غزة – “القدس العربي”:
جعل تكدس غالبية سكان قطاع غزة، بسبب ظروف الحرب في مناطق ضيقة، بعد أن قام جيش الاحتلال بإجبارهم على النزوح القسري، شكل المواصلات الحالية التي يستقلها السكان للتنقل من مكان لآخر.
وأثر ذلك كثيرا على حركة المواصلات الصعبة في هذا الأوقات، للعربات التي تعمل بالوقود، والذي يشح من الأسواق، بسبب الحصار الإسرائيلي الممتد منذ بداية الحرب يوم السابع من أكتوبر الماضي.
ازدحام شديد
وهناك في مناطق النزوح القسري لسكان غزة، وتحديدا في وسط القطاع وفي مدينة رفح جنوبه، بات قطع مسافة داخل المدينة أو المخيم أو البلدة، على متن سيارة أو حافلة، والتي كانت تحتاج بالأصل لمدة خمس دقائق على أبعد تقدير، إلى ما يقارب الساعة من الزمن، فيما يضاعف هذا الوقت لو كان التنقل من مدينة إلى أخرى، مثل الانتقال من وسط القطاع إلى جنوبه.
ويعود ذلك إلى حالة الازدحام السكاني في مناطق النزوح، إذ يقيم في مدينة رفح نحو 1.4 مليون فلسطيني، بحسب أرقام قدمتها جهات محلية وأخرى دولية، تنشط في تقديم الخدمات الإنسانية خلال الحرب، بعد أن كان عدد السكان في هذه المدينة يصل إلى نحو 300 ألف نسمة فقط، فيما يوجد في مناطق وسط القطاع، وتحديدا مركز المنطقة مدينة دير البلح، أكثر من عدد السكان السابق بخمسة أو ستة أضعاف، حيث كان يقدر عدد سكان المدينة بنحو 100 ألف نسمة.

وهاتان المدينتان وما حولهما من مناطق، باتت ملجأ السكان الفارين من الهجمات البرية والغارات العنيفة، التي ينفذها جيش الاحتلال سواء لمناطق مدينة غزة والشمال، أو لسكان المناطق الشرقية للقطاع، وكذلك سكان مدينة خان يونس، التي لا تزال تتعرض للهجوم البري العنيف منذ نحو ثلاثة أشهر، وقد أجبر جيش الاحتلال سكانها على النزوح القسري.
من مكان مرتفع فوق إحدى البنايات السكنية القريبة من مراكز المدن، أو في الشوارع الرئيسة، يمكن ملاحظة الازدحام الكبير للسكان، والذين لم تعد أرصفة الطرق المخصصة لسيرهم تستوعب عددهم الكبير، ففاضوا إلى الشوارع العامة يقطعون المسافات، لتلبية احتياجات أسرهم، سواء بشراء احتياجاتهم من الأسواق، أو لتعبئة غالونات المياه، أو الوصول إلى أماكن شحن الهواتف النقالة، فيما تنتشر بكثرة في تلك الشوارع “بسطات” بيع بعض الأطعمة المعلبة أو الخضروات المتوفرة بكميات قليلة، بسبب ظروف الحرب أيضا.
وقد أثر ذلك كثيرا على حركة المواصلات، رغم عدم عمل العدد الأكبر من العربات والشاحنات، إما بسبب تضررها جراء الغارات الإسرائيلية، أو بسبب عدم قدرة أصحابها على شراء الوقود المخصص لتشغيلها لارتفاع ثمنه.
الشاحنات لنقل الركاب
وبسبب هذه الظروف القاهرة، لم يعد غريبا على السكان، الركوب بأعداد كبيرة على ظهور الشاحنات سواء الكبيرة منها أو متوسطة الحجم، للتنقل من مكان لمكان، في مشهد يشابه أوضاع دول تشهد اكتظاظا سكانيا، أو لا تتوفر فيها وسائل مواصلات كثيرة، مثل الهند وباكستان، فيما باتت العربات أو حافلات الركاب تقل ضعف حمولتها المخصصة.
ويضطر الكثير من السكان إلى الركوب أعلى الحافلات بعد أن تكون قد امتلأت من الداخل.
ورغم ذلك، فإن الحصول على مكان في تلك الشاحنات أو الحافلات الكبيرة، والمركبات الصغيرة التي تعمل بشكل محدود، ليس بالأمر اليسير.
ففي مدينة رفح جنوب القطاع، احتاج أحمد خليفة، النازح من شمال القطاع، إلى ما يقارب النصف ساعة، لإيجاد مكان على متن شاحنة، أقلته من منطقة تقع غرب المدينة إلى وسطها، حيث سوق المدينة للبحث عن بعض مستلزمات أسرته.

“القدس العربي” قابلت هذا الشاب لحظة نزوله من على متن الشاحنة، مع عشرات الشبان والرجال الذين تكدسوا في صندوق الشاحنة، وكان عدهم أكثر من 50 شخصا، فأشار إلى أن المسافة من مكان ركوبه إلى وصوله لم تتعد الخمسة كيلو مترات، ونظر إلى الساعة التي في هاتفه النقال ليقول “منذ ساعة ونصف خرجت من مكاني، والآن وصلت”.
وهذا الشاب يقيم في خيمة نزوح في منطقة تكتظ بالخيام غرب المدينة، كغيره من مئات آلاف النازحين، الذين أجبروا على ترك منازلهم بأوامر عسكرية إسرائيلية.
وفي ذلك المكان أيضا قال رجل من سكان المدينة، إن قطع تلك المسافة على متن عربة صغيرة، كان لا يتجاوز الخمس دقائق على أبعد تقدير.
ويشير إلى أن أعداد النازحين الذين اختلطوا بسكان المدينة، وحركة السير في الشوارع العامة خاصة أمام “مراكز الإيواء”، تجبر السائقين على التوقف في أغلب الوقت خلال الطريق، أو السير بسرعة لا تتجاوز في أحسن حال 20 كيلومترا في الساعة.
وقت طويل للوصول
ويقول الصحافي سامي أبو سالم، الذي نزح إلى تلك المدينة لـ “القدس العربي”، إنه ينطلق إلى مكان عمله، في محيط المشفى الكويتي في المدينة، من مكان سكنه عند أحد أقاربه غرب المدينة، قبل ساعتين، ليصل في الموعد المحدد، وإنه يقوم بذات الأمر في رحلة العودة، ويوضح بأنه يحتاج يوميا من ثلاث ساعات إلى أربع في رحلة المواصلات.
وأضاف “الازدحام كبير جدا، وهذا يجعل وقتا كبيرا من اليوم يذهب في المواصلات، ما يجعلني أضطر للذهاب مبكرا”، ويشير إلى أنه يضطر للمشي طويلا حتى الوصول إلى مكان تتجمع فيه الحافلات والشاحنات والعربات للركوب خلال رحلة العودة للمنزل، لافتا إلى أن هذه الوسائل من الموصلات، حين تتحرك من مكان التجمع، لا يكون على متنها أي متسع لراكب جديد ينتظر في الشارع، كما كانت العادة سابقا.
والصحافي أبو سالم أيضا، أبدى مخاوفه من أضرار ذلك على الصحة العامة، من خلال انتشار الأمراض الموسمية والفيروسية، بسبب الازدحام الشديد، لافتا إلى أنه يكون محظوظا حين يجد متسعا، ويحصل على كرسي في حافلة ركاب، تكون تحمل ضعف حمولتها الأصلية.
ويقول إن ذلك يرجع لكونه كغيره من السكان، يضطرون لركوب عربات تجرها حيوانات، وتكون أيضا مزدحمة، أو على متن شاحنة كانت مخصصة لنقل البضائع.
أما السائق علاء حويلة، الذي كان يعمل كسائق لشاحنة نقل بضائع، فاضطر بسبب كثرة السكان وقلة وسائل المواصلات إلى تغيير الحمولة من بضائع إلى ركاب.
ويشير علاء إلى أنه لم يعد هناك حركة بضائع تنقلها هذه الحافلة، حيث كان يستعين بها تجار الجملة، لتوزيع بضائعهم على المحلات التجارية.

وبسبب ظروف الحرب اقتصرت عملية نقل البضائع على شاحنات كبيرة الحجم، تقوم بنقل البضائع التي تمر لقطاع غزة، وهي عبارة عن مساعدات إنسانية تصل من معبر رفح، إلى نقاط توزيع تنتشر في عدة مناطق في القطاع، فيما يستعين بعض التجار الذين يحصلون على كميات قليلة من البضائع على نقلها على متن عربات تجرها الحيوانات، أو على دراجات نارية بثلاث عجلات تعرف باسم “تكتك”، وتناسب حجم البضائع القليل.
ويقول السائق علاء إنه اضطر لتحويل عمل الشاحنة من نقل البضائع إلى نقل الركاب، حتى يتمكن من توفير بعض الأموال التي تحتاجها أسرته، حيث يعمل هو وعدد آخر أقاربه.
وهذا السائق كغيره من سائقي شاحنات النقل، يقول إنه ينقل بين حين وآخر أسرا نازحة تتنقل من مكان لآخر بسبب ظروف الحرب، حيث تكون تحمل معها خيام نزوحها وبعض الأمتعة والأغطية والملابس.
ويشير علاء إلى أنه يقوم بحمل أكثر من 50 راكبا في المرة الواحدة، ويضيف “هذه المشاهد كنت أراها في دول (فقيرة)”، ويوضح أنه في بعض المرات يقوم شبان بالركوب على سطح كبينة القيادة.
ورغم نقل هذه الشاحنات أعدادا كبيرة من الركاب في المرة الواحدة، إلا أن أصحابها يشتكون من قلة الدخل، ويرجع ذلك لارتفاع ثمن الوقود المخصص لتشغيلها والذي يباع في “السوق السوداء”، بثمن يفوق ثمنه الأصلي حاليا بأكثر من عشرة أضعاف.
التنقل بين المدن
وليست هذه المشاهد بعيدة عن تلك التي تحدث حين يضطر السكان للتنقل من مدينة إلى أخرى، إذ يزيد عليها حجم المشقة خلال رحلة السفر، فرغم أن المسافة ما بين مدينة رفح ودير البلح تقدر بنحو 20 كيلومترا، إلا أن قطعها يحتاج في كثير من الأوقات إلى نحو ثلاث ساعات، بسبب ازدحام حركة سير وسائل النقل، وضيق الطريق الساحلي المخصص لها، بعد أن أغلق جيش الاحتلال طريق صلاح الدين الرئيس الذي يربط بين مدن القطاع، منذ أن بدأ العملية العسكرية البرية ضد مدينة خان يونس.
وعند المكان المخصص للركوب في مدينة دير البلح، اصطفت شاحنات وحافلات كبيرة وصغيرة، وعربات متهالكة، لنقل الركاب، وهناك لا يحتاج صاحب الحافلة وقتا طويلا حتى تمتلئ وسيلته بالركاب، فالعدد المتوفر أقل بكثير من احتياجات السكان.

عند ذلك المكان وقف رجل في الخمسينات من العمر برفقة زوجته، وقد كان لتوه قد فرغ من زيارة اضطرارية لإحدى شقيقاته في مدينة دير البلح، وينوي العودة إلى مكان سكنه في رفح، بحث هذا الرجل كثيرا عن وسيلة مواصلات تناسب زوجته، التي لا تستطيع الركوب على ظهر حافلة، لأسباب عدة، أولها ارتفاع طول الصندوق المخصص للركاب، ومسافة السفر التي يقطعها الراكب واقفا على قدميه، حيث تعاني من خشونة في المفاصل.
وقال إنه يبحث عن عربة أصغر حجما، ويضطر بسبب ذلك لتكبد ثمن مواصلات مضاعف، عن ثمن ركوب الشاحنة.
وكما باقي أثمان البضائع، ارتفع ثمن المواصلات إلى نحو خمسة أضعاف، عن الثمن السابق، وهو أمر أثر كثيرا على أوضاع السكان الذين يعانون من ويلات الحرب والحصار.


