في عام 2003 وهو عام دخول قوات الاحتلال الأمريكية إلى العراق، هرع نفر من الفنانين إلى موضوعة المجابهة الفكرية ومناهضة المحتل، وقدموا أعمالا تليق بتجاربهم وتاريخهم الفني، وتبينت مواقفهم الوطنية والإنسانية والاعتزاز بهويتهم، عبر اشتغالات متنوعة كمنحوتات ورسومات لم تزل باقية في ذاكرة الأجيال، منذ ذلك التاريخ المؤلم لدخول قوات الاحتلال إلى العراق. ومن بين أهم الأسماء التي عملت بجد وصدق لمجابهة المحتل هو النحات عبد الكريم خليل، فقد بدا واضحا أنه سارع إلى تجسيد أكثر من عمل فني يتبنى هذا التوجه، واستطاع أن ينتج فنا يرتبط بتاريخ المرحلة، مع استعداد للاحتفاظ بدروس الحداثة الفنية في ما يتعلق بالتنسيق بين الأشكال والمحتوى التعبيري.
ويوم انتهت قوات الاحتلال إلى فضيحة سجن (أبو غريب) أنتج عبد الكريم عملا فنيا جسد فيه مظلومية النساء والرجال، ووحشية المحتل وسارع أحد المقتنيين من الأمريكيين لشراء تلك المنحوتة وسرعان ما تناقلت وسائل الإعلام والصحافة المقروءة الاهتمام بعمله ذلك، ليس لأن مادته من المرمر بل كونه مثّل (في وقتها) الحادثة بصدق تعبيري وكشف عن مستويات أسلوبية تستمد فعلها المثير من خلال بناء الأساس الشكلي المحمل بدلالته التعبيرية، وجعل ما ينتمي إليه الفن الحقيقي مناسبة للتذكير بالعمل، من حيث التقنية والطريقة والبناء، وبعد فترة من دخول (داعش) إلى مدن الموصل والأنبار، وبعض المحافظات الأخرى، رأينا كيف عمل هذا الفنان على إنجاز عشرات اللوحات من الرسم الحي، ليقدم فنا تعبيريا يجابه به قوى الظلام من التكفيريين، وأخذت رسوماته وهو (تحول فني وأسلوبي لم نشهده من نحات مثابر) اتخذت أكثر المعايير المميزة لتستقل بتوجه معرفي ووصف من حيث البنية الجمالية لتلك الأعمال، وأتذكر حينها تحدث الفنان أن رسوماته لن تختلف أو تخرج عن الإطار الفني والجمالي الذي يسعى إليه وفي الحالتين (النحت والرسم) بقيت قضيته الأولى الاهتمام بالحس الوطني ومجابهة المحتل.
ولم تغب ساحة التحرير في بغداد عن توظيفها يوم شهد العراق العديد من المظاهرات لمجابهة الفساد الإداري والمالي وضعف الخدمات ليساهم هذا الفنان مثل آخرين ممن قدموا للعراق وقتها تصوراتهم الفنية. لقد شهد هذا الفنان ذلك الحضور والعمل مع ثوار تشرين، فكيف كانت أعماله وكيف ننظر لها فنيا وجماليا، وما مدى تأثيرها في الساحة الفنية، بعد أن أكد لنا من خلال تجربته أن موضوعة الحرب والإرهاب كانت جزءا من هوسه الفني ومثلت له قضية مركزية في منجزه، سواء عبر النحت بمادة المرمر، أو الرسومات التعبيرية؟

الفن والمجابهة
عرف عن النحات عبد الكريم خليل اهتمامه المتزايد بتكريس خطاب المحلية في الفن ولم يدخر جهدا، أو وعيا في تأكيد خطابه التعبيري والالتزام بمعايير مشروعه الفني، الذي سعى إليه منذ احتلال العراق، فقد ركز في فترة من اشتغالاته على تقديم ما يثري الفن في هذا الجانب، وكانت لوحاته مع منحوتاته تجذبنا إلى قوة ورحاب جماليات فكرته، فقد تبينت إرادته بان نزعة التجديد في الفن لم تكن كافية ومهمة، إذا لم تحضر وقائع المأساة اليومية التي عشناها جراء الحرب، وآثار دمارها، وقدم واجهة تعبيرية سمحت للمتلقي أن يتأمل ما دفعه إلى كل تلك الحيوية في إحياء مشروع بدت فيه خشونة الحرب أكثر حضورا، واندفع سريعا إلى بيان رصانة رؤيته الفنية والجمالية، مع كل مقتضيات الفن، وهو هنا لا يستعرض إمكانياته في الفن، بقدر ما يريد توظيف تلك الحوادث حتى لا تذهب طي النسيان، وحسنا فعل هذا المثابر حينما أكد لنا وللأجيال القادمة مدى وحشية الإرهاب والحرب، وما فعله المحتل في العراق فهل يمكن لمن يوثّق تاريخ الفن العراقي أن يتجاهل عشرات الأعمال التي قدمها هذا الفنان؟
الثقة بالفن كقضية وإحساس
ينهل النحات عبد الكريم من منابع المحلية، ويندفع باتجاه عالم الاحتراف في الفن وكانت البيئة والوقائع اليومية ميدانا لفنه وانفرد في فترة معينة من تجربته إلى رسم الكثير من اللوحات، التي تبين مدى وحشية الإرهاب وكيف يتصرف ووجه للمتلقي خطابا مثاليا في هذا الجانب، يتماشى مع روحه الوطنية وحرصه على توجيه الخطاب المناهض للحرب والإرهاب، وكانت مواقفه والتزامه واضحين في بيان هذه الحساسية، إلى درجة أنه رسم العديد من اللوحات التي تبين آثار الدمار والحرب نفسيا وأخلاقيا، ورأيت وأنا اقف عند تلك اللوحات، أن تاريخ توقيعه على العمل الفني يشير إلى فترة يسميها (أيام الاحتلال) وأخرى (زمن الإرهاب ) حتى مع الأعمال التي عرضها في متحف ستيش كاري، التي ضمت أعمالا من النحت الفخاري والمرمر، ثم انتقلت أعماله لتعرض في جامعة مونتريال وجامعة تورنتو، كان توثيقها يشير إلى مرحلة حرجة يعيشها العراق مع بلدان المنطقة، جراء الحرب والإرهاب والقتل على الهوية.. أستطيع القول إن ثقته بالفن جاءت جراء احترامه لنفسه بعيدا عن ترويج اسمه، وأيضا بدت لنا منحوتاته أكثر انسجاما ورؤية، لأنها بمثابة ناقل حي لتفكيره، نعم يمكن لي القول إن فنانا اتخذ من العراق ميدانا لفنه سينتصر ويرتقي في رسم أكثر المواضيع حساسية، في زمن يتجاهل ويدعي الكثيرون أنهم أولى بالفن بينما حقيقتهم أنهم استعراضيون وبلا مهارة فنية.
كاتب عراقي



