«ورقة واحدة للشهرة، وورقة واحدة للثروة وواحدة لمحبٍّ مخلص»
ثلاث أمنيات في ثلاث ورقات لنبتة البرسيم، آمن بها الأيرلنديون للحصول على حظٍّ موفور أيَّان اتجهوا في هذا العالم، وهو ما حصل بالفعل لمارغريت ميتشيل، تشارلز ديكنز، جورج برناردشو، صموئيل بيكيت، جيمس أونيل، يوجين أونيل، وأونا أونيل.
عندما وُلِدَتْ أونا، أرسل والدها يوجين برقيةً إلى صديقه كينيث ماكغوان يخبره من خلالها بجنس المولود الجديد باللغة الغاليكية المميزة – ذاكراً كلمة لفظ الجلالة – الله – باللفظ العربي بالضبط، It’s a Goil, Allah be merciful
Goil تعني باللغة الغاليكية فتاة، وهي قريبة من اللفظ الإنكليزي Girl، ومعنى البرقية بالعربية:» إنها فتاة، لتكن رحيماً يا الله» – كتاب سيرة أونا أونيل تشابلن للمؤلفة والكاتبة المسرحية الأمريكية جين سكوفيل/ الجزء الرابع. سماها والدها يوجين أونيل وأمها أغنيس بولتون: (أونا) وهو اسم مشتق من اللغات القديمة، فأونا هو البديل لِ (أُونا) una الذي يعني باللاتينية العدد واحد. بينما يعتقد البعض أن أونا هي نسخة أنجليكانية من اسم جونو أو (يونو) الاسم اللاتيني لزوجة جوبيتر في الأساطير الرومانية (الذي يعني في أحد معانيه: محظوظ). على أي حال، كانت أونا محظوظةً بشكل أو بآخر، ومُلكيَّةً خاصةَ لحظٍّ لا يزاحمه حظ، فهي ابنة الكاتب المسرحي الأيرلندي الأمريكي الشهير يوجين أونيل والزوجة الرابعة لتشارلي تشابلن بعد كل من ميلدريد هاريس، لوليتا ماك موراي (ليتا غراي) بوليت غودارد!
في فيفاي سير كورسيه – سويسرا، عاشت أونا مع تشابلن اعتباراً من عام 1953 في منزلهما القريب من بحيرة جنيف أكثر من نصف حياتها التي انتهت بستة وستين عاماً، وأكثر من نصف تلك السنوات كانت زوجةَ تشارلي تشابلن بسبب نَسَبِها وزواجها. في أواخر ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، وصلت شهرة أونا أونيل ذروتها، على الشاشة الفضية. وعلى الرغم من الحلم الكبير الذي عاشته في سِنِيِّ مراهقتها، وهو أن تكمل مسيرة عائلتها الفنية التي بدأها جدها الوسيم جيمس أونيل ممثلاً مسرحياً مبدعاً، تَخلَّص من ثقل حذاء (البورغ) الأيرلندي على خشبة المسرح الأمريكي، وأبدع في معظم الأدوار الرئيسية التي أُسندت إليه، بينما قدَّم ابنه يوجين أونيل نصوصه المسرحية التي أوصلته إلى العالمية.
حاولت أونا جاهدةً أن تصل لذلك المستوى بلا جدوى، لكن الحظ الأيرلندي كان على موعد معها فَحَوَّل حُلُمَها إلى أميرة تشابلن، فقد كانت أميرةً يتصيدها المصورون الصحافيون، وشابًةً بجمالٍ صافٍ وشعرٍ أسود داكن وكونتراست بشرة ناصعة البياض، ووجه طفولي تزيِّنُهُ سُلطة نمش خفيف على جانبي أنف إلهي الأبعاد وعينين سوداوين تضجَّ أنوثةً وحضوراً، الشابة ذات الصوت الهادئ الذي ينساب بغنج الضحكات الخجولة الذي دخلت ذبذباته روح سيد المشهد الصامت في زمن الحربين.
تشابلن الذي اعتاد أن تصل أعماله حدود الكمال، كان محترفاً في اختيار زوجته الرابعة بعدما قدَّمَتْها له صديقته مينا واليس إبَّانَ بحثهِ عن شابّة موهوبة للقيام ببطولة أحد أفلامه، يكتب عن لقائه الأول بأونا: «وصلتُ مبكراً، وعند دخولي إلى غرفة الجلوس، اكتشفتُ شابةً جالسةً بمفردها بجوار الموقد تنتظر الآنسة واليس، قدَّمتُ نفسي قائلاً: لقد افترضتُ أنكِ الآنسة أونيل، فابتَسَمتْ ،وعلى عكس انطباعي المُسبَق، أدركتُ وقتها ماذا يعني الجمال المضيء عندما يكون وحيداً ولطيفاً وجذّاباً ـ كتاب تشارلي تشابلن- السيرة الذاتية. إلا أن زواجه الرابع من أونا، الذي يُعتَبر الأنجح، اصطدم بمحاكمات صعبة بما في ذلك دعوى «أُبُوَّة سيئة السمعة» رفعَتْها ضده زوجته الثانية لوليتا ماك موراي/ ليتا غراي، التي تزوجها عندما كانت في السادسة عشرة وأنجب منها طفلين، وفحوى الدعوى أن تشابلن أهمل طفليه ما تسبب في معاناتهما. بصبر وهدوء الشابة الأيرلندية سليلة العائلة الشهيرة المليئة بالخلافات والاختلافات، وقفت أونا إلى جانب سيد الأدوار الصامتة ومَنَحَتْهُ السَكينة والاستقرار. لأن «البداية من الصفر خير من الرجوع إليه».

تناقصتْ قوة تأثير تلك العاصفة بعد محاكمات وصحافيين وضجيج، ليقرر الاثنان البدء في تكوين عائلة مستقرة نظراً للتعقيدات التي رافقت نشأتهما، فوالد تشارلي كان مدمناً على الكحول الذي تسبب في وفاته في سن مبكرة، وفي شقاء والدته هانا هارييت تشابلن (المغنية والممثلة المسرحية) ثم وفاتها، أما والدها يوجين أونيل – وشأنه شأن معظم الأيرلنديين الذين قَدموا إلى الولايات المتحدة – فقد أدمن الكحول ولم يعرف الاستقرار حتى بعد زواجه الثالث من سكرتيرته كارلوتا مونتيري. التي وصفَتْ في إحدى شهاداتها يوجين أونيل: «لم أشعر يوماُ أنه أحبَّني، كان يحب البحر والمسرح.. فقط». قرر تشارلي وأونا بناء حياة أسرية سعيدة كَرَدَّة فعل على ماضٍ مضطرب، وبخبرة تشابلن الإنكليزي بِتَعَلُّق المرأة الأيرلندية بمفهوم العائلة التقليدي، وبتصميمه على قضاء سني النضوج في كنف عائلة تحمل اسمه وتَرِثُهُ، أنجبا ثمانية أولاد، ثلاثة ذكور وخمس إناث.
يذكر تشابلن في الفصل الأول من مذكراته أن «جده لأمه كان يدعى تشارلز هيل وكان إسكافياً أيرلندياً، أما جدته لأمه فكانت نصف غجرية، وكانت مادةً ثابتة للتَنَدُّر ولخجل العائلة، وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت جدته فخورةً بأن عائلتها دفعت إيجار الأرض التي كانت تُخَيِّم بها قبيلتها الغجرية».
سر تعَلُّق تشارلي تشابلن بايرلندا وبأونا أونيل
«الحياة مثل المسرحية لكنها دون بروفات، لذلك: غَنِّ، ابكِ، ارقص، اضحك وعