الحرب على غزة بين تخلّع الحضارات وتصادمها

وسام سعادة
حجم الخط
0

منذ أطلق صموئيل هانتغتون مقولته حول تصادم الحضارات مطلع التسعينيات و«التشاطر» على هانتغتون ومنظاره لا يكاد يتوقف.

حدث هذا التشاطر في حياة عالم السياسة الأمريكي، رغم أن الحروب اليوغوسلافية وحرب الأطالسة على صربيا ثم هجمات 11 أيلول والغزو الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق وانهيار عملية السلام في الشرق الأوسط كانت في أعمّها الغالب خطوط عريضة تشي بعالم يزداد هانتغتونية عاماً بعد عام، لا العكس.
كلما شغف يساري بجولة صراع طبقي هنا أو هناك، أو فعاليات «عولمة بديلة» كنت تراه «يتشفى» بهانتغتون. وكلما كان ليبرالي يطرب لإجراء عملية انتخابية على أنقاض نظام تسلطي مفكك، كنت تراه «يشمت» بهانتغتون. ولا يكاد «بيئي» ينافح عن المصلحة المشتركة للتنوع الحيوي برمته للسعي من أجل إنقاذ الكوكب، حتى تجده يحيي التشخيص الأسطوري لأمنا الأرض «غاييا» للهزء بهانتغتون وأحابيله التقسيمية المفتنة بهذا الوطن الأرضي الحميم.
واستمرّت حال التشاطر على هانتغتون بعد رحيله عام 2008. على الرغم من أن هانتغتون ما كان ليتوقع أن يبلغ التصادم الحضاري المدى الحرفي الذي بلغه في شرق آسيا، من بعد وصول شي جينبينغ إلى السلطة عام 2012 وإطلاق عجلة المبارزة بين «الحلم الصيني» وبين القيادة الأمريكية للمعسكر الغربي وشركائه في آسيا. جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا لتفرض في المقابل تحدياً حساساً على منظار هانتغتون. فبدل أن تتصادم الحضارة السلافية الأرثوذكسية كما شخصها مع الحضارة الغربية، حدثت القسمة داخل الحضارة الأرثوذكسية نفسها.
يبقى أن هذه القسمة حصلت على خلفية نزوع انشقاقي أوكراني عن هذا المدى الحضاري للانتساب إلى آخر. وهل يلغي الانشقاق التايواني بدوره مسار التصادم بين «الدولة – الحضارة» في البر الصيني وبين الكتلة الغربية؟
من قال في النهاية أنه من الوجيه تصور صراع الطبقات مركباً وبمستويات والتواءات عدة، وكذلك كل شكل من أشكال التزاحم والاستقطاب والتضاد، إلا التصادم الحضاري إما أن نراه بلورياً، شاملاً، لا ينغص عليه تصدع ضمن هذه الحضارة هنا، أو رغبة انشقاق للالتحاق بركب حضاري آخر هناك؟

صدام الحضارات يتطور أيضاً

هانتغتون أعطى الأولوية للنظر إلى احتدام الصراع الحضاري في المناطق التخومية بين حضارتين. فيوغوسلافيا مثلا تركيبة تخومية. جزء منها ينتمي، من منظار هانتغتون إلى الحضارة الغربية، كرواتيا وسلوفينيا. والجزء الصربي إلى الحضارة الأرثوذكسية. بالتالي، بالنسبة إلى هانتغتون الانفجار كان محتوماً بالنسبة إلى هذه التركيبة. لم يذهب هانتغتون إلى ربط أكثر توغلا بين التصدعات ضمن كل مدى حضاري وبين التصادمات بين الحضارات.
قصور؟ عدم رغبة في تبني قالب ديالكتيكي لمقولته؟ ارتباط أوثق بما خبره في عقد التسعينيات؟ أياً يكن من شيء، صدام الحضارات يتطور أيضاً، يزداد تبلوراً وتعقيداً في آن.
أما التشاطر على صدام الحضارات فيعكف على العموميات إياها من أول التسعينيات إلى اليوم. من مثل التأفف من سياسات الهوية، أو التبشير بالحضارة الكونية الواحدة، والاستنتاج المعاد المكرر بأنه ان لم يكن أبناء كل ملة أو كل ثقافة أو كل حضارة على رأي واحد، فلا صراعات يمكن أن ترصد حينئذ لا على قاعدة اثنية ولا على قاعدة اثنو ـ دينية.
تأتي الحرب على غزة بعد ثلاثين عاما على نشر هانتغتون مقالته حول تصادم الحضارات في مجلة الفورين آفيرز عام 1993. ومرة جديدة يحدث التشاطر على منظار هانتغتون. بدعوى أن قضية فلسطين إنسانية وليست عربية أو إسلامية فحسب. وبدعوى أن الغرب منقسم، كما الشرق. وليس ما يقال في هذا الصدد خاطئاً. لكنه مضلّل. أن ينقسم الحزب الديمقراطي في أمريكا مثلاً حول الموقف من سياسة جو بايدن تجاه إسرائيل والفلسطينيين فلا يعني هذا أن الموقف الأمريكي في هذا الشأن لم يعزز السلبية المتبادلة بين المسلمين بشكل عام وبين اليهود بشكل عام، على الصعيد العالمي. أن لا يجمع المسلمون على رأي واحد، كما اليهود، فلا يعني ذلك أن الحرب الحالية ليس لها بعد تصادمي اثنو-ديني أيضاً. الفارق أن خريطة التصادم الاثنو-ديني أكثر تركيبية مما خاله هانتغتون.
ليس هناك أي مجتمع يمكن أن لا يتسلل اليه الانقسام حيال ما يحدث في فلسطين، لا يعني هذا أن كل المجتمعات في أسلوب انفعالها وتفاعلها مع الحرب سواسية. في عدد كبير من المجتمعات يرتبط ذلك مع حساسيات اثنو – دينية مختلفة.
المثال الهند. الحزب القومي الديني يؤيد إسرائيل في حربها. أغلبية مسلمي الهند، أكبر أقلية دينية في العالم، أكثر من مئتي مليون نسمة، يشعرون بأن قضية فلسطين هي قضيتهم أكثر من أي وقت مضى. من جهة لأنها تحاكي قضية كشمير. من جهة ثانية لأنها ترتبط بالخطر الذي يطاول الحرم القدسي والمقدسات الدينية. لكن الأهم، لأن الأمور تسري هكذا: مزيد من انحياز القوميين الهندوس لإسرائيل سيعني المزيد من انحياز المسلمين في الهند للقضية الفلسطينية والعكس صحيح. في الماضي، كانت شكوى جواهرلال نهرو من إسرائيل انها تشبه نموذج باكستان في بناء الدول على قاعدة تحويل الرابطة الدينية الى رابطة قومية. لكن هذا التحويل هو ما يعتنقه الحزب الحاكم في الهند اليوم كأيديولوجيا. فهو يرى بأن الوطنية النهروفية (نسبة إلى نهرو) بقيت لا لحم ولا دم ولا روح لها، نتيجة لعدم تشبيكها مع الانتماء الاثنو – حضاري للأكثرية الهندوسية. من هنا، النتيجة اليوم أنه يصعب أن لا ترى ما تعيشه الهند ككل اليوم وانقسام الناس فيها حول موضوع فلسطين من دون أن تقتبس بعضاً من مقولة «صدام الحضارات» أو أقله الإقرار بأن الحيثية الاثنو – دينية أساسية لفهم البعد العالمي، الثقافي بامتياز، للحرب الحالية.

نزعة التشاؤم

بخلاف النظرة الليبرالية التفاؤلية بآفاق ما بعد انتهاء الحرب الباردة غلبت على هانتغتون نزعة التشاؤم. الليبراليّون منّوا النفس بأن يسمح انهيار المعسكر الشرقي بفتح العالم على مصراعيه. تنسحب الأيديولوجيا ويعمّ التنافس، في الاقتصاد كما في السياسة، على قاعدة الجري وراء المصالح والمنافع والتسابق على التعبير عنها وتمثيلها. الاشتراكيون – الديمقراطيون استبشروا خيراً هم أيضاً بأن يسحب «موت الشيوعية» في إعادة جمع شمل اليسار إنما على قاعدة برامج إصلاحية تبتغي ترشيد قوانين السوق قدر المستطاع لا استبدالها لا بتشريك ولا بتخطيط. وكان هناك بطبيعة الحال من طفق في المقابل يعيد التشديد على ضرورة الأيديولوجيا، وأن المطلوب استصلاح ما أوتي منها، وليس توهم الإنفكاك عنها بلا رجعة. بازاء كل هؤلاء وقف هانتغتون. رفض أن يرى أن العالم يجري وراء المصالح والمنافع التي تحرّكها «الأنا الحاسبة» بوصفها الشكل الكوني الملموس لاختبار العقل. ولم يقل في المقابل أن الأيديولوجيا ستبعث ثانية على الرغم من الزلزال الذي أطاح بحلف فارصوفيا والاتحاد السوفياتي. قال بأن البديل الذي سيشق طريقه ويفرض نفسه على كل من لغة المصالح والحقوق من ناحية، ولغة المنطلقات العقدية من ناحية ثانية، هو سؤال «المن نحن» الإنتماء، التوجس من «النحنيات» الأخرى، وأن العالم متجه كي تطابق جغرافياه السياسية بشكل أو بآخر جغرافياه الاثنو – حضارية.
هذا ما يحصل اليوم، على نحو شامل. البعد الاثنو – ديني للحرب الحالية لا يلغيه انتفاء وجود كتلة متجانسة متراصة في كل ملة وبين كل قوم. إنها مسألة «منحى» لا مسألة «كتل».
وهذا المنحى التصادمي، بمحفزات هوياتية ثقافية، لا يجعل من السليم أيضاً الحديث عن انقسام بين «الغرب» وبين «الجنوب العالمي» على خلفية الحرب الحالية. في الواقع، المنحى يقول بالقسمة داخل الجنوب العالمي نفسه.
ففي هذا الجنوب، ثمة القوميين الدينيين الحاكمين في الهند. يؤيدون إسرائيل لأنهم يريدون اقتباس التجربة. لأنهم يريدون تكريس مبدأ الهند للهندوس، وأن الهند أرض مقدسة لشعبها، وبالتالي على المسلمين في الهند الذين يعتبرون أرضهم المقدسة في مكان آخر تقع الحجة! وفي هذا الجنوب ثمة حيوية احيائية أفريقية. هي أيضاً ناقمة على ممالك شمال الصحراء، على العرب. التحالف الوثيق بين إسرائيل وبين نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ما زال يقيم حاجزاً نفسياً بين الجنوب أفريقيين وبين إسرائيل. لكن الحال ليست كذلك في بلدان أفريقية أخرى أصبحت إسرائيل عندها بمثابة التجربة التي يجري التطلع إلى محاكاتها. القارة الأفريقية منقسمة حتى لجهة إذا كانت إسرائيل واحدة من بلدان القارة، يبقى أن إسرائيل بات لها جنوب عالمي مؤيد لها، مؤلف من القوميين الهندوس واحيائيين لحضارة أفريقية بنفحة «أنتي عربية».
الحرب على غزة تصل بشكل مباشر عناصر التصدع البادية في كل حضارة مع آليات التصادم بين كل حضارة وما يقابلها، بين كل دين وما يقابله، بين كل قوم وما يقابله. ليس الاختلاف حول الموقف من غزة «سياسياً» بحت، على غرار الانقسام حول الحرب ضمن الحزب الديمقراطي الأمريكي. وحتى في هذا الحزب، الانقسام له أرضية إثنية متنوعة. لقد عوّل الديمقراطيون مطولا على محاصرة اليمين الجمهوري بالتحالف بين البيض الأغنياء التقدميين وبين أبناء الطبقات الشعبية من الملونين، هذا في مقابل انسجام أكبر لبيض الطبقات الشعبية مع الجمهوريين. الانقسام حول إسرائيل وغزة يعيد إلى الضوء هشاشة ما تقوم عليه فكرة الحزب الديمقراطي اليوم. ثمة هنا ما يمكن مقارنته بالمناخ التحضيري للانتخابات التشريعية المقبلة في الهند. إذ يتجه حزب بهاراتيا جاناتا اليميني الحاكم أكثر فأكثر الى الدعاية ضد التحالف الذي يقود حزب المؤتمر في مواجهته، على أنه تحالف فيه شيء من «حماس» ما دام ينطلق من التأييد المحسوم لأكثرية المسلمين له ضد نارندره مودي، التخلع ضمن الحضارات يزيدها تصادماً في المناخ الحالي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية