الحرب الأوكرانية بعد معركة باخموت النتائج والتوقعات

صادق الطائي
حجم الخط
0

شهدت الأشهر الأخيرة نشاطا ملحوظا في محاولات إيجاد حلول دبلوماسية للصراع الروسي الأوكراني، إذ اقترحت الصين حلها الخاص، تلاه «تحالف السلام» الذي طرحه الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بالإضافة إلى مبادرة السلام التي أطلقتها ست دول أفريقية، وطبعا هناك الدبلوماسية الروحية للبابا فرانسيس. في غضون ذلك، واصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حشد الدعم العالمي، إذ سافر إلى جدة لطلب الدعم من القادة في القمة العربية، ثم ألقى كلمة في قمة مجموعة السبع حيث دعا قادة العالم إلى منع الحروب المستقبلية عبر توفير أسلحة جديدة لكييف والتشدد في العقوبات ضد موسكو.

في الأسابيع الأولى من الصراع في شباط/فبراير 2022 تقدمت روسيا بسرعة واستولت على العديد من المناطق في شرق أوكرانيا، بما في ذلك بعض ضواحي كييف والعديد من المناطق في الشمال الشرقي حول سومي. قصفت القوات الروسية مدينة خاركيف وسيطرت على مناطق في الشرق والجنوب حتى مدينة خيرسون، وحاصرت مدينة ماريوبول الاستراتيجية. ومع ذلك، وبفضل الدعم العسكري الغربي القوي لأوكرانيا، تغيرت الصورة بشكل كبير. انسحبت روسيا من الشمال وفشلت في الاستيلاء على كييف، وطردت القوات الأوكرانية الجيش الروسي من خاركيف وشنت هجومًا مضادًا على مدينة خيرسون. وحاليًا، تسيطر القوات الأوكرانية على خيرسون وقد حاصرت إلى حد كبير التقدم الروسي في الشرق.

المعركة الأكثر شراسة

المعركة الأخيرة التي نفذت في باخموت كانت الأكثر شراسة، وكانت أطول قتال مستدام في هذه الحرب. إذ تقع هذه المدينة في موقع مهم جغرافيًا ويُنظر إليها على أنها مفتاح لتأمين منطقة الدونباس بأكملها (الاسم الذي يطلق على المناطق الشرقية من دونيتسك ولوهانسك). بدأ الهجوم على مدينة باخموت من مقاتلي مجموعة فاغنر في تشرين الاول/أكتوبر العام الماضي. وبحلول بداية عام 2023 انسحبت القوات الأوكرانية من بلدة سوليدار الواقعة شمال باخموت. وفي 8 آيار/مايو، أكدت كييف انسحاب قواتها من بوباسنا الواقعة على بعد حوالي 24 كم شرق المدينة. تم لفت الانتباه إلى ساحة المعركة هذه عندما ظهر يفغيني بريغوجين، رئيس مجموعة مرتزقة فاغنر، في مقطع فيديو حماسي، متهمًا الجنرالات الروس بمجموعة من إخفاقات الإمداد والتنسيق وهدد بانسحاب مجموعته من باخموت بحلول 10 آيار/مايو إن لم تعالج هذه المشاكل.
دمرت المعركة التي استمرت تسعة أشهر مدينة باخموت التي يبلغ عمرها 400 عام في شرق أوكرانيا حيث قتل عشرات الآلاف من الأشخاص في عرض مدمر للقوة قام به طرفا القتال. ولطالما كان للمدينة الصغيرة قيمة رمزية أكثر من القيمة الإستراتيجية لكلا الجانبين، مدينة باخموت التي تقع على بعد حوالي 55 كيلومترًا شمال العاصمة الإقليمية دونيتسك التي تسيطر عليها القوات الروسية، كانت تمثل مركزًا صناعيًا مهمًا تحيط به مناجم الملح والجبس وموطنًا لحوالي 80 ألف شخص، وقد اشتهرت المدينة، التي كانت تسمى أرتيوموفسك على اسم ثائر بلشفي عندما كانت أوكرانيا جزءًا من الاتحاد السوفييتي، بنبيذها الفوار المنتج في الكهوف تحت الأرض. وكانت تحظى بشعبية بين السياح بسبب طرقها الواسعة التي تصطف على جانبيها الأشجار والحدائق المورقة ووسط المدينة الفخم مع القصور المهيبة التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر والتي تحولت جميعها الآن إلى خرائب وأرض محروقة.
كان المقياس الأكثر أهمية لنجاح القوات الأوكرانية في المعركة الأخيرة هو قدرتها على إبقاء الروس في المستنقع، إذ يهدف الجيش الأوكراني إلى استنزاف موارد القوات الروسية ومعنوياتها في رقعة صغيرة ولكن تكتيكية من خط المواجهة البالغ طوله 1500 كيلومتر حيث تستعد أوكرانيا لهجوم مضاد كبير في الحرب المستمرة منذ 15 شهرًا.
دخان المعركة جعل من المستحيل تأكيد الوضع على الأرض، وقد أفادت وزارة الدفاع الروسية أن ميليشيا فاغنر وبدعم من القوات الروسية استولت على المدينة. في غضون ذلك، قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن القوات الروسية لم تحتل باخموت بالكامل، وإن المقاومة مستمرة في أطراف المدينة. أما الجنرال أولكسندر سيرسكي، قائد القوات البرية للقوات المسلحة الأوكرانية فقد صرح: «على الرغم من حقيقة أننا نسيطر الآن على جزء صغير من باخموت، فإن دفاعاتنا لا تفقد أهميتها، هذا الوجود يمنحنا الفرصة لدخول المدينة في حالة حدوث تغيير في الوضع. وسيحدث ذلك بالتأكيد».
وأعلن قائد مجموعة المرتزقة الروسية فاغنر أن قواته بدأت الانسحاب من مدينة باخموت الأوكرانية، كما تعهد يفغيني بريغوجين بنقل السيطرة على المدينة إلى الجيش الروسي في الأول من حزيران/يونيو. وقال إن قواته مستعدة للعودة إذا ثبت أن الجيش النظامي الروسي غير قادر على إدارة الموقف، كما صرح بريغوجين بالقول إن 20 ألفًا من مقاتليه قتلوا في باخموت. وقال في شريط فيديو نُشر على تلغرام من المدينة المدمرة: «سنسحب وحدات فاغنر من باخموت اليوم».

