الحرب الأمريكية الصينية الباردة والموقف الأوروبي منها

صادق الطائي
حجم الخط
0

مواقف الأوروبيين باتت أكثر ابتعادا عن سياسات ترامب

تتصاعد التهديدات بين الولايات المتحدة والصين على خلفية الحرب التجارية القائمة بين العملاقين، بالإضافة إلى الكوارث الاقتصادية التي سببها تفشي جائحة كورونا (كوفيد-19) وتصاعد حدة اتهامات إدارة ترامب للحكومة الصينية والحزب الشيوعي الصيني بالتسبب في تلك الكارثة، والمطالبة بتحميل الصين تبعات الخسائر التي أصابت الاقتصاد العالمي.

مسار التوتر بين واشنطن وبكين اتسم بالتصاعد وبقفزات متسارعة منذ أن دخل الرئيس دونالد ترامب البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2017 إذ سرعان ما كشف الرئيس الجديد، القادم من عالم المال والأعمال، عن سياسة عدائية تجاه الصين تمثلت في إلغاء معاهدة الشراكة عبر المحيط الهادئ التي سعى سلفه الرئيس أوباما لتوطيدها كنوع من احتواء المنافسة التجارية الصينية وتأطير العلاقات التجارية عبر اتفاقات تنسق جهود الولايات المتحدة مع حلفائها في الشرق الأقصى. لكن ترامب مزق هذه الاتفاقية في يومه الثالث من رئاسته للولايات المتحدة، معلنا حربا من السياسات الحمائية ضد البضائع الصينية، ما دفع الصين لاتخاذ إجراءات مماثلة بالمقابل لتنطلق شرارة الحرب التجارية التي توقع المراقبون حتمية وصولها في النهاية إلى صدام عسكري بين القوتين العالميتين.

تشتيت الحلفاء

 

يتذكر المراقبون الدور الأمريكي التاريخي الداعم لقيام اتحاد أوروبي قوي إبان الحرب الباردة حتى انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وقد أنصب ذلك العمل في إطار جهود توليد مصالح اقتصادية وسياسية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على خلفية ايديولوجية تتبنى وجهات نظر الليبرالية والديمقراطية في مواجهة الشمولية الايديولوجية الشيوعية التي يتبناها الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية السائرة في فلكه.

وكان من أهم أدوات الصراع بين قطبي الحرب الباردة في تلك الحقبة، اللجنة التي عرفت باسم “لجنة تنسيق ضوابط الصادرات متعددة الأطراف” التي عملت على تنسيق السياسات الاقتصادية المنظمة للعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين من جهة، في مواجهة الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية في الجهة المقابلة. وقد انتهى عمل هذه اللجنة وحلت عام 1994 إيذاناً بانتهاء الحرب الباردة، وهنا يسأل البعض؛ لماذا لم يصار إلى تفعيل هذه اللجنة في إطار الجهود الأمريكية في حربها التجارية على الصين؟ لكن يبدو إن سياسات ترامب التي أنتهجها تحت شعار “أمريكا أولا” قد تسببت في تفتيت شمل العلاقة القديمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

إذ أعلن ترامب الحرب على حلفائه بنفس الشراسة التي أعلنها على خصومه الصينيين وحلفائهم، وقد أقرت إدارة ترامب سياسات حمائية تمثلت في رفع التعريفة الجمركية على الواردات الأوروبية، ما أبعد أهم القوى الأوروبية كألمانيا وفرنسا عن التعاطي مع الأهداف الأمريكية، وأخذت تفكر بمرونة في أمر التعاطي مع شروط بكين الأكثر يسرا من تشدد واشنطن.

وربما كانت أبرز تجليات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين هي حرب شركات التقنيات والاتصالات التي باتت احتكارا رسميا للصينيين نتيجة التقدم الذي أحرزته شركاتهم في ما يعرف بتكنولوجيا الجيل الخامس في قطاع الاتصالات “5G”. فقد سعت إدارة ترامب إلى فرض العقوبات على شركة هواوي الصينية العملاقة بالإضافة إلى مجموعة “ZTA” الحكومية الصينية اللتان تحتكران تقنيات الجيل الخامس، وقد حذرت الولايات المتحدة شركائها الأوروبيين من السماح لهاتين الشركتين باحتكار سوق “5G” في أوروبا، نتيجة مخاوف واشنطن من أن هذا الإجراء قد يشكل خطراً على الأمن القومي للدول التي تسلم معلوماتها بيد الشركات الصينية.

 من جانبها أكدت “الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول” المعنية بمصالح شركات تشغيل شبكات الاتصال في العالم أن العقوبات المفروضة على عملاق الاتصالات الصيني هواوي ومنعها مع توأمها الحكومي “ZTA” من الدخول والمشاركة في عملية إطلاق شبكات الجيل الخامس من الإنترنت “5G” سيؤدي إلى خسارة الشركات الأوروبية المزودة لخدمات الهاتف المحمول مبالغ طائلة قد تصل إلى 62 مليار دولار.

ولا يخفي الرئيس دونالد ترامب رغبته وسعيه لتفتيت الاتحاد الأوروبي والتعامل مع دول الاتحاد بشكل منفرد، وقد تجلت هذه السياسة في أوضح أشكالها في تشجيع ترامب حكومة بوريس جونسون للخروج العنيف من الاتحاد الأوروبي، ما دفع بدونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، إلى توجيه رسالة إلى رؤساء حكومات ودول الاتحاد قال فيها إن؛ “أمريكا ترامب باتت في مستوى دولتي روسيا والصين وحركات الإسلام الراديكالي بالنسبة للأوربيين”. وحسب ما كشفه موقع “وورلد كرانش” فقد كتب توسك أنه “للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي، هناك قوى خارجية متعددة تحمل نسقا معاديا لهذه المنظمة القارية”.

موازنة المواقف

كان المتوقع من حكومة بوريس جونسون أن تكون الأقرب أوروبيا لحكومة دونالد ترامب، نتيجة تقارب رؤى الرجلين، لكن الواقع على الأرض أفرز نتائج مختلفة جدا، ففي أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، أعلن رئيس الحكومة البريطانية، أن المملكة المتحدة ستسمح لشركة الاتصالات الصينية هواوي بتزويد بريطانيا بالتجهيزات الخاصة من الجيل الخامس لشبكة الهواتف المحمولة ” 5G” وكانت هذه الخطوة بمثابة صفعة وجهها البريطانيون لحلفائهم الأمريكيين، الذين أمضوا أشهراً عدة في الضغط على البريطانيين بهدف منع شركة هواوي من دخول السوق البريطاني، بسبب مخاطر أمنية مزعومة حول علاقات الشركة مع الحكومة الصينية. ولإقناع حكومة بوريس جونسون بخطر العلاقة مع الصينيين، أرسلت إدارة ترامب معلومات استخباراتية، وأدلة عسكرية إلى المملكة المتحدة مفادها أن شركة هواوي يمكن أن تتجسس على شبكات الدول الأجنبية، لكن رد الحكومة البريطانية جاء محاولا إمساك العصا من النصف، إذ أعلنت حكومة جونسون إنها ستبعد تقنية شركة هواوي عن الأجزاء الحساسة لشبكة “5G” الجديدة في الدولة، بيد أنها لن تسير على خطى الولايات المتحدة، وأستراليا، واليابان في منع دخول الشركة الصينية إلى السوق البريطاني، ويبدو أن شركاء أخرين مثل ألمانيا والهند وكوريا الجنوبية في طريقهم لاتخاذ الخطوة البريطانية نفسها. ما يعني انتكاسا لسياسات ترامب في حربه التجارية على الصين.

 

حلف الناتو

ربما انحدرت سياسة الرئيس دونالد ترامب الساعية لتفتيت الاتحاد الأوروبي إلى مسارات خطيرة فيما يخص رسم سياسات الاستراتيجية الأمريكية المتعلقة بالأمن القومي عندما فرض رؤيته القائمة على حسابات الربح والخسارة الفجة والتأكيد على تقليص الدور الأمريكي في حلف الناتو الاستراتيجي. فمن المعروف إن الولايات المتحدة لعبت دورا محوريا في إيجاد الحلف وتحملت العبء الأكبر ماليا عبر تاريخ الحلف الممتد منذ الخمسينات حتى الآن.

لكن سياسات ترامب انصبت على تقريع الشركاء في الحلف ومطالبتهم بزيادة الانفاق العسكري، ولطالما صرح ترامب بالقول إن “حلف الناتو لا يعاملنا بشكل عادل، لكنني أظن أننا سنتوصل لحل. نحن ندفع الكثير جدا وهم يدفعون القليل جدا” متداركا “لكن سنصل إلى حل، وكل الدول ستكون سعيدة”. كما كتب ترامب في تغريدة على حسابه في تويتر؛ إن “دولا عدة في حلف الناتو نحن من يدافع عنها، لا تكتفي بعدم الوفاء بتعهد تخصيص 2 في المئة من دخلها القومي للإنفاق العسكري، لكنها تقصر منذ أعوام في تحمل نفقات لا تسددها. هل ستسدد المتأخرات المستحقة بذمتها للولايات المتحدة؟” وذلك في سياق مطالبته المستمرة للأوروبيين بزيادة نفقاتهم العسكرية في إطار الحلف.

وفي آخر اجتماع لقيادات حلف الناتو الذي عقد في لندن في كانون الاول/ديسمبر 2019 بمناسبة الذكرى الـ 70 لتأسيسه، أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واصفا حلف الناتو بأنه “ميت دماغيا” ما أثار استياء الرئيس ترامب الذي رد واصفا تصريحات ماكرون بأنها” مقرفة ومسيئة”. ويسعى ترامب ضمن سياسته المتمحورة حول شعار “أمريكا أولا” إلى خلق حلف يسير خلف قيادته من دون أي اعتراض أو نقاش، وهذا أمر تعارضه قوى مهمة في الحلف مثل ألمانيا وفرنسا.

وبالرغم من التفوق العسكري الأمريكي على الصين، إلا أن سياسات ترامب ستحاول جر حلف الناتو ليكون داعما للولايات المتحدة في حال دخولها صراعا عسكريا مع الصين، إلا إن حال الحلف والنزاعات التي تمزقه لا يبشر باتخاذ مواقف داعمة لسياسات ترامب، بل إن مواقف الشركاء الأوروبيين باتت أكثر ابتعادا عن سياسات ترامب الاستفزازية والاستعلائية على شركائه، في حين تسعى الصين لترسيخ اتفاقات عسكرية مع روسيا لمواجهة التهديدات الأمريكية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية