سقوط «الجدار الأحمر»: في الفشل المزمن لليسار المعاصر

تعددت الأوصاف الإعلامية لخسارة حزب العمال في الانتخابات البريطانية الأخيرة، فهي «هزيمة تاريخية»، «زلزال سياسي» و«تغيير للخريطة السياسية للبلاد». فقد الحزب، بصبغته اليسارية الأكثر تجذراً منذ سنوات، ما يعرف في السياق البريطاني بـ«الجدار الأحمر»، أي المناطق التي تقطنها «الطبقة العاملة التقليدية»، التي عُرفت تاريخياً بولائها للحزب، الذي يحمل اسمها.
يزيد حسرة كثير من «الكوربنيين»، أي الأنصار المتحمسين لزعيم الحزب جيرمي كوربن، أنهم فعلوا كل شيء بالطريقة الصحيحة نظرياً: برنامج انتخابي مكتوب بعناية، محاولة بناء ائتلاف بين الطبقة الوسطى الحضرية والطبقة العاملة، من خلال جمع قضايا محاربة العنصرية والتمييز والبيئة، ورفض مغادرة الاتحاد الأوروبي مع قضايا حقوق العمل، ومواجهة السياسات التقشفية، وتحسين الخدمات العامة. فضلاً عن حضور زعامة كوربن الكارزمية، من وجهة نظرهم على الأقل، التي كان من المفترض أن ترمز إلى وحدة ذلك الائتلاف الشعبي وقدرته على الهيمنة السياسية.
بهذا المعنى يبدو فشل حزب العمال أقرب لهزيمة نظرية وثقافية لمفهوم «اليسار الشعبوي»، كما نجده لدى أرنستو لاكلو وشانتال موف، ولدى نانسي فريزر مع بعض الاختلاف. وهو خبر سيئ لليسار المعاصر، فبعد موجة النقد الكبيرة التي تعرضت لها سياسات الهوية، بدا أن التكتيك السياسي الشعبوي هو الحل لاستعادة اليسار مكانته، والتصدي لتقدم اليمين. وهو ما أصبح الآن مشكوكاً به لحد كبير. تتخذ الهزيمة الثقافية طابعاً أوضح من خلال توضح القاعدة الاجتماعية الفعلية، والأكثر إخلاصاً لمشروع كوربن: استطاع الحزب الاحتفاظ بمقاعده في لندن، وخسر مناطق الشمال، التي كانت تاريخياً موطناً للصناعة والتعدين، أي أن «اليسار الشعبوي» أثبت أنه مشروع فئات من الطبقة الوسطى الكوزموبوليتية، الأرفع تعليماً، والأكثر ميلاً لتعريف نفسها بالثقافة ونمط الحياة، لا بالعمل. ما قد يُظهر وجود عوائق ثقافية تحول دون تشكّل الائتلاف الشعبي الموعود، خاصة أن كثيراً ممن يعرّفون أنفسهم بوصفهم «طبقة عاملة» يشتكون من الاستعلاء الثقافي والاجتماعي للنخب المقيمة في المدن الكبرى.
سيكون لهذه الوقائع انعكاسات مهمة على السياسة والثقافة السياسية حول العالم، وستؤدي لطرح أسئلة جديدة، قد يكون أكثرها تردداً: هل يجب التخلي عن التكتيكات الشعبوية وتركها لليمين، والعودة إلى مواقع أكثر اعتدالاً، أو ليبرالية؟ وهو نقاش يتمّ حالياً في الحزب الديمقراطي الأمريكي، ويُواجه به أنصار مشروع بيرني ساندرز. إلا أنه من الممكن طرح سؤال آخر قد يكون أكثر أهمية: هل مارس محازبو كوربن التكتيك السياسي الشعبوي حقاً؟ وأيضاً: هل يكفي لسياسة شعبوية أن يتم كل شيء بشكل صحيح على صعيد البرامج؟

قضايا مركزية

بالنسبة لبريندين أونيل، رئيس تحرير موقع «Spiked» البريطاني، فإن الانقسام حول «بريكست» هو القضية المركزية للسياسة البريطانية، التي تتمحور حولها خيارات الناخبين. وكل ما عداه من انقسامات تقليدية، بين يمين ويسار، بات مجرد قضايا «ديناصورية» منقرضة. لا يتعلق الأمر فقط بسؤال الخروح من الاتحاد الأوروبي، بل بالديمقراطية ذاتها. أُجري استفتاء ديمقراطي من الأكبر في تاريخ البلاد، قال فيه المواطنون كلمتهم، ثم جاءت نخب وقوى سياسية تريد أن تقول لشركائها في المتحد السياسي ما معناه: «أنتم أغبياء وغير مؤهلين لاتخاذ قرار بهذه الأهمية، نحن نعرف أفضل منكم، وسنسعى إلى تصويب الخطأ الذي ارتكبتموه». الديمقراطية، بوصفها أهم ابتكار سياسي إنساني، عاقبت، حسب أونيل، هذا النمط من التفكير، لأنه معادٍ لها جذرياً. والصراع السياسي اليوم هو بين ديمقراطيين وغير ديمقراطيين. الشعب ضد النخب. وليس من الغريب أن تنحاز النخب لمؤسسة مثل الاتحاد الأوروبي، يخنق فيها التحكم البيروقراطي كل آلية ديمقراطية.
فكرة تجاوز الانقسامات التقليدية لليمين واليسار، لم تثبت فائدتها الشديدة، فما زال من الممكن تمييز اليسار بوضوح من خلال الانحياز الطبقي، والموقف من قضايا مثل، المساواة وحرية التعبير والعلمانية، والدين المنظم، ومواجهة الامتيازات الاجتماعية، أي القضايا العتيقة ذاتها التي جلس نواب الشعب، إبان الثورة الفرنسية، على المقاعد اليسرى للجمعية الوطنية كي يدافعوا عنها.

ربما كان الأجدى مراجعة مفاهيم «الشعبوية اليسارية» نفسها، نحو جعلها أكثر طبقية، وأقل إخلاصاً لقضايا الاعتراف، ليصبح بناء الطبقة القادرة على تجذير الديمقراطية أساسياً لبناء الشعب.

كما أن العودة الواضحة للاجتماعي في الاحتجاجات الاخيرة حول العالم، تجعل من الصعب اعتبار القضايا التي تميّز اليسار عن اليمين «ديناصورية». ما اختلف أساساً أن القوى التي تحمل اسم «اليسار» في عصرنا، لم تعد مهتمة جداً بتلك القضايا، بعد تغيّر طابعها الطبقي، و«المنعطف الثقافي» الذي اتخذته نحو سياسات الهوية، إلا أن آراء أونيل تكتسب أهمية كبيرة من المنظور الشعبوي: لا يمكن الحديث عن شعبوية يسارية لا تأخذ بعين الاعتبار مفهوم «الإرادة الشعبية»، فهو أحد أهم الأساطير المؤسسة للديمقراطية الجذرية، التي يسعى إليها الشعبويون. وإذا كان الكوربنيون قد دعوا إلى استفتاء جديد حول بريكست، فهذا لا يُظهر اهتماماً بالإرادة الشعبية، بقدر ما يبدو محاولةً لتدجينها وابتزازها، عن طريق تكرار الإجراءات إلى أن يقدم الناس الإجابة التي تراها النخب صحيحة.
لَعبَ اليمين على وتر الخضوع للإرادة الشعبية فأثبت أنه الطرف الأقدر على الممارسة السياسية الشعبوية، في حين كان موقف حزب العمال غير سياسي إلى حد كبير. فتأسيس الهوية السياسية الفاعلة، «نحن» في مواجهة «هم»، لا يكون فقط عبر طرح برامج تبدو صحيحة، بل بالسعي أساساً لإقناع الكتلة الشعبية بأنها قادرة بالفعل على امتلاك القوة والهيمنة.