الاختراقات الأوكرانية

ونشر الجيش الروسي تعزيزات في باخموت المدمرة لتجديد الوجود العسكري في الأجنحة الشمالية والجنوبية ومنع المزيد من الاختراقات الأوكرانية، ويشير عدد من الباحثين إلى أن فلاديمير بوتين كان بحاجة ماسة إلى إعلان النصر في مدينة باخموت، حيث ركزت القوات الروسية جهودها، خاصة بعد فشل الهجوم الشتوي لقواته في السيطرة على مدن وبلدات أخرى على طول الجبهة. ويقول محللون إن باخموت ليست ذات قيمة استراتيجية تذكر لموسكو، لكن الاستيلاء عليها سيكون انتصارًا رمزيًا لروسيا بعد أطول معركة في الحرب في أوكرانيا حتى الآن. وسيؤدي الاستيلاء على باخموت إلى تقريب روسيا قليلاً من هدفها المتمثل في السيطرة على منطقة دونيتسك بأكملها، وهي واحدة من أربع مناطق في شرق وجنوب أوكرانيا ضمتها روسيا في أيلول/سبتمبر الماضي بعد استفتاءات تم التنديد بها على نطاق واسع خارج روسيا حيث وصفت بأنها مزيفة.
كما قال بعض المحللين إنه حتى المكاسب التكتيكية لأوكرانيا في المناطق المحيطة بمدينة باخموت يمكن أن تكون أكثر أهمية مما تبدو عليه. وصرح فيليبس أوبراين، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة سانت أندروز: «كان الأمر أشبه باستغلال الأوكرانيين لحقيقة أن الخطوط الروسية كانت ضعيفة في الواقع، لقد عانى الجيش الروسي من مثل هذه الخسائر الفادحة وهو منهك للغاية حول باخموت لدرجة أنه لا يمكنه المضي قدمًا بعد الآن».
وصرحت نائبة وزير الدفاع الأوكراني، حنا ماليار، أن روسيا سعت إلى خلق انطباع بالهدوء حول باخموت، لكن في الواقع، لا يزال القصف المدفعي مستمرا بمستويات مماثلة لتلك التي كانت في ذروة معركة السيطرة على المدينة. وقالت إن القتال يتطور إلى مرحلة جديدة: وإن «المعركة حول مدينة باخموت لم تتوقف». وقالت ماليار، وهي ترتدي زيها العسكري المميز في مقابلة مع مركز إعلامي عسكري في كييف: «إن القتال مستمر، لكنه اتخذ أشكالًا مختلفة فقط، إذ تحاول القوات الروسية الآن طرد المقاتلين الأوكرانيين من المرتفعات المطلة والمهيمنة على باخموت لكنها تفشل في ذلك».
وأشار مايكل كوفمان من مركز التحليلات البحرية، وهو مجموعة بحثية أمريكية، إلى أن الانتصار يستوجب تحديات جديدة في السيطرة على باخموت. ومع انسحاب مقاتلي فاغنر، فإن القوات الروسية «ستصبح ثابتة بشكل متزايد في باخموت، وستجد صعوبة في الدفاع عنها» وأضاف: «لذلك قد لا يتمسكون بباخموت، وربما انتهى الأمر كله بلا شيء بالنسبة لهم».
وقال المحلل العسكري الأوكراني رومان سفيتان: «الهدف في المعركة الأخيرة ليس باخموت نفسها التي تحولت إلى أنقاض، أن هدف الأوكرانيين هو التمسك بالمرتفعات الغربية والحفاظ على قوس دفاعي خارج المدينة». وأوضح: «على نطاق أوسع تريد أوكرانيا أن تثقل كاهل القوات الروسية وتسيطر على زمام المبادرة قبل الهجوم المضاد، وهو جزء مما يسميه المحللون العسكريون (تشكيل العمليات) لتحديد شروط بيئة المعركة ووضع العدو في موقف دفاعي».
وقال سيرهي تشيرفاتي، المتحدث باسم القوات الأوكرانية في الشرق، إن الهدف الاستراتيجي في منطقة باخموت هو «كبح جماح العدو وتدمير أكبر قدر ممكن من الأفراد والمعدات، مع منع أي اختراق روسي أو مناورة تطويق». وتساءل المحلل ماتيو بوليج عما إذا كانت معركة باخموت ستحمل دروسًا أو أهمية للحرب المقبلة. فقال إن التفوق العسكري مهم، وكذلك «التفوق المعلوماتي» والقدرة على «خلق حيلة للتعتيم على قوتك، لتكون قادرًا على التحرك في الظل». كما أشار بوليج، وهو زميل استشاري في برنامج روسيا وأوراسيا في مركز أبحاث تشاتام هاوس في لندن إلى إن هذه التكتيكات «يمكن أن تحدد أي جانب يكتسب ميزة تفاجئ الطرف الآخر، وتقلب مجرى الحرب».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية