تطرح الاحتجاجات الشعبية الإيرانية الأخيرة أسئلة كثيرة على المقاربة الليبرالية – اليسارية السائدة حول حقوق النساء. فالاضطرابات، التي عمّت المدن الإيرانية، احتجاجاً على مقتل مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، لم تعتبر الحجاب شأناً شخصياً، يعود لكل امرأة اختيار ارتدائه أو خلعه، بل رمزاً سلطوياً يجب تحطيمه وحرقه. وعندما تصبح الملابس أمراً متعلقاً بسياسات الجموع، أي مجالاً للرفض أو القبول من قبل مجموعات، تخوض مواجهات مفتوحة في الشارع، مع السلطة أو ضدها، يغدو الحديث عن «حرية فردية» منفصلاً عن السياق السياسي والاجتماعي، الذي يدور ضمنه الصراع.
تبدو الاستجابة الليبرالية، خاصة في دوائر ما يسمى «يساراً» في الدول الغربية، بعيدة عن فهم الإشكاليات التي تثيرها المسألة، وأميل لتكرار شعارات وجمل معلّبة، وعلى رأسها التركيز على اعتبار الحجاب قضية «نسوية» محضة. بمعنى أنه جانب من صراع، تخوضه النساء وحدهن، بوصفهن هوية سياسية مستقلة، لنيل حريتهن بتقرير ملابسهن، بعيداً عن الهيمنة الأبوية، سواء كانت إسلامية أو علمانية. فضلاً عن الحرج الواضح، الذي تسببه الاحتجاجات الإيرانية، لأنصار الحجاب في الدول الغربية، على اعتبار أن حرقه سيعزز من النزعات الإسلاموفوبية، التي لا ترى فيه إلا جانباً من عملية أسلمة شاملة للغرب.
الأسئلة الأساسية التي تتجنّبها هذه الاستجابة تتعلق بمكانة الحجاب ضمن صراع سياسي/ثقافي شديد التعقيد، تتداخل فيه أنظمة توتاليتارية؛ مجموعات يمنية ويسارية؛ النزاعات حول الهوية القومية والثقافية والأساطير المؤسسة للدول. كيف يمكن اعتبار الحجاب مسألة فردية ونسائية محضة وسط كل هذا؟ هل يمكن للنساء الانفصال عن هذه السياقات كافة، واعتبار أن مشكلتهن فقط هي النزاع مع تجريد نظري مثل «النظام الأبوي»؟ وهل يمكن أيضاً للذات الفردية أن تتعامل مع كل هذه القضايا من خلال التركيز على حريتها بالاختيار «الحر» حسب؟ ألا يتطلب إنتاج فضاء المساواة الجندرية والحرية الفردية خطاباً سياسياً عمومياً، يتجاوز النساء والأفراد، وصولاً للتعامل مع القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية كافة، التي تعني الجميع؟ والأهم: إذا كان الحجاب مسيّساً لهذه الدرجة، وجانباً أساسياً من صراعات على القوة والهيمنة في مجتمعات متعددة، فهل يمكن المطالبة بنزع سياسيته، وتحويله إلى مجرد شأن خاص؟ التعاطي مع كل هذه الأسئلة يتطلب إعادة التفكير في كثير من المفاهيم الأيديولوجية الرائجة، سواء المتعلّقة بالفردانية والنسوية؛ أو المرتبطة بشروط الممارسة السياسية نفسها في عصرنا. وربما يكون تجاهلها جانباً من مشكلة ثقافية وسياسية عامة، تساهم في تشتيت الاحتجاجات السياسية، ومحاولات التغيير حول العالم.
القماش المسيّس
لا يبدو الحجاب المعاصر، على الأقل في شكله السائد منذ سبعينيات القرن الماضي، قضية فقهية إسلامية، بقدر كونه رمزاً أيديولوجياً وسياسياً. فبعد السجال المطوّل، الذي شهده مطلع القرن الماضي، حول أنماط الحجاب السائدة آنذاك، وضرورة تعديلها لتتناسب مع الدور الذي أفردته الدول الوطنية الناشئة للنساء/المواطنات، جاء حجاب «الصحوة الإسلامية» بوصفه محاولة لإعادة بناء دول الاستقلال بما يتسق مع مشروع إسلامي حديث، معني بقضايا سياسية شديدة التعقيد: مفهوم الأمة وهوية الدولة؛ نزع آثار الاستعمار، الذي تحوّل إلى «صراع مع الغرب»؛ السجال حول مصادر التشريع والنصوص الدستورية؛ صياغة الذات الجمعية والفردية.
ضمن سياق هذا المشروع كان تعميم الحجاب فعلاً سياسياً متعدد الدلالات: علامة ثقافية وأخلاقية عن «الأمة» المراد بناؤها، وكيفية نهضتها، روحياً ومادياً؛ رمزاً لحضور الأيديولوجيا الإسلاموية وقوتها في الحيز العام؛ وكذلك ممارسة فورية للسياسات الحيوية التي يسعى إليها الإسلاميون، الملتزمة بصيانة نموذج العائلة النووية المحافظ، والدور الذي تلعبه النساء فيه، بما في ذلك عملهن غير المأجور في مجال الرعاية العائلية، رغم خروجهن إلى سوق العمل، بعد انهيار نمط العائلة الممتدة التقليدي. في هذا المعنى تحوّل الحجاب إلى ما يمكن تسميته «دال هيمنة» للحركات الإسلامية، أي رمزاً يكثّف في ذاته مشروعاً سياسياً مركّباً، يعبّر عن مطالب وفئات متعددة، ويوحدها بما يوفّره من معانٍ عاطفية وثقافية. الدول التي فرضت الحجاب بقوة القانون والأجهزة العنفية، وأولها إيران، جعلت ذلك المشروع فرضاً سياساً، وأحد الرموز المؤسِّسة للسلطة القائمة. يختلف هذا كثيراً عن اعتبار الحجاب مجرد قطعة قماش، تختارها المرأة ارتداءها حسب قناعاتها ونمط حياتها، فلبس الحجاب يعني موافقة ضمنية، يختلف مدى وعيها بذاتها، على هذا التصور للأمة والمجتمع والهوية الثقافية؛ ورفضه يعني مواجهة، مباشرة أو غير مباشرة، مع المشروع الإسلامي، واتخاذ وضع الأقلية، العقائدية والعرقية والطائفية، على هامش «الأمة» وهو وضع ليس مريحاً في أغلب الدول العربية والإسلامية.
إذا كانت الملابس شأناً سياسياً عاماً، وستبقى كذلك في المدى المنظور، فإن ما يمكن تسميته «الخروج من الحرملك» عبر التسييس المضاد للملابس، سيجعل النساء مشاركات محوريات في ذلك الشأن، وصاحبات سيادة وقرار.
حرق قطعة القماش المسيّسة هذه في إيران يعني محاولة تحطيم دال هيمنة السلطة، وبالتالي هو فعل سياسي معارض، موجّه ضد البنية الأساسية للدولة، وسياساتها الحيوية. ولا يعني النساء وحدهن، بل كل المعنيين بالتخلّص من حكم الملالي، على اختلاف أجناسهم. يمكن التساؤل عن مدى قدرة مناهضي الحكم الإسلامي على جعل نزع الحجاب دال هيمنة مضادا، في إمكانه تجميع الفئات المتضررة من النظام الإيراني؛ وكذلك عن التصوّر البديل للأمة وهوية الدولة الذي يسعون إليه، لكن يبقى الحجاب، في كل الأحوال، مسألة عامة وجمعيّة، والحديث عن ذات فردية، تختار بحرية وسط هذه المعمعة، ليس أكثر من مخيال ميتافيزيقي، لا وجود له خارج الأيديولوجيا الليبرالية – اليسارية، باستطالتها النسوية والهوياتية. ما قد يجعله متخلّفاً جداً عن مواكبة الأسئلة المعاصرة الأكثر الحاحاً. إلا أن هذا يطرح بدوره أسئلة شديدة الإشكالية: ألا يعني الزج بملابس النساء في المعترك السياسي، بكل هذه الحدة، أن خياراتهن ستبقى رهينة دوماً لصراعات وتوازنات عامة، ذكورية الطابع؟ ثم ألا يمكن أن يغدو التركيز على الحريات الفردية، وتحرير خيارات النساء، مرتكزاً لخطاب سياسي بديل، يواجه كل أشكال القمع الأبوي، ويمكن أن يساهم حتى بهزّ أركان النظام الإسلامي القائم في إيران؟
الخروج من الحرملك
قد لا يكون تأسيس النسوية المعاصرة على النمط السائد من الفردانية الليبرالية أفضل طريق للوصول إلى المساواة الجندرية. فالحديث عن «خيارات فردية» في ما يتعلّق بالحجاب، وجعله مسألة نسوية صرفة، تعني النساء وحدهن، قد يعزل قضاياهن عن السياقات العامة، ويؤسس لنوع من «الحرملك» السياسي، أي مساحة تحجب النساء عما يدور خارجها، وتجعل دورهن مقتصراً على الانهمام بشؤونهن الخاصة، ضمن علاقة متوترة مع الذكور، وكل الخارجين عن سياق الحرملك. في هذا المعنى ربما تكون إعادة اكتشاف وتحديد القوة السياسية للنساء، ليس بوصفهن ذواتاً فردية معزولة ومضطهدة، بل باعتبارهن فاعلات أساسيات في إنتاج العالم المعاصر، مادياً وثقافياً وحيوياً، الطريق الأمثل للخروج من ذلك «الحرملك» عبر تحويل قضايا النساء إلى مسائل عابرة للنوع الجندري، صالحة لبناء تحالفات وائتلافات اجتماعية أكبر، ينضوي فيها البشر على اختلاف أجناسهم. وهذا قد يرفع القضايا النسائية إلى مستوى دال الهيمنة التحرري، وهو ما سبق للمفكرة البلجيكية شانتال موف اقتراحه. وذلك لن يكون إلا بجعل تلك القضايا جانباً من بناء ذات سياسية جمعية، وليس تفتيت كل جماعة إلى ذوات مفردنة، تعتبر الآخر تهديداً دائماً للدائرة السحرية الخاصة، التي تحيط نفسها بها، وتتخذ ضمنها خياراتها «الحرة».
إذا كانت الملابس شأناً سياسياً عاماً، وستبقى كذلك في المدى المنظور، فإن ما يمكن تسميته «الخروج من الحرملك» عبر التسييس المضاد للملابس، سيجعل النساء مشاركات محوريات في ذلك الشأن، وصاحبات سيادة وقرار. في حين قد لا يوصل الحديث عن عدم التدخل في الخيارات الفردية إلى أكثر من صيغ خطابية مائعة، تنتظر التضامن والتعاطف من مجتمع حريات ليبرالي عالمي مفترض، ولا يمكن أن تنتج ذواتاً قادرة على التغيير.
دوال جديدة
عانت التحركات الاحتجاجية حول العالم في العقدين الأخيرين من غياب المنظور، والعجز عن تقديم بدائل، أو حتى طرح شعارات ومطالب قابلة للتنفيذ العملي. وزاد من ضعفها عدم قدرتها على إنتاج ذات سياسية واضحة المعالم، قادرة على الاستمرار حتى بعد نهاية التحركات في الشوارع والميادين. ما يجعل المظاهر الاحتجاجية المعاصرة أقرب لمناسبات، تشغل لفترة اهتمام وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم تتبدد، دون أن تترك أثراً سياسياً يتمتع بشيء من الديمومة، والقدرة على تأسيس أنماط من السلطة البديلة.
قد يكون العمل على صياغة دوال هيمنة جديدة، ذات مدلول على سيادة وأيديولوجيا مضادة، شرطاً لازماً للخروج من هذه الحالة، وهذا يتطلّب بالضرورة مواجهة كل أشكال العزل السياسي، سواء في ما يتعلّق بالذات الفردية، أو بالهويات الثقافية والجندرية والعرقية، ومنها الهوية النسائية. وعندها قد تصبح الإجابة على سؤال الحجاب، بوصفه سؤالاً سياسياً عاماً، وسيلة للتغيير، بل تحرير الخيارات الشخصية بشكل فعلي مستقبلاً.
كاتب من سوريا