طبقة قوس قزح

لتعبير «الطبقة العاملة» في السياق الأوروبي، والبريطاني خصوصاً، دلالات ثقافية متراكمة، ففي إنكلترا بالذات، نشأت وتطورت هذه الطبقة بأكثر أشكالها اكتمالاً ونموذجية، وعملت أجيال من المنظرين والأدباء والمؤرخين والمناضلين النقابيين، على التأسيس الثقافي والأيديولوجي للعمال، وإعادة بناء تاريخهم. وعلى الرغم من أن المفهوم التقليدي عن «طبقة عاملة» بات إشكالياً، في بلاد كانت سبّاقة في نزع التصنيع والانتقال لاقتصاد الخدمات، إلا أن تجذّر الإرث العمالي أبقى شبح «الطبقة» فاعلاً سياسياً أساسياً. من الاتهامات التي تلصق بيسار الطبقة الوسطى، الذي لا يزال يحمل اسم «العمال»، أنه يشارك بـ«حرب صليبية» ضد كل المظاهر الثقافية للطبقة العاملة: الجرائد والبرامج ذات الشعبية الواسعة، لغة الحياة اليومية، أنماط السلوك والمأكل والملبس، بوصفها ذكورية أو عنصرية أو «بيضاء» بكل بساطة. الرد اليساري المتداول أن الطبقة العاملة لم تعد بيضاء، بل أصبحت «طبقة قوس قزح»، أي متنوعة جداً، من نواحي الإثنية والجندر والميول الجنسية، وبالتالي يمكن اعتبار سياسات الهوية جزءاً من سياسات الطبقة العاملة.
لا تبدو لهذا النقاش فائدة كبيرة من منظور السياسة الشعبوية، لأنه لا يلتفت كثيراً لفكرة «دوال الهيمنة»، من الصعب السعي لهيمنة شعبية مع تعامل متعالٍ مع رموز الثقافة الشعبية، أو بدون العمل على بناء ثقافة جديدة، قائمة على إعادة إنتاج أفضل ما في الإرث الشعبي. وهو أمر صعب على يسار يرى في الماضي مجرد قصة انتهاك طويلة، ارتكبها البيض الكولنياليون. «طبقة قوس قزح» لن توجد مادامت قائمة على الفصل والتمييز بين أبناء «الظالمين» و«المظلومين»، ما سيؤدي لنزاع دائم بين العمال المفترضين على أسس ثقافية وعرقية وجنسية، أما محاولة تأسيس ثقاقة شعبية مشتركة، ذات دوال قادرة على فرض نفسها سياسياً، تصهر في سياقها كل الثقافات الفرعية، فهو من المحرمات اليسارية حالياً. هل الشعبوية اليسارية مستحيلة إذن؟

الائتلاف المستحيل

سواء كانت الطبقة العاملة بيضاء أو ملونة، بروليتاريا بالمعنى الكلاسيكي، أم «بريكاريا» حسب مفهوم عالم الاجتماع البريطاني جاي إستاندينج (طبقة تحاول بيع قوة عملها في ظروف تتسم بعدم الاستقرار، وغياب عوامل التوحيد الاجتماعي)، فإن فرص تشكيلها لائتلاف مع الطبقة الوسطى الحضرية، ينتج سلسلة مطالب متنوعة ومتراكبة، يبدو نظرياً وعملياً أمراً شديد الصعوبة. فالطبقة الأخيرة مازالت تملك امتيازاتها، ولها مصالح متضاربة مع مصالح الطبقات الأدنى. ثقافياً تميل إلى احتكار «الصواب» وفرض الأخلاقيات القويمة، ما يجعلها متعالية بالضرورة على غيرها.
ربما كان الأجدى مراجعة مفاهيم «الشعبوية اليسارية» نفسها، نحو جعلها أكثر طبقية، وأقل إخلاصاً لقضايا الاعتراف، ليصبح بناء الطبقة القادرة على تجذير الديمقراطية أساسياً لبناء الشعب. وهنا يصبح المفهوم اللينيني القديم عن الثورات الديمقراطية، أي قيام الديكتاتورية/الديمقراطية للطبقات الأدنى، أكثر فائدة لتأسيس السلطة الشعبية. الخيار المعاكس هو تصليب المجتمع البورجوازي في نمط من الشعبوية الليبرالية، على طريقة أحزاب الخضر الأوروبية، وهو خيار محدود الأفق، مع استمرار تدهور الظروف المادية للطبقة الوسطى، دعك من تجاهله للهموم الاجتماعية الأكثر حساسية، ما قد يجعل هذه الطبقة في صدام مباشر مع الطبقات الأدنى، وهو أمر رأينا بوادره مع مظاهرات السترات الصفراء واحتجاجات الفلاحين الأوروبيين. بكل الأحوال من الصعب الحديث عن «يسار» مبني أساساً على المنظورات الاجتماعية والثقافية للطبقة الوسطى.

٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية