انتشرت حول العالم المظاهرات المناهضة للعنصرية، والمتعاطفة مع الاحتجاجات الأمريكية الأخيرة. صور الحشود، التي نقلتها وسائل الإعلام المختلفة، فُسرت بوصفها رسالة معولمة ضد التمييز العرقي، في حين اعتُبرت عمليات العنف والتخريب، التي تمت في بعض البلدان، ردة فعل على العنصرية المتأصلة مؤسساتياً. يمكن إدارج هذا النوع من التضامن العالمي ضمن سلسلة من الفعاليات، المرتبطة بقضايا باتت تتمتع بشرعية أخلاقية ومؤسساتية كبيرة: البيئة، حقوق النساء والمثليين، مكافحة التهميش الثقافي.
إلى جانب هذه الفعاليات، التي أصبحت تعبّر عن التيار الثقافي والاجتماعي الرئيسي، توجد طروحات أكثر راديكالية، تحاول البرهنة على استحالة تحقيق أي تغيير فعلي ضمن النظام القائم مثل، الحركات البيئية التي ترفض «الرأسمالية الخضراء»، وترى أن قضايا الاستدامة ومواجهة التغير المناخي، لا يمكن إنجازها إلا بتجاوز فعلي للنظام الرأسمالي نفسه؛ و«نسوية الـ99٪»، التي تُقاطع قضايا النساء بالاستغلال الطبقي والسياسات النيوليبرالية.
لا يمكن تفسير الحضور الكبير لهذه القضايا بنوع من «الأممية اليسارية-الليبرالية»، التي تموّلها وتدعمها منظمات عابرة للجنسيات، وهو طرح سائد لدى اليمين الشعبوي، دفع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، على سبيل المثال، إلى التضييق على عمل المنظمات والجامعات ذات التوجه الليبرالي، مثيراً بذلك حفيظة الاتحاد الأوروبي، بل يمكن ربط انتشار قضايا العرق والنوع والميل الجنسي، بتغيرات اجتماعية وإنتاجية بنيوية، دفعت بهذه القضايا للواجهة، ولكن الطريقة التي تتم بها صياغة الحملات التضامنية وترويجها، تطرح أسئلة جدّية حول نمط سائد من «السخط السياسي» شديد السهولة. من النادر في التاريخ أن يواجه محتجون «مؤسسة»، من المفترض أنها تبني تراتبات هرمية قائمة على أساس التمييز والاستبعاد، بدون أن يتعرّضوا لتبعات جدّية، تؤثر في مواقعهم الاجتماعية. في أيامنا يُكسب «السخط» من يبدونه كثيراً من النقاط الإيجابية، سياسياً وأخلاقياً، لدرجة أنه أصبح علامة على انتماء المرء إلى المتن الاجتماعي السليم. لا ينطبق هذا بالتأكيد على المحتجين، الذين مارسوا العنف في الولايات المتحدة، ولكنه عامل أساسي في المظاهرات المدلّلة إعلامياً حول العالم.
الأهم أن المفاهيم التي يتبناها كثير من المتضامنين تبدو بسيطة وسهلة التبني، بعد انتزاع كل العناصر الإشكالية، التي لا بد أن تبرز في القضايا الاجتماعية شديدة التعقيد. فما انعكاسات هذا التبسيط على قضايا بأهمية مكافحة العنصرية، وعنف الشرطة؟ وهل يمكن أن ترعى «المنظومة» احتجاجات تسعى لتفكيك تراتبية المنظومة نفسها؟
نزع الأشكلة
نجح كثير من الحركات الاجتماعية في ما مضى، بتحقيق انتصارات ثقافية واجتماعية كبيرة مثل، حركات الحقوق المدنية، والاحتجاج ضد الحرب، والانتفاضات العمالية والطلابية، التي حفل بها القرنان الماضيان، ما جعل قيمها في كثير من الأحيان نوعاً من «الحس السليم»، إلا أن هذا لم ينتزع إشكالية هذه القيم، بل ربما كان العكس صحيحاً. النقاش السياسي والفكري حول القيم التحررية لم يتوقف يوماً، ليس فقط من جانب نقّادها، وبعضهم كان من أهم مفكري عصره، بل أيضاً من جهة مؤيديها ومنظّريها الأكثر إخلاصاً. يمكن في هذا السياق تذكّر المقارنة التي قام بها ميشيل فوكو، بين الاحتجاجات الطلابية التي شهدها في تونس عام 1967، وثورة الشباب في فرنسا عام 1968، معتبراً الثورة الأخيرة نوعاً من النضال السهل، ومحذراً من عودة «نمط الحياة الفاشي» إلى أوساط الطلاب المنادين بالتحرر؛ وموقف جيل دولوز الداعي لعدم «بناء آلة حرب جديدة» في وجه آلة الحرب التي تمثلها السلطة القائمة.
عموماً لم يتوقف مفكرو اليسار الأكثر تميزاً عن أشكلة مفهوم التمرد والثورة نفسه، ويمكن القول إنهم وسّعوا بذلك التصورات القائمة عن التغيير، ونبّهوا إلى التناقض الكامن في أي موقف أخلاقي أو سياسي يدّعي الاتساق. كذلك لم يتوقف الجدل، الذي كثيراً ما كان يتحول إلى حروب فكرية، في أوساط المعسكر التحرري نفسه، مثل النقاشات الكبرى ضمن الحركة العمالية، حول قضايا مثل «النزعة النقابية»، «الاشتراكية في بلد واحد»، «الحزب الثوري والمركزية الديمقراطية». اليوم يبدو الجدل خافتاً جداً في معسكر أنصار «القيم الصحيحة»، وكل القضايا مُتفق عليها، بهامش شديد الضيق لإبداء الاختلاف. أما خارج هذا المعسكر، فمن الصعب رصد أفكار تستحق النقاش، وعموماً فإن مناهضة تلك القيم لا يمكن أن تمرّ بدون دفع أثمان باهظة، لدرجة أن وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ليست مؤسسات دولة، ولكنها راسخة اجتماعياً ومالياً، باتت تملك الشرعية لفرض نوع من الرقابة على تصريحات الرئيس الأمريكي نفسه، وهذه حالة غير مسبوقة تاريخياً.
عموماً لم يتوقف مفكرو اليسار الأكثر تميزاً عن أشكلة مفهوم التمرد والثورة نفسه، ويمكن القول إنهم وسّعوا بذلك التصورات القائمة عن التغيير، ونبّهوا إلى التناقض الكامن في أي موقف أخلاقي أو سياسي يدّعي الاتساق.
من الصعب اعتبار كل ذلك انتصاراً حاسماً لقيم «العدالة الاجتماعية»، بنسختها الأمريكية المعاصرة، بقدر ما هو تأسيس مجال لاستهلاك القيم، بمعنى أن المبادئ، التي فقدت التعقيد والحيوية وتعدد الجوانب، نتيجة نزع الأشكلة، خسرت حمولتها التغييرية، وصار من السهل تعاطيها ونقلها بدون نتائج تؤدي لاختلال الوضع القائم، فيغدو المرء «صائباً» دوماً، بدون أن يضطر لمواجهة تناقض وتركيب المواقف الاجتماعية المختلفة، ولذلك تغدو «القيم الصحيحة» سلعة مطلوبة جداً في المتن الاجتماعي. ما يذكّر بمثال جيجيك الشهير عن «القهوة بدون كافيين»، بوصفها نموذجاً للمتعة الآمنة والمسلّعة. الأسوأ أنه من الوارد أن يستمر البشر الأضعف حالاً بالموت تحت أقدام الشرطة، وغيرها من المنظومات القمعية، في الوقت الذي يخرج العالم كله بشكل متكرر ضد العنصرية. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟
تسليع الخلاص
يمكن تشبيه القيم الآمنة السائدة إلى حد ما بتعامل الأديان الإبراهيمة مع الخطيئة: لم تحاول الأديان الوصول إلى مجتمعات لا ترتكب الخطايا، بل أنتجت نظاماً متكاملاً للتعامل الدائم معها، بوصفها جانباً لا يمكن تجاوزه من الحياة الدنيوية. فسواء تحدثنا عن تقنية الاعتراف الكنسي، أو المفهوم الإسلامي عن «الاستتار» لدى ارتكاب المعاصي، و«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، يبقى الأساس هو الحفاظ على النظام الاجتماعي، رغم الخطيئة الدائمة، مع وعد بالخلاص منها، وما تسببه من متعة تقود إلى الألم، في حياة أخرى.
ما يسميه الكاتب الفرنسي باسكال بروكنر «عويل الرجل الأبيض»، أي ميل المجتمعات الغربية للندم على جرائمها التاريخية، قد يكون نوعاً من الاعتراف المستمر، بغرض التطهّر من خطيئة أصلية، تكمن في قلب المجتمعات الحديثة. تتم محاسبة اللغة والتاريخ، لدرجة هزلية في بعض الأحيان، بوصفهما أساساً لحالة متأصّلة من التمييز، ولكن هل يمكن لإسقاط تماثيل تجّار العبيد، والرقابة على اللغة العادية، أن تغيّر شيئاً في مجتمعات قائمة بنيوياً على التمييز، كما هو مفترض؟ الأمر أبعد من النقد التقليدي لـ«الصواب السياسي»، الذي يؤكد أن الصوابيـــة تستبدل تغيــــير الأوضاع الملموسة بتبديلات سطحية على مستوى اللغة والخطاب. يبدو أنه مع نهاية الوعد بالخلاص الآخروي، الذي قدمته الأديان، بات تسليع القيم السليمة أسلوباً للحصـــول على الخــــلاص الفوري هنا والآن، لا يبشّرنا الخطاب السائد بتغيير حقيقي في الأوضاع الاجتماعية، على الرغم من الوقائع الإحصائية، تتحدث عن انخفاض حقيقي في الفقر والتمييز حول العالم، بل يسعى إلى تكبيلنا بخطيئة لا تنتهي، مع دعوة للتطهر اليومي منها عن طريق الاستهلاك القيمي، لدرجة يبدو فيها ألّا مصلحة لمؤسسات «مكافحة التمييز» بانتهاء التمييز في يوم من الأيام.
التغيير الصلب
إلا أن التمييز، وقبله الاستغلال الطبقي، يبقى حاضراً بقوة في عالمنا، وكل تحسّن تدريجي يمكن رصده، لا يأتي إلا بعد تحركات اجتماعية كبرى، من الصعب اعتبار التظاهرات التضامنية الأخيرة جزءاً منها. نزع إشكالية القيم مصمم على ما يبدو لتجاوز ثلاثة أسئلة رئيسية، تعامل معها كل من حاول إحداث التغيير في العصر الحديث: نمط الملكية، بنية السلطة وجهاز الدولة، شكل العلاقات الاجتماعية. في الواقع حتى الحركات اليسارية الأكثر نقداً للرأسمالية لم تعد تطرح هذه الأسئلة بجدّية، وأقصى طموحاتها نوع من تحكّم جهاز الدولة القائم بتوزيع الثروة، وتحقيقه لضرورات «الاستدامة»، مع الحفاظ مبدئياً على بنية علاقات إعادة إنتاج الحياة ونمط الملكية ومؤسسات الدولة.
لا يمكن الحديث عن تمييز ما دون رصده في هذه البنى الثلاث، شديدة الصلابة. القيم السائدة، على العكس من هذا، تبني جانباً كبيراً من «ثوريتها» ضمن هذه البنى ذاتها، ما يكسب حامليها مظهر المتمردين، بدون أن يرتكبوا أي هرطقة. ولهذا فقد يكون التخريب والعنف الذي يمارسه المتظاهرون في الولايات المتحدة ضد المؤسسات القائمة، رغم انعدام أفقه السياسي، أكثر راديكالية بكثير من نقد الحضارة والندم اليومي، الذي يبديه الناشطون الغربيون، والمتأثرون بهم حول العالم.
ربما كان على الناشطين، الذين يبذلون جهداً كبيراً في تحطيم تماثيل رجال ميتين، أن يبذلوا جهداً أكبر في تحطيم أصنام أكثر حضوراً: قيمهم المريحة ذاتها!
٭ كاتب من سوريا