفة والمتضاربة تبين تجذر القوى التي تختفي في عمق الحراك، وهي نفسها القوى التي كانت فاعلة في التسعينيات. هذه الاختلافات بالنسبة للمؤسسة العسكرية تظهر الهشاشات والأسئلة الكثيرة المتعلقة بفترة ما بعد الحراك؛ إذ لا شيء يجمعها إلا إسقاط النظام وذهابه نهائياً من المشهد وكلياً: (تروحوا ڤَعْ= تذهبون كلكم). وتحول نائب وزير الدفاع، قائد الأركان، الفريق قايد صالح إلى هدف أساسي يذكر تماماً بالحملة التي شنت، في وقت من الأوقات، ضد الجنرال خالد نزار، بوصفه النبي المسلح، المخلص والقاتل، واتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية مع تبرئة ضمنية للجرائم التي ارتكبتها التيارات الإسلاماوية العسكرية مثل الجيا (المجموعات الإسلامية المسلحة) وجيش الإنقاذ الملحق بالجبهة الإسلامية للإنقاذ. كما أصبح القايد صالح في شعارات أخرى، النبي المنقذ، مؤيدة لرئيس الأركان الذي اختار طريق الشعب بشكل متدرج. وعلى الرغم من وجوده لمدة طويلة في فلك بوتفليقة إلا أن خياراته وخيارات المؤسسة العسكرية تطورت بتطور الحراك الذي أصبح قوة ضاغطة، من فكرة اعتبار الذين خرجوا للتظاهر بالمغرر بهم في ظل تسيد السعيد بوتفليقة، إلى الانتماء كلياً للحراك والدفاع عنه والدفع بالرئيس إلى الاستقالة، وسجن رجال الأعمال المتورطين في الفساد، واعتبار مجموعة الدولة العميقة عصابة مخربة ثم الإقدام على اعتقال رؤوسها. لكن نفس الأطراف المؤيدة تريد من المؤسسة العسكرية أن تذهب بعيداً في خياراتها، وألا تبقى على الحواف، في حدود الدستور بشكله ومواده الأساسية 102 و 7 و 8.
لقد تأخرت المؤسسة العسكرية في حسم الموقف، وهي موضوعياً لا تستطيع أن تفعل أكثر مما فعلته دون التورط عميقاً، لأنها تريد أن تظل خارج دائرة الانقلاب على الدستور. لهذا كانت من أول المؤيدين لتطبيق المادة 102 للدستور، وتنصيب ابن صالح في رئاسة الدولة وفق الأمر الدستوري. وهذا إذا حل المشكلة للمؤسسة العسكرية بوضعها خارج الصراعات السياسية، لا يساعد أبداً على الاستجابة لمطالب الحراك، بل عمل على تعميق أزمة الجزائر كلياً. كيف العبور نحو الانتخابات الرئاسية في ظل أكثر من عشرين مليون جزائري يحتلون كل جمعة شوارع المدن والقرى؟
واضح أن الانتخابات الرئاسية لن تتم حتى ولو أراد ذلك رئيس الدولة وحكومته التي ولدت ميتة. الجيش، إذا كان مع خيار الشعب كما صرح بذلك قائد أركانه، عليه أن يساعد على إتمام تنفيذ مسار التخلص من رموز النظام الثقيلة، والباءين المتبقيتين، بنصالح (ابن صالح) وبدوي، لأنهما يتجهان بالبلاد نحو وضع جد معقد سيزيد البلاد تفككاً وتأزماً. كيف؟ الحلول الدستورية متوفرة كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في مقالات سابقة؛ أن يتم الاجتهاد بتعيين شخصية سياسية قانونية على رأس المجلس الدستوري وتعويض الشغور، يكون من الحراك، وبإقالة أو استقالة الحكومة الحالية وتعيين حكومة وفاقية جديدة من صلب الحراك، هدفها الأساسي التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة لتفادي الفوضى الممكنة التي، لو حدثت، ستورط الجيش فيما لا يريده، أي التدخل العسكري وإعلان حالة الطوارئ، وتكرار سيناريو التسعينيات الصعب.
الجيش جزء مهم وحيوي من مؤسسات الدولة، وعليه أن يساهم في هذا الحراك بحمايته من الفلول، لا باحتوائه له، وبالمشاركة الفعالة في السير به إلى الأمام لا بالوصاية. الجيش أيد دستورياً تطبيق المادة 102 والانتخابات. لكن بعد اتضاح استحالة إجراء هذه الانتخابات، يفترض أن تنظر المؤسسة العسكرية للأمر بشكل جديد، وتطور من موقفها أكثر باتجاه الحراك والخروج من الأزمة، وإلا ستجد نفسها في تناقض مع الحراك الذي لا يرى أية فائدة من انتخابات رئاسية مشلولة يشرف عليها النظام الذي قام ضده.
البدائل متوفرة ولا تحتاج إلا إلى التفعيل مع قليل من الاجتهاد الدستوري. وجود حكومة وفاقية تملك سلطة القرار يمكن أن يساعد على تخطي حالة الجمود والمرور بسلام نحو استكمال مؤسسات الدولة. يجب الخروج من عقلية كل شيء أسود، أو كل شيء أبيض. للمؤسسة العسكرية الملتزمة بوظيفتها الدستورية التقليدية، كما في كل البلدان الديمقراطية، دور في هذا الحراك، وهي مرتبطة به عضوياً لأنها مؤسسة من مؤسسات الحماية والسيادة الوطنيتين. لا يمكن للجيش أن يؤيد حالة الجمود التي ضيعت من الجزائريين وقتاً طويلاً. الحكومة الوفاقية تستطيع أن تلعب هذا الدور الكبير في التحضير لانتخابات نزيهة وحقيقية. وضع القاطرة على السكة من أجل نظام آخر تتأسس عليه الجمهورية الثانية، جمهورية المواطنة الكاملة، هو المبتغى الأسمى للحراك. الحكومة الجديدة يضاف إليها المجلس الدستوري سيقودان المرحلة الانتقالية باتجاه بر الأمان والإشراف على انتخابات رئاسية تملك شرعيتها من شرعية الحراك نفسه. من مصلحة الحراك أن لا تظل المؤسسة العسكرية مصرة على حكومة ميتة ومجلس دستوري معطل كلياً، ورئاسة مفصولة عن كل الحقيقة المستجدة ومجريات الواقع، ومصرة على انتخابات لن تتم في ظل وضع مأزوم. حتى المرور بالقوة لم يعد ممكناً. لا يمكن لأي إنسان عاقل تصور إجراء انتخابات رئاسية وحتى بلدية في ظل وضع توجد فيه كل القوة الانتخابية في الشوارع (23 مليون حسب الإحصائيات الأخيرة).
للمؤسسة العسكرية دور تلعبه في هذا الحراك دون تعويض إرادته وسلطته، وتكون حامية لخيارات الشعب حتى الانتهاء من الأزمة، وتعود إلى مكانها الطبيعي لضمان وحماية البلاد من الزوابع والمخاطر التي تتهددها، في وضع دولي شديد الخطورة، أي مزالق ستكون نتائجها وخيمة على الحراك وعلى البلاد قاطبة وعلى وحدتها التاريخية، بل على وجودها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية