كان لدونالد ترامب طرحٌ يوم كان رئيساً. الشقّ الأوّل من الطرح أنّ لا تفاهم مع إيران طالما هي تعادي اسرائيل. الشقّ الثاني أنّ السلام العربي – الإسرائيلي ممكن ومتاح، إنما بشرط التخلّي عن اشتراطيّة «الأرض مقابل السلام». الطرح الترامبي للشرق الأوسط، بشقّيه، يحاكي حذو النعل للنعل تصوّر بنيامين نتنياهو و«الليكود» للمسائل. مزّق ترامب الإتفاق مع إيران، أقرّ لإسرائيل بالجولان، وبالقدس كعاصمة، وعرض شكلاً «بانتوستانياً – أرخبيلياً» لدولة فلسطينية شبحيّة وبلا سيادة.
تحاشى ترامب في المقابل أن يدخل في حروب كحال الرؤساء قبله. اكتفى بقتل الجنرال قاسم سليماني، ثم خسر الانتخابات واقتحم أنصاره «الكابيتول» وتولّى جو بايدن سدّة الدولة الأقوى في العالم.
طرحه للشرق الأوسط؟ ما من طرح. رياء أخلاقويّ، يبدأ ضنيناً على الحريات وعدم قتل الأنفس غيلة وينتهي مستجدياً رفع إنتاج النفط. رياء أخلاقويّ من النوع الذي ينتهي مواكباً لحرب بمنحى إباديّ لقطاع غزة.
لم يراجع بايدن أي من قرارات ترامب المتعلقة بالمنطقة، لا العودة عن موقف سلفه (وخلفه؟) حيال القدس والجولان، ولا إقتراح شيء ما ملموس بقصد إحياء مسار التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، وعدم القدرة على الخروج بتفاهم جديد مع إيران. تبدو سنوات بايدن الأربع، من منظار الوضع في الشرق الأوسط، كما لو أن الرئاسة الأمريكية في شغور دستوري، على الطريقة اللبنانية، طيلة المدة السابقة على حرب غزّة. ومع هذه الحرب دخلنا في واحدة من مفارقات الدهر: امبراطوريّة لا ندّ لها تواكب حرب إبادة، وتمدّ إسرائيل وجيشها بما يلزم لمواكبتها، لكنها متوترة في الوقت نفسه مع الطاقم الذي يحكم إسرائيل غير متفقة معه، باستثناء إجازة التدمير، على سواه.
في المقابل، ومن منظار المدى الأوراسي الأوسع كان لبايدن طرح، محرّكه العودة بزخم، إلى سياسة تطويق روسيا. هنا، ظهر بايدن كمتشدّد بازاء النموذج الذي اتبعه ترامب، وقد حاول الأخير وضع حدّ لتدهور العلاقة مع موسكو إبان ضمّ الأخيرة لشبه جزيرة القرم (2014) يوم كان باراك أوباما هو الرئيس، فالتقى ترامب فلاديمير بوتين في هلسنكي (تموز/يوليو 2018). بايدن التزم بالتصوّر النقيض: العدائية تجاه روسيا، احتساب كل الموجات الشعبوية في الغرب على روسيا وبوتين، وعلى رأس هذه الموجات ترامب، دعم الأوكران في حرب الدونباس أكثر فأكثر، الأمل في خلق بؤرة فوضى جديدة وسط آسيا تلي الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ويمكن أن تستهلك من جهد الروس والصينيين والدول الداخلة تحت نفوذهم في آسيا الوسطى. حتى الآن، احتوت روسيا والصين والهند وإيران الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وتولية حركة طالبان عليها، وظهرت الوطأة أكثر على باكستان.
فكرة الديمقراطية فقدت بريقها
لم تعد الحرب غير المباشرة بين روسيا وأوكرانيا في الدونباس مؤاتية لموسكو بنتيجة تنامي قدرات الجانب الأوكراني مجهّزاً ومدعوماً من الحكومات الغربية. ذهبت روسيا في المقابل إلى خيار الحرب الشاملة، تعثرت في سنتها الأولى، وبدأت سنتها الثانية بمشهدية انشقاق خطير بين وزارة الدفاع الروسية وبين ميليشيا شركة فاغنر. لكن بوتين ألزم روسيا ككل بتصور «وجودي» على أساسه تتواصل الحرب، بأن روسيا ذاهبة إلى التهلكة ان هي خسرتها، وعليه وجودها بات مشروطاً بمواصلة الحرب، حتى انكسار أوكرانيا. بايدن الذي كان «فاتح أوراسيا» أواخر العام 2022 صار والحال هذه عنواناً لمتاهة، حرب تثقل على القارة الأوروبية ككل ولا يبدو أنّ لها من أفق، حرب تخفّض معدّل جاذبية «الديمقراطية الليبرالية» في بقية العالم، حرب «يلتهي» الغرب فيها مع روسيا، وتتيح أفقاً لتطوير القدرات بحرية أكبر، بالنسبة إلى الصين، حرب فشلت في عزل روسيا عن بقية العالم، بل جعلتها تزيد من نفوذها الأمني في عدد من البلدان الأفريقية بشكل حتى الاتحاد السوفييتي ما كان يحلم به. الاختلاف بين الديمقراطيين وبين الجمهوريين في الولايات المتحدة هو أن هناء الإمبريالية عند الأوّلين مقرون بقدرتها على الاستثمار في التوسّع الديمقراطي على الصعيد العالمي. الجمهوريّون لا يفهمون ماذا يمكن أن تعني الديمقراطية خارج الغرب، إن لم يكن خارج الولايات المتحدة نفسها. من هذا المنظار، لا تبدو تجربة بايدن موفّقة، فكرة الديمقراطية فقدت بريقها أكثر من أي وقت مضى.
لقد باتت الحرب في غزة اليوم مرتبطة بموسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية. فمن جهة، ثمة إدارة ديمقراطية غير معنية بايجاد مخرج من الحرب في أوكرانيا، وغير قادرة على الخروج من ثنائية دعم إسرائيل في حربها والتوتر مع حكومتها حول الوضع في اليوم التالي للحرب، ومن جهة ثانية، «يعود» ترامب بمعادلة راغبة في التخفف من فولوديمير زلينسكي إن استطاعت، والتماهي مع بنيامين نتنياهو ونهجه ما أمكن. في الوقت نفسه، كل شيء بحسب توقيته. ستة أشهر تفصلنا عن عودة ترامب إلى البيت الأبيض إن هو فاز بانتخابات تشرين الثاني/نوفمبر. وهذه تضاف على عشرة أشهر من الحرب حتى الآن في غزة، بالتالي، ترجمة ترامب مواقفه، بمضاعفة دعم إسرائيل في هذه الحرب يفصلنا عنه نصف عام مرير من استمرار حرب الإبادة في غزة، ومن مواصلة الحرب الموازية بين لبنان – حزب الله وإسرائيل.
بالمطلق، لدى الإدارة الديمقراطية مصلحة في التوصل لإخماد الحربين قبل الانتخابات، بالمطلق فقط. ما يهمها بشكل أكثر مباشرة هو أن لا يحرجها أي تدهور نوعي غير محسوب لديها للأوضاع. هل يعني ذلك في المقابل أن على جميع الأطراف في الشرق الأوسط التصرّف من الآن كما لو أن ترامب عاد رئيساً؟ خطأ. وفي الوقت نفسه، استشراف عودته للرئاسة يمكن أن يحرّك مجموعة من الأعمال الاستباقية لهذه العودة، سواء من جهة إسرائيل، أو من جهة إيران وحلفائها في المنطقة. الستة الأشهر المقبلة مرهونة بالموسم الانتخابي الأمريكي ومن بعده الأسابيع التي تفصل الرابح عن تجديد ولايته أو العودة إلى البيت الأبيض. ومهما قيل وتكرر حول ثانوية الأحوال في العالم القديم في انتخابات أمريكا، إلا أن حربي أوكرانيا وغزة ليستا عرضيتين في هذا الاستحقاق، وهما حتى الآن تقدّمان صورتين.
واحدة لترامب، بأنه يعرف ماذا يريد. فكيفية الخروج عنده من الحرب في أوكرانيا تكون بالبحث عن تسوية مع الروس. وكيفية الخروج عنده من الحرب في غزة تكون بعدم إلزام إسرائيل بأي تسوية.
وثانية لبايدن. إذا ما حيدنا كل سهو ولغط، وأخذناه كإدارة لا كشخص، لا يعرف حقيقة كيفية الخروج من الحربين. وهو يريد الخروج من واحدة – غزة – لكنه لا يريد من الأساس الخروج من الثانية – الدونباس. ان تتمكن إدارته من إيقاف حرب غزة قبل الانتخابات بات احتمالا ضعيفاً، مع ضيق الوقت، لكنه مع ذلك طوق نجاتها الوحيد.