الحزن يخيم على مواطني غزة بعد حادثة غرق الشبان المهاجرين قبالة سواحل تونس

إسماعيل عبدالهادي
حجم الخط
1

أثارت حادثة غرق عدد من الشبان من سكان محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة قبالة السواحل التونسية أثناء محاولتهم الهجرة إلى أوروبا، استياء وحزنا في غزة بعد أن شكل خبر وفاتهم فاجعة وصدمة مدوية بالنسبة لعائلاتهم وللمواطنين، حيث تفاعل الآلاف مع الفيديوهات ومشاهد بكاء وحزن عائلات الضحايا، التي عمت مواقع التواصل الاجتماعي، وأعادت إلى الأذهان المآسي المشابهة لهذه المشاهد.
وتصاعدت خلال الفترة الأخيرة حوادث غرق الشباب المهاجرين من غزة، سواء أثناء محاولتهم الهجرة عبر بحر إيجه التركي وصولاً إلى اليونان، أو عبر ليبيا وصولاً إلى إيطاليا، حيث يقع المهاجرون فريسة للمهربين، الذين لا يهمهم سلامة المهاجرين بل كسب المال في المقام الأول.
ومطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، غرق مركب للتهريب قبالة السواحل التونسية، كان على متنه مجموعة من الشباب الفلسطينيين من قطاع غزة إضافة مع شباب من جنسيات عربية أخرى، لتبدأ رحلة جديدة من معاناة الأهالي الذين كانوا ينتظرون أجمل الأخبار عن أبنائهم، إلا أن صورهم عادت كأخبار مفجعة، تتناقلها المواقع الإخبارية والإذاعات المحلية.
ويلجأ عدد كبير من شباب غزة إلى خوض غمار الهجرة، بالرغم من الحوادث التي باتت شبه يومية، فلم تردعهم حالات الغرق المتتالية في صفوف المهاجرين، بل أن الواقع المعيشي السيء في غزة وصعوبة الحصول على لقمة العيش، دفعتهم إلى ركوب أمواج البحر بحثاً عن حياة أفضل.
ويسعى الكثير من الشبان للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا عبر قوارب غير آمنة ولا توجد بها مقومات السلامة، حيث تنطلق من بعض الدول الشرق أوسطية المطلة على البحر المتوسط، وتحاول الوصول إلى اليونان أو موانئ إيطاليا، وفي حالات عديدة تغرق تلك القوارب أكثر من أن يتمكن راكبوها من الوصول بأمان، ما يؤدي إلى وفاة وفقدان الكثير من المهاجرين.
ولم تكن حادثة غرق الشبان السبعة من غزة قبل أيام الأكثر صدمة، بل أنه وقبل عدة أعوام غرق أكثر من خمسين شاباً قبالة سواحل مدينة الإسكندرية المصرية، أثناء محاولتهم الهجرة إلى أوروبا، حيث انقلب بهم القارب ولم يتم العثور على جثة أي منهم ولا يزال أهاليهم حتى اليوم ينتظرون أي خبر عن مصيرهم.
وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية في بيان أصدرته إن سفارة دولة فلسطين لدى الجمهورية التونسية، تتابع بشكل ميداني مع السلطات المختصة للتعرف على مزيد التفاصيل بشأن فاجعة غرق المركب قبالة السواحل التونسية، في حين تبذل جهود من قبل سفارة دولة فلسطين لدى الجمهورية التونسية وجمهورية مصر، لبحث إمكانية نقل جثامين الشهداء إلى ذويهم في قطاع غزة.
في سياق ذلك يقول مجدي عاشور والد الشاب الغريق مقبل، «حاولت كثيراً إقناع ولدي بعدم السفر والهجرة عبر قوارب الموت إلى أوروبا نظراً لخطورة الأمر، كون أن حالات الغرق بين المهاجرين الغزيين وغيرهم تسمع بشكل يومي، لكن الظروف السيئة التي يمر بها مقبل نتيجة تقدمه في العمر وعدم حصوله على مصدر دخل، أجبرته على الإلحاح والتفكير بالهجرة».
وقال لـ«القدس العربي» إن تكلفة رحلة سفر ابنه من غزة حتى الوصول إلى الأراضي الليبية بلغت أكثر من 10 آلاف دولار، و«هذا المبلغ قمت بتوفيره لمقبل حتى يحقق حلمه في حياة أفضل خارج حدود غزة، لكن لم أكن أعلم أن رحلة البحث عن الحياة كان نهايتها الموت».
وأوضح أن العائلة لم تشاهد جثة مقبل منذ الإعلان عن خبر وفاته برفقة مجموعة شباب غزة، ولكن السفارة الفلسطينية بعد أن عثر خفر السواحل التونسي على جثت لشبان مهاجرين، قامت بالتواصل مع العائلات وإبلاغهم بغرق ابنهم وعدد آخر من الشباب، وهذا التأكيد من قبل السفارة يعود إلى معرفتها بموعد خروج المهاجرين، بعد أيام قليلة من إطلاق سراحهم من السجون الليبية التي قامت باعتقال عدد منهم على خلفية الهجرة غير الشرعية.
ويحمل عاشور إسرائيل المسؤولية الكاملة عن الأوضاع البائسة بغزة، التي تسببت بتدهور كل مجالات الحياة، ودفعت الشبان إلى الهجرة من القطاع بطرق غير شرعية يتعرضون خلالها للموت وللاعتداء الجسدي من قبل المهربين الذين يستغلون حاجتهم.
من جهته يقول المختص الاجتماعي د. درداح الشاعر إن قبول الدول الأوروبية بالمهاجرين إليها من سوريا وفلسطين، ومنح القادمين إقامة ومبلغا من المال شهرياً ومن ثم الحصول على الجنسية بعد فترة زمنية، أعطى دفعة للتفكير بهذه المغريات، التي تؤمن لهم حياة هادئة غير متوفرة داخل غزة أو سوريا على حد سواء.
وأوضح لـ«القدس العربي» أن هناك عوامل أساسية دفعت بالشباب إلى المخاطرة بحياتهم والهجرة بطرق غير شرعية، ومنها الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ أكثر من 17 عاماً، إضافة إلى الانقسام الفلسطيني الداخلي، الذي حرم الشباب وخاصة الخريجين الجامعيين من فرصة الحصول على عمل، بل أفرزت هذه العوامل زيادة في معدلات البطالة والفقر وغياب الأمل لدى الشباب.
وبين أن الشباب في غزة باتوا يعانون من ظروف اجتماعية صعبة تشوبها المشاكل الأسرية، فالشاب ليس لديه مصدر دخل ويريد تلبية احتياجاته الشخصية، فيلجأ لوالده الذي ينفر بوجهه لعدم وفرة المال، وبالتالي يفضل الهجرة نتيجة الضغوط الواقعة عليه، وهنا لا يكون هدفه من الهجرة التنزه والتمتع بالمظاهر الطبيعية الخلابة في أوروبا، بل البحث عن بارقة أمل في الحصول على عمل، وتغيير المستقبل الغامض، الذي ترك آثارا اجتماعية وأوضاعا اقتصادية سيئة.
وأعرب عن استغرابه الشديد من إصرار الشباب على الهجرة بطرق خطيرة جداً كالتي تحدث بشكل شبه يومي، فهناك قصص واقعية لمهاجرين فقدوا حياتهم والكثير من هؤلاء هم مقربون ممن يفكرون بالهجرة، فهذه المشاهد يجب أن يتعظ منها الشباب وألا يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة.
ويستمر الحصار الإسرائيلي المفروض على مليوني فلسطيني يعيشون داخل بقعة صغيرة وضيقة من العالم تحت حجج أمنية، ما يدفع أبناء القطاع إلى الهجرة بحثاً عن العمل والملاذ الآمن من أجل تأمين مستقبل أفضل لهم، ولكن بالرغم من نجاح عدد من الشباب في الوصول إلى أوروبا وتغيير حياتهم للأفضل، إلا أن أعداد الغرقى والمفقودين تفوق أعداد من تمكنوا من الوصول بسلام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية