الحس اللغوي المشترك

حجم الخط
10

يعني الحس المشترك في المعاجم العامة، الحكم السليم والحصيف على أساس تصور بسيط للموقف، أو الحقائق، لكن هذا المصطلح يعني في الفلسفة ولا سيما في المدرسة الأسكوتلندية في آخر القرنين الثامن عشر وبداية التاسع عشر مع فلاسفة من أمثال توماس ريد وآدام فرغيسون ودوغالد ستيوارت، إدراك الإنسان العادي وأحاسيسه تجاه ما يعيشه من الوقائع والوضعيات (دائرة المعارف البريطانية). المهم أن هذا الحس المشترك عند هؤلاء الفلاسفة لا يمكن عده أفكارا غير ذات بال، ولا انطباعات ذاتية لكنها تمثل بالنسبة إلى من يمتلكها مواضيع لا بد للفيلسوف من الاهتمام بها.
يرى المختصون في فلسفة الحس المشترك، أن هناك سؤالين فلسفيين مهمين عن الحس المشترك لا بد لهما أن يطرحا أولهما: متى يعتبر قول من الأقوال حسا مشتركا؟ والثاني: متى يكون الحس المشترك صادقا؟ الجواب على السؤال الأول حسب مورتن وايت هو، أن أقوال الحس المشترك ينبغي أن يكون لها قبول عالمي أو عام، فعلى سبيل المثال من هذا الضرب من الحس المشترك أن يقال إن الأرض كانت موجودة منذ سنوات عديدة قبل ولادتنا. وجوابا على السؤال الثاني فإن الحس المشترك يكون صادقا حين يكون مطابقا للوقائع، أو حالات الأحداث وبذا فإن الحس المشترك قد يتغير، لكنه يكون قبل تغيره اعتقادا قُبل بشكل ما على أنه صادق في فترة معينة. وكان الفيلسوف مور يعتقد أن المعيار الضروري الوحيد لبيان الحس المشترك أن يكون مقبولا بشكل إلزامي على أنه صادق.
يوجد حس مشترك في جميع المجالات، ففي السياسة مثلا يوجد حس مشترك سياسي هو الذي يقود إلى بناء رأي عام يقوى كلما كان الحس المشترك مشتركا أكثر فأكثر؛ وهناك حس مشترك عقدي هو الذي يقود إلى بناء الإيمان بالمقدسات أو بالعقائد وحتى بالأشخاص على أنهم ذوو قدرات خارقة أو حتى بركات وكرامات؛ وهناك حس سياسي لغوي مشترك هو الذي يعنينا في هذا السياق، ونريد أن نفصل الخوض فيه هنا لنبين، أن القول العادي أو شبه العادي الذي يمكن أن يصاغ به ما يمكن أن نعتبره حسا مشتركا، قد يضعف عمومية الحس المشترك إذا كان مرتبطا بخلفيات علمية لا عامة.
بالرجوع إلى شرط وايت White ، أعلاه من أن جميع أقوال الحس المشترك هي قبول له صبغة كونية، فإن أكبر حس لغوي مشترك له هذا الجانب أن اللغة كونية وهذا الحس المشترك، لم يصغ صياغات فيها اتفاق بين من يعتبرون كون اللغة عالمية حسا مشتركا. سنقدم صياغات مختلفة بالفصحى وبالعبارات العادية أو شبه العادية التي يفهمها عامة الناس عادة. أشهر العبارات العامة في هذا السياق القول إن (الإنسان حيوان ناطق). هذا القول إذا ما عبّر عن حسّ مشترك، وحتى يعد صادقا، عليه أن يطابق الواقع، وأن يعتقد فيه الناس اعتقادا عاما في وقت معين على الأقل. كونية الملكة اللغوية التي تفهم من هذا القول نابعة من أن للإنسان بما هو كائن بشري كوني خصيصة مهمة تجمعه باعتباره نوعا من جنس عام، هي أن يكون ناطقا، أي متكلما للغة ما على سبيل المواضعة والاتفاق. إلا أن الحديث عن المواضعة والاتفاق شأن علمي دقيق لا يمكن أن يعدو بالضرورة من الحس المشترك، ولا يفسر اللغة، ولكونها كونية هي جزء من تميز نوع الإنسان عن جنسه العام الحيوان.

إن الحس اللغوي المشترك وبالرجوع إلى العبارات التي يمكن أن تصنعه هو حس لا ينصرف إلا نادرا إلى التأمل في أحوال اللغة، تأملا يجعل اللغة نفسها موضوع تفكير.

أصلا لا يمكن أن يكون هذا التمييز بالخصيصة، أو السمة شكلا من أشكال الوعي العام أو الشعبي، بأن اللغة كونية؛ لأنه ليس في حس الناس المشترك أن الإنسان «حيوان» لأن الحيوانية هي هنا معنى مخصوص استعملها الفلاسفة وعلماء الطبيعة في معنى الحي، واليوم تستعمل العبارة استعمالا عاميا في مقابل الإنسان. العلاقة الأولى في عبارة الفلاسفة هي علاقة اندراج وهي المقصودة في (الإنسان حيوان ناطق) والعلاقة الثانية علاقة تضاد. فليس في حس الناس المشترك هذا الوعي الفلسفي القديم ولا العلمي الحديث، من أن الإنسان حيوان أو كائن حي؛ فهذه سمة من سمات الحقيقة العالمة، وليست من الحقيقة العامة في شيء. بناء على ذلك فإن ما يبدو لنا من الحقائق على أنه حس مشترك قد يدل تحليل القول فيه على أنه مقبل إلى الثقاقة العامة المشتركة من ثقافة مختصة صارت شيئا فشيئا ثقافة متاحة للناس.
لا يمكن أن تكون الصياغة إذن معبرة عن حس مشترك، إلا إذا عبرت عنه بالطريقة العامة والمشتركة التي تكون له. وكثير من العبارت التي نترجم بها ما نعتبره حسا مشتركا لا تدل بعد التحليل على أنها توافق الوعي المشترك بالحقائق العامة. عبارة أخرى يمكن أن تعبر عن الحس المشترك الإسلامي القديم، من أن اللغة كونية، أن الله خلق لنا الألسن لنتكلم بها، هذا القول يمكن أن نسمعه من شخص يدفع شخصا صامتا إلى الكلام (تكلم! ألم يخلق لك الله لسانا؟). هذا الرأي يمكن أن نجده في صياغات دينية من نوع (وعلم آدم الأسماء كلها) والتي تعني أن الله خلق اللغة بأن علمها لأبي البشر آدم، لكن هذا الرأي هل يعبر عن الحس اللغوي المشترك؟ أم يعبر عن الحس الديني المشترك؟ هذا السؤال مهم لأنه يوجه الآراء الكلامية والنحوية المتلابسة التي وجدناها في التراث حول مسألة هل اللغة وحي وإلهام؟ أم أنها مواضعة؟ نعتقد أن حديث اللغويين أو الأصوليين في هذه المسألة لا يندرج ضرورة في باب أصل اللغات كما يريد له الباحثون القدامى، أو المحدثون من العرب، أو غيرهم ممن درسوا المسألة. نعتقد أن المسألة تندرج ضمن الحس الديني المشترك، وليس الحس اللغوي المشترك. الحس الديني المشترك الذي يعتبر أن كل شيء من خلق الله بما في ذلك اللغة: خلق الله آدم ثم خلق له أداة يتخاطب بها مع غيره مثلما خلق له أنثاه التي أخرجته من الجنة، ومثلما خلق له شيطانا يصارعه ويصارع أبناءه في الأرض ليغويهم. كون الله خالق كل شيء فهذا حس ديني مشترك بين المسلمين المؤمنين، ولا علاقة له بتأصيل اللغة. أعتقد أن أصل اللغات يتقاسمه موقفان وضعيان لا وجود لموقف لاهوتي ثالث بينهما وهما: الأصل الطبيعي والأصل الإسماني (أو المواضعي كما يقول اللسانيون). ليس من الحس اللغوي المشترك في شيء أن يبحث العامة في أصل اللغات، لا خرافيا ولا علميا، لأن هذا مشغل لا ينفع فيه تفكير، إذ لا يرتبط بأصليات الإنسان. ووعي الإنسان المشترك والبسيط والشائع بأنه كائن يتكلم لا يستحق تفكيرا أو ميتافيزيقا حدسية، إذ لو صحت العبارة أن يفكر الإنسان من أين جاء، وإلى أين يذهب، وما مصيره، لكانت تلك الأسئلة هي التي تعنيه؛ أما من أين جاءت لغته فذلك سؤال لا يعنيه، مثلما لا يعنيه من أين جاءت يده أو ساقه؟ تعنيه أعضاؤه حين تتعطل فيداويها، أما وهي تشتغل فلن تكون ذات موضوع في حسه الصحي المشترك. كذلك الشأن بالنسبة إلى أصل اللغة عنده: مادام المرء ينطق جيدا كلامه، وما دام يأمر وينهى ويصف ويحكي ويُضحك وينبز.. فما يعنيه إن كان أصل اللغة وحيا، أم مواضعة، وما يعنيه من أمر أول من تكلم بلسان عربي مبين هل هو آدم أم إسماعيل أم غيرهما؟
إن الحس اللغوي المشترك وبالرجوع إلى العبارات التي يمكن أن تصنعه هو حس لا ينصرف إلا نادرا إلى التأمل في أحوال اللغة، تأملا يجعل اللغة نفسها موضوع تفكير.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية