تسود قطاع غزة حالة من الهدوء الحذر، بعد العدوان الإسرائيلي المباغت الذي نفذ خلاله جيش الاحتلال سلسلة من المجازر البشعة بحق المدنيين العزل، إلى جانب تدمير عدد كبير من المنازل والممتلكات العامة والأراضي الزراعية، تزامناً مع استمرار الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي عرقل تقديم الخدمات الصحية للمواطنين، نتيجة منع إسرائيل إدخال المعدات واللوازم الطبية، إلى جانب إغلاق المعابر التي حالت دون تحويل المصابين للعلاج في مستشفيات الضفة الغربية والقدس. وأعلنت إسرائيل حملة عسكرية ضد عناصر وقادة حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة في الخامس من أب/أغسطس الجاري، على خلفية اعتقال القائد في الحركة بسام السعدي، بعد اقتحام منزله في مخيم جنين قبل أسبوعين، حيث تدحرجت الأوضاع الأمنية نحو التصعيد رغم جهود التهدئة التي قادتها وساطات دولية، إذ غدرت إسرائيل بها ونفذت عدوانا مفاجئا، استهدفت من خلاله أحد أبرز قادة حركة الجهاد الإسلامي في غزة تيسير الجعبري من خلال قصف شقته السكنية، وعلى إثر ذلك أعلنت سرايا القدس الجناح المسلح لحركة الجهاد، استنفار كافة عناصرها والرد على الهجمات الإسرائيلية.
وأسفر العدوان الإسرائيلي على غزة والذي استمر على مدار ثلاثة أيام عن استشهاد 47 مواطناً بينهم 15 طفلاً و5 سيدات، عدا عن إصابة 360 مواطناً بجراح متفاوتة ما بين متوسطة وخطيرة بينهم 150 طفلاً، كما نزحت 40 أسرة نتيجة تعرض مناطق سكناهم للنيران الإسرائيلية، إضافة إلى إصابة 650 وحدة سكنية بأضرار مختلفة، من بينها تعرض 12 منزلاً للتدمير بشكل كامل.
وتركزت غارات العدوان الإسرائيلي على مناطق مكتظة بالسكان، وتعمد الجيش خلال محاولاته تنفيذ اغتيالات ضد عناصر الجهاد الإسلامي، قتل المدنيين الآمنين في مناطق متفرقة من غزة، من أجل الضغط على حركة الجهاد التي دكت المستوطنات بوابل من القذائف الصاروخية، حيث تعمدت إسرائيل قتل عدد من الأطفال بعد استهدافهم بشكل مباشر، إلى جانب تدمير منازل مواطنين بحجج أمنية.
وبعد مرور أسبوع على وقف العدوان الإسرائيلي، لا تزال صور المجازر المؤلمة عالقة في نفوس المواطنين، كما أن الحزن لا يزال يخيم على الغزيين، مع مواصلتهم النبش والبحث بين ركام المنازل المدمرة عن بقايا أشلاء مدنيين دمرت الطائرات المنازل فوق رؤوسهم، بعد أن بدأت الحياة بالعودة تدريجياً إلى طبيعتها، فهناك العديد من صور الألم التي خلفها العدوان الإسرائيلي تحتاج إلى وقت طويل كي تغيب من الذاكرة، فسلسلة المجازر التي تركزت على المدنيين في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة ومدينة رفح أقصى جنوب غزة، كانت من أصعب المشاهد التي تركت صدى كبيرا لها، حيث استشهد 9 أطفال في غارة إسرائيلية استهدفت مواطنين خلال خروجهم من أداء صلاة المغرب في مسجد عماد عقل وسط مخيم جباليا، كما استشهد خمسة أطفال كانوا يلهون بالقرب من أحدى المقابر في مخيم جباليا، إضافة لاستشهاد عدد من النساء والأطفال عندما دمرت الطائرات عشرات المنازل في حي الشعوت في مدينة رفح، أثناء اغتيال أحد قادة الجهاد الإسلامي خالد منصور، بعد أن أسقطت أطنان المتفجرات على الحي الذي كان يتواجد فيه.
الزيارة الأخيرة
وسجلت حادثة استشهاد الطفل خليل أبو حمادة وأطفال عائلة نجم، أبرز القصص التي تركت أثرا كبيرا في نفوس الغزيين، فلم يعلم الطفلان الشقيقان جميل وإيهاب نجم، وأبناء عمهما حامد ومحمد نجم، أن زيارتهم لقبر جدهم في مقبرة الفالوجا بمخيم جباليا ستكون الأخيرة، قبل أن يباغتهم صاروخ من طائرات الاحتلال ويحول أجسادهم إلى أشلاء.
يقول والد جميل وإيهاب «اعتاد أبنائي اللعب أمام منزلهم المقابل لمقبرة الفالوجا، ومع حلول المساء ينتقلون إلى زيارة قبر جدهم والجلوس بجواره حتى مغيب الشمس ثم يعودون إلى البيت».
ويقول لـ«القدس العربي» إنه ومع حلول ساعات المساء من يوم الأحد الماضي، شاهد أشلاء أبنائه تتطاير عندما استهدفت الطائرات الإسرائيلية مقبرة الفالوجا، وعندما سارع برفقة جيرانه لتفقد مكان القصف، وجد أبنائه قد ارتقوا على الفور ومزق صاروخ الاحتلال أجسادهم وفرق جمعهم.
أما خليل أبو حمادة 17 عاماً، وهو الابن الوحيد لأسرته وكانت والدته تراقبه حتى غدا شاباً يافعاً، فق فقدته أمه بلمح البصر، عندما طلبت منه الذهاب للسوبر ماركت لشراء بعض الحاجيات، لكن أمه لم تكن تعلم أن الطائرات الإسرائيلية كانت تتربص لحظة خروجه لتقتله ويعود للبيت شهيدا. تقول نهى أبو حمادة والدة خليل لـ«القدس العربي»: «لقد عانيت وتذوقت العذاب مرات من أجل إنجاب خليل بعمليات زراعة متكررة، إلى حين أن رزقني الله به وتكحلت عيناي برؤيته، ومنذ أن أبصر النور به وأنا أخطط لمستقبله وحياته، لكن بعد استشهاده سأعيش في البيت بدون ضحكاته، مع مرارة الفقد ووجع الفراق الأبدي».
يقول رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الفلسطينيين الحقوقي صلاح عبدالعاطي، إن غياب المحاسبة والإفلات من العقاب، جعل إسرائيل تستمر بمجازرها ضد الفلسطينيين وتنتهك قوانين الأمم المتحدة، في عملها خارج ما هو مسموح بموجب القانون الدولي الخاص بالحقوق المدنية.
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن المدنيين في قطاع غزة يعانون من أوضاع نفسية صعبة، وهذا تسبب به الجيش الإسرائيلي من خلال تكريس واقع السكان وفرض المزيد من الضغوط عليهم، كما استنكر وبشدة استخدام إسرائيل خلال العدوان الأخير القوة المفرطة تجاه المدنيين، بحجة أنها تدافع عن نفسها ضد سكان غزة الذين تحرمهم من أبسط حقوقهم المعيشية.
وأوضح أن هناك مؤامرة دولية وأمريكية بشأن كل جرائم الحرب التي تمارسها إسرائيل، التي توفر الولايات المتحدة الأمريكية الحماية القانونية لها، وهي تتغول في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم في الوطن. وطالب المجتمع الدولي بالعمل وبشكل جاد على ردع إسرائيل، والدفع نحو تقديم قادة الاحتلال للمحاكم الدولية وعدم إفلاتهم من العقاب، معتبراً أن أفضل ضمان لتطبيق القانون الدولي، يتمثل في وجود قوة وقائية من الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية.
يشار إلى أنه تم التوصل إلى هدنة وصفت بالهشة بين حركة الجهاد الإسلامي وإسرائيل برعاية مصرية ودخلت حيز التنفيذ مساء الأحد الماضي، ويشير اتفاق التهدئة إلى التزام مصر بالعمل على الإفراج عن الأسيرين بسام السعدي وخليل عواودة، لكن سرعان ما أعلنت إسرائيل رفضها الإفراج عنهما، الأمر الذي يهدد بعودة التصعيد مجدداً خلال الفترة المقبلة.