قلعة الحصن في سوريا، تعتبر من أشهر قلاع القرون الوسطى، وواحدة من أبرز وأهم القلاع الصليبية الأثرية في العالم، فالقلعة العظيمة بأبنيتها وهندستها الفريدة، تقع وسط المسافة بين ساحل البحر الأبيض المتوسط وحمص وسط سوريا، إلا أن موقعها الاستراتيجي جعل منها سببًا في نشوب العديد من الصراعات، ورغم الحقب التاريخية وتبدل الجهات المسيطرة عليها، بقيت قائمة منذ القرون الماضية حتى يومنا هذا، حيث تم إدراجها عام 2006 على لائحة التراث العالمي.
قلعة الحصن، تحتوي على حصنين خارجي وداخلي، وكذلك داخل أسوارها خندق مائي، علاوة عن زخارفها المميزة بقوتها وهندستها الجميلة، واحتوائها على فتحات لرمي السهام والمقاذيف، وشرفات تعكس فنا معماريا مذهلا، فيما لا تزال إحدى جدران القلعة تحمل حكمة كُتبت باللغة اللاتينية، قيل فيها: “إذا مُنحت النعمة، ومُنِحت الحكمة وفوقها الجمال. لا تدع التعجرف يقترن بها لأنه يذهب بها جميعاً”.
تحمل القلعة عدة أسماء، لعل أشهرها “قلعة الحصن” إلا أنها بجانب ذلك لم تتخل عن بقية الأسماء التي حملتها خلال ما مضى كـ “حصن الأكراد، قلعة المعقل، الصفح، الكرك”. وقد سيطر الصليبيون على القلعة خلال حملتهم الأولى على الشرق سنة 1099 م، حتى 1102 بواسطة ريمون دو تولوز، ثم أعادوا السيطرة عليها مرة أخرى سنة 1110 بواسطة تانكرد، صاحب أنطاكية، ثم امتلكها فرسان الاسبتارية من عام 1142 وحتى عام 1271 بعد أن منحها لهم ريموند الثاني، صاحب طرابلس.
فيما يعتبر الأكراد أول السكان الذي قطنوا القلعة، بعد أن جلبهم الإدريسون في القرن الحادي عشر بهدف حماية خطوط التجارة، فيما تشير الروايات التاريخية إلى أن إطلاق اسم “حصن الأكراد” عليها جاء من هنا، ولا تزال بعض العائلات الكردية تقطن في الأحياء القريبة من القلعة حتى يومنا هذا، ووفق الجغرافيا السورية الحالية، فالقلعة تقع بين مدينتي حمص وطرطوس، وترقد على تلة مرتفعة حوالي 650 مترا عن سطح البحر.
أجزاء القلعة
تملك القلعة العديد من الأجزاء الهامة التي لا تزال موجودة حتى يومنا هذا، ومنها الكنيسة التي تم تحويلها في العهود الإسلامية إلى مسجد، والمخازن التي تخزن فيها المؤونة للجنود ويوجد فرن دائري الشكل لصناعة الخبز، وقاعة الفرسان المتميزة بالفن القوطي، والأبراج العلوية وفيها برج قائد الفرسان وبرج قائد القلعة وهو البرج الوحيد المبني على شكل دائري، والمسرح وهو ذي شكل دائري، وبرج بنت الملك، وقاعة الحرس المملوكي، ومهاجع نوم الجنود.
البناء المتنوع في القلعة سواء العسكري أو الخدمي وما سواه، يرخي في ظلاله على امتزاج الحضارات الغربية والشرقية في بناء واحد.
حصون محصنة!
لقلعة الحصن حصنين، داخل وخارجي، وكل حصن منهما له تسليح خاص على عدة جبهات، إضافة إلى خندق مائي يفصل بين الداخل والخارجي بطول 70 مترا.
في حين، أن السور الداخلي للقلعة يتألف من خمسة أبراج دفاعية وحامية للسور الداخلي، أما السور الخارجي، فهو يتألف من ثلاثة عشر برجاً دفاعياً وحامية للسور الداخلي.
لم ينته تقسيم القلعة إلى هنا فحسب، فالحصن الداخلي بذاته قلعة داخلية محاطة بخندق يفصلها عن السور الخارجي، ولها بوابة رئيسية تتصل بباب القلعة الخارجي بواسطة دهليز طويل ينحدر تدريجيًا حتى الباب مؤلفًا منعطفًا دفاعيًا في منتصفه. ولهذا الحصن ثلاثة أبواب مفتوحة على الخندق، ويمتاز بأبراجه العالية، ويتألف من طابقين: الأرضي ويضم فسحة سماوية تحيط بها الأقبية والعنابر وقاعة الاجتماعات، والكنسية والمطعم والحجرات والمعاصر. والعلوي له أسطح مكشوفة ومهاجع وأبراج، في حين أن الخندق المحيط به محفور في الصخر.
انتقالا إلى الحصن الخارجي، والذي يعد أيضا حصنا قائما بذاته، فهو يتكون من عدة طوابق، ومزود بـ 13 برجا، منها الدائري والمربع والمستطيل، ومحاط بخنادق، إضافة إلى تواجد القاعات والإصطبلات، وغرف مخصصة للجلوس، وأخرى تستخدم كمستودعات.
ضمن مئات المواقع السورية التي تعرضت للتدمير الممنهج تأتي قلعة الحصن على رأسها، وهي تُعد من أجمل قلاع القرون الوسطى ومن أشهرها ليس في سوريا وحدها إنما في العالم، فهي من أفضل القلاع القائمة والمتماسكة والتي تظهر فيها روعة العمارة العسكرية ودقتها، لما تكشفه وفق الباحث ملا رشيد، من تطورٍ كبير في فن التحصين والبناء والهندسة الفريدة من نوعها، كونها تتكون من حصنين اثنين، أولهما حصن داخلي وهو يشكل قلعة مستقلة عن الخارجية، ويتكون من طابقين اثنين، محاط بأبراج شاهقة، وبخندق مائي، يبلغ طوله سبعين متراً، أما القلعة الخارجية، فكانت مصممة وفق استراتيجيات دفاعية رصينة، ففهيا 13 برجاً دفاعياً، بالإضافة إلى خندق يحيطها.
الأكراد حاضرون
الباحث السوري بدر ملا رشيد، قال في تصريحات لـ “القدس العربي”: “قلعة الحصن تمثل علامة فارقة وهامة للعلاقات التي تربط بين شعوب المنطقة، وهنا لا بد من التنويه إلى التواجد الكردي فيها، حيث تتفق تقريبا غالبية المصادر التاريخية حول سبب تسميتها بحصن الأكراد ومنهم ابن شداد، الذي يذكر الأمر على الشكل التالي (وأما حصن الأكراد فحكى منتجب الدين يحيى بن أبي طيء النجار الحلبي في تاريخه، في سبب نسبته إلى الأكراد: أن شبل الدولة نصر بن مرداس صاحب حلب وحمص أسكن فيه قوماً من الأكراد في سنة 422 هجرية، فَنُسب إليهم)”.
وأضاف، كذلك هو الحال بالنسبة للمصادر الرسمية السورية، التي تُرجع سبب تسمية هذا الحصن إلى تشييد القلعة الحالية على أنقاض حصن كُردي قديم، وهو بخلاف ما يعتقد البعض في أن سبب التسمية يعود لفترة حروب السلطان صلاح الدّين الأيّوبي، فبحسب ما ذكر ابن شداد تعود التسمية للعام (422 للهجرة) أي حوالي العام (1031 ميلادي) وهي الفترة التي تسبق بكثير حصار السلطان الأيّوبي للقلعة والذي كان في العام (1188 ميلادي).
هذه الدلالات، إنما هي مؤشرات حقيقية وواقعية على تواجد تواصل وتفاعل قوميات المنطقة وبالأخص الكُرد والعرب، حتى في العهد السابق للدولة الأيوبية، وهو أمرٌ يتم تغييبه عن القراءات التي تتم للتاريخ الخاص بشعوب المنطقة وانتشارها وعلاقاتها.
أحداث عظيمة
قلعة الحصن، وسط سوريا عاصرت العديد من الأحداث الهامة، وفي مقتطفات موجزة سنذكر أبرزها: إخفاق نور الدين الزنكي في عام 1163 في استرداد القلعة من الفرنجة، بعد التقائه بجيش الفرنجة في سهل البقيعة، ثم فشل مجددا بعد ثلاث سنوات من السيطرة عليها.
إلا أن القلعة بعد أربع سنوات، وبالتحديد في عام 1170 تعرضت لزلزال مدمر، أدى إلى تدمير أسوارها، لكن الفرنجة الذين كانوا يسيطرون عليها سرعان ما أعادوا بناء ما تدمر بما فيه إعادة بناء الكنيسة في ذات عام الزلزال.
الكنيسة: لا تعتبر الكنيسة الحالية في قلعة الحصن، هي القلعة الأساسية فيها، إذ أن القديمة قد تدمرت بفعل زلزال مدمر ضرب القلعة عام 1170 فيما تضم الكنيسة القديمة، المحراب وجزءا صغيرا من الجدار الجنوبي المتبقي من الكنيسة الأصلية. يشبه تصميم الكنيسة الحالية المعايير القديمة التي كانت متبعة في فرنسا ببناء الكنائس، ولكن رغم التشابه فإن بناء هذه الكنيسة يعود إلى حوالي سنة 1186.
صلاح الدين الأيوبي، كان له حضور أيضا في القلعة، إذ حاصرها عام 1188 لمدة شهر واحد، وذلك بعد انتصاره في معركة حطين الشهيرة، وجاء حصار الأيوبي للقلعة خلال الفترة التي يتوجه فيها جيشه نحو الساحل السوري، بهدف استعادته.
الظاهر بيبرس من جانبه، حاصر القلعة بدوره في عام 1270 إلا أنه اضطر إلى فك الحصار والعودة السريعة إلى مصر للتصدي لحملة الملك لويس التاسع، إلا أن ظاهر بيرس عاود محاصرة القلعة مجدداً بعد عام، لينجح في الثامن أبريل/نيسان من عام 1271 بتحرير القلعة.
وبعد تحريرها من قبل الظاهر بيبرس، أمر السلطان بتجديد ما تهدم من القلعة ووضعها في الخدمة وجعلها مركزاً لنائب السلطنة فقام المماليك خلال هذه الفترة بإضافة أبراج ومنشآت وعلى الأخص في الواجهة الجنوبية التي تم تدعيمها بواسطة برج الملك الظاهر بيبرس.
كذلك أضاف السلطان سيف الدين قلاوون برجا مستطيلا ضخما بارزا على الجهة الجنوبية للسور الخارجي ومؤرخ عام 1285م كما أضافوا الحمامات وبعض الأجزاء الأخرى كالجهة الشرقية الشمالية، وقام حاكمها الجديد صارم الدين قايمار بأعمال إصلاح النطاق تحت الإشراف المستمر للسلطان الملك الظاهر بيبرس.
أضرار حديثة
قلعة الحصن، كانت كذلك مسرحا للعمليات العسكرية خلال الثورة السورية، حيث أدت ضربات النظام السوري بما فيها الجوية لإحداث أضرارا فيها، وقد أفيد أن القلعة تعرضت للضرر في آب/اغسطس 2012 من خلال الاشتباكات الدائرة بين جيش النظام والمعارضة المسلحة، وقد سجل تضرر الكنيسة الصليبية فيها.
ورغم أن الواجهة الخارجية للقلعة ظلت محافظة على آثارها، إلا أن الأضرار التي لحقت بالأقواس العلوية من القلعة وكذلك ما أصابها من دمار في بنيتها الداخلية بقيت شواهد على المعارك التي دارت بين النظام السوري والمعارضة.
وبعد عامين من سيطرة المعارضة على القلعة، وفي آذار/مارس 2014 حشد النظام السوري قوات عسكرية كبيرة، اقتحمت منطقة القلعة، وسيطرت عليها.
الباحث بدر ملا رشيد قال، أن الإنسان يتأسف لما حل وحصل للآثار السورية عموماً، فقد عانت خلال سنوات الثورة من تدميرٍ وسرقةٍ ممنهجة، اشتركت العديد من الأطراف فيها وعلى رأسها النظام الذي قام باستهدافها بمختلف الأسلحة من عام 2012 إلى أن أعاد السيطرة عليها عام 2014.
المصدر، استطرد قائلا: “خلال سنوات الصراع حدثت عمليات نهبٍ مدمرة للآثار السورية ويظهر هذا الأمر من الكمية الضخمة للآثار السورية التي تم تهريبها للخارج وبيعها، بالإضافة إلى تقارير دولية مبنية على صور فضائية تظهر أن المواقع الآثارية في سوريا تنخرها الآلاف من الحفريات غير القانونية على نطاق مذهل، وفيما يخص النظام فتُذكر مئات القصص حول كيفية نهبه للآثار قبل الثورة، وبعدها زادت عملية النهب بالإضافة لما تعرضت له الآثار الوطنية من تدميرٍ ممنهج دون إظهار أدنى آيات الإحترام لما تمثله من رموزٍ إنسانية”.