غزة – “القدس العربي”:
أشياء كثيرة تبدل حالها في قطاع غزة، جراء المجازر الدموية التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي طالت المئات من المدنيين والأطفال، منذ ان بدأت الحرب التي لم تعهد من قبل، في مقدمتها عادات دفن الشهداء ووداعهم، والنزوح الإجباري والإقامة وافتراش الأرض والالتحاف بالسماء، لعشرات آلاف النازحين، وتدبير أمور الحياة بلا كهرباء، وشح كبير في إمدادات المياه.
لا عزاء ولا وداع للشهداء
في غزة يتم التركيز في هذا الوقت على أعداد الشهداء، وليس على الأسماء، في ظل توالي ارتكاب المجازر الدامية، وحرب إبادة العائلات التي قضت حتى اللحظة على أكثر من 50 عائلة وشطبتها من السجل المدني، بعد أن قتلت رجالها ونساءها وشبابها وأطفالها، بغارات استهدفت منازلها بدون سابق إنذار.
مأساة هؤلاء الشهداء تظهر أكثر في المشافي التي ينقلون إليها بعد الغارات الجوية التي تطلق فيها الطائرات الحربية حممها النارية على منازل الآمنين في كثير من الأحياء، لتقتل سكانها وتحولها إلى كومات من الركام، ففي المشافي التي ينقل إليها الضحايا بعد التمكن بصعوبة من إخراجهم من تحت الركام، تبدأ المأساة الإنسانية، بسبب كثرة الجثث التي تفيض عن قدرة ثلاجات الموتى، حيث تضطر الطواقم الطبية إلى وضعها في ساحات المشافي وفي بعض أروقتها، بعد وضعها في أكياس بيضاء محكمة الإغلاق، ومخصصة لهذا الوضع، بسبب تمزق الجثث وتقطعها ما يصعب جمعها إلا في تلك الأكياس.
وهناك تتبدل الأحوال، ويقول من مروا بالمشافي إما للبحث عن مأوى آمن، لاعتقادهم أنها وفقا للقانون الدولي يتوجب حفظها وعدم استهدافها، رغم أن هذا الأمر غير بعيد عن أفعال جيش الاحتلال، أو لزيارة مصاب أو معرفة مصير أقارب استهدفوا في الغارات، إن هذه الأماكن تظهر فيها آثار الحرب أكثر من غيرها، رغم أنهم يشاهدون في الطريق من منازلهم إلى المشافي آثار الدمار والقصف.
أحد الشبان الذي كان لتوه قد عاد من المشفى لمعرفة مصير ثلاثة من أبناء عمومته، وقد أبلغ باستشهاد اثنين ونقل آخر إلى غرفة العناية المكثفة، صاح وهو يشرح ما رأى “الجثث ملقاة في كل مكان”، وأضاف “كنت أعرف أن هناك ضحايا كثر بتوارد الاحصائيات من وزارة الصحة، لكن لم أكن أتخيل أنه بهذا القدر”.
ويشير إلى أن أحد مرافقي المصابين الذين نقلوا قبل أيام لهناك، ولا يزال بوضع خطير، أبلغه أن قصفا جويا استهدف منطقة الكرامة بمدينة غزة ومحيطها وبعض مناطق الشمال وجنوب غزة، دفع بالطواقم الطبية لوضع الجثث في الأروقة، دون التمكن من وضعها طوال ليلة كاملة في الثلاجات التي كانت تمتلأ بشكل كامل.
وفي غزة أيضا، يواجه سكان مدينة غزة وشمالها صعوبات كبيرة في دفن الجثث، فالمقبرة الوحيدة التي بها متسع للدفن توجد على أقصى الحدود الشرقية للمدينة، في منطقة قريبة جدا من الحدود مع دولة الاحتلال، وفيها تكثر عمليات القصف والاستهداف، وقد اضطرت عوائل إلى دفن الجثث في مقابر قديمة، أوقفت فيها عمليات الدفن منذ سنوات، بعد أن أجبرتهم ظروف الحرب إلى أن يسلكوا طرقا جديدة في الجنازات والدفن.
وحاليا لا يجري فتح بيوت عزاء للشهداء، والتي بالعادة يزورها على مدار ثلاثة أيام الأهل والجيران والأصدقاء، بسبب الاستهدافات المستمرة والغارات الدامية لجيش الاحتلال، والتي ضربت شوارع وأحياء سكنية وأسواقا شعبية، بغية إيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوف المدنيين.
ويقول شقيق الشهيد علاء صبح، إن والدته وأفراد أسرته لم تلق نظرة الوداع، وإنه نقل جثمانه على عجل بعد استشهاده من المشفى إلى المنزل، ومن هناك بعد إقامة صلاة الجنازة إلى المقبرة، وعادوا في غضون دقائق معدودة للمنزل، دون فتح بيت عزاء، فيما قدم بعض الجيران للمواساة.
وقد أعلنت منظمة العفو الدولية أنها تحققت بأن الوحدات العسكرية الإسرائيلية التي تضرب غزة، مجهزة بقذائف مدفعية من الفسفور الأبيض، وهذا السلاح محرم دوليا.
النازحون ورحلة البحث عن المياه
وإلى جانب هذه القصص التي تدمي القلوب، هناك قصص النازحين الذين تركوا منازلهم بسبب تدميرها أو لقربها من مناطق الاستهداف، أو بسبب الطلب الرسمي من جيش الاحتلال لسكان غزة والشمال بترك منازلهم والتوجه لمناطق جنوب وادي غزة.
هؤلاء المواطنون وعددهم عشرات الآلاف، لجأوا بعد الوصول بصعوبة إلى تلك الأماكن إما عند أقارب وأصدقاء لهم، أو في “مراكز الإيواء”، التي لم يعد بها متسع لموضع قدم، وباتت وكالة “الأونروا” التي تشرف عليها غير قادرة على تلبية الاحتياجات الرئيسة لهذه الأسر، أو في الشوارع أو في محال غير مأهولة مشيدة أسفل بعض البنايات، وجميع هؤلاء والسكان الذين لجأوا إليهم يشتكون من نقص إمدادات الطاقة والمياه.
وقد أجبرت هذه الوقائع الجديدة السكان إلى سلوك طرق جديدة، في محاولة منهم للتأقلم مع الواقع الجديد، ففي هذه الأماكن كما في باقي مناطق غزة، وضعت الأسر محددات لاستخدام المياه في دورات المياه، تشمل التعامل مع المتوفر منها بالحد الأدنى، خشية من نفادها، فيما باتت الأسر التي فرت لـ “مراكز الإيواء” أو التي نفدت خزانات المياه لديها، للسير في الشوارع تحمل جالونات مياه، على أمل ملئها والعودة بها إلى المنزل.
وقد اضطر مواطنون إلى شراء المياه غير الصالحة للشرب من بعض الموزعين، بثمن يفوق تلك المياه المخصصة للشرب في وقت ما قبل الحرب، وإن كان هذا الأمر يقدر عليه من تتوفر لديه الأموال، فإنه كان صعبا كثيرا على الشاب محمود وغالبية الأسر التي تعاني من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في غزة.
كما أجبرت هذه الظروف الصعبة السكان للاعتماد على تناول الأطعمة المعلبة والمصنعة مثل الأجبان والفول والحمص، كونها لا تحتاج لا لماء ولا لكهرباء ولا لطهي من أجل تناولها وسد الجوع.
ولم تكن قلة الدواء والماء والكهرباء، هي كل قصص غزة الإنسانية، فهناك أزمة النازحين الذين اضطر الكثير منهم إلى قضاء ليلهم في الشوارع أمام “مراكز الإيواء” لعدم توفر مكان لقضاء ليلهم، وامام أحد المراكز وسط قطاع غزة، وضعت سيدة طفلتها بين ذراعيها، وأطبقت عليها بعنقها، في محاولة منها لتدفئتها من برد الليل، ويقول رب الأسرة الذي ينتظر قبل إدخال أسرته لـ “مركز الإيواء”، إنه مر على ثلاثة مراكز ولم يجد بها متسعا، وكان يأمل أن يكون هذا المكان أفضل من غيره، وهو ما لم يكن، وقد اتخذ قرارا بدخول المركز، في ظل تدفق المزيد من النازحين الفارين من غزة والشمال.
وقد أظهرت الحرب رغم قساوتها كعادة كل مرة حجم التعاطف الاجتماعي، وظهر ذلك بتقاسم الكثير من الأسر سكنها مع عدد كبير من الأسر النازحة، دون أن يكون بينها من قبل سابق معرفة، وهذا التقاسم في المسكن شمل على لقمة العيش.
وفي غزة لم تكن الغارات الجوية الإسرائيلية والصواريخ الموجهة، هي وحدها من جاءت بالموت، إذ أعلنت وزارة الصحة أن هناك الكثير من المرضى ماتوا لعدم قدرتهم على الوصول للعلاج، وذلك بسبب الغارات الجوية القريبة من منازل المرضى، أو لعدم وجود وسائل تنقل المرضى إلى المشافي.
لكن كل هذه القصص وغيرها من المآسي، ستزداد صعوبة، في حال بقي الأمر على حاله، ورفض حكومة الاحتلال إدخال قوافل الطعام والدواء والوقود إلى سكان غزة، مما سيضاعف التحديات الموضوعة أمام الطواقم الطبية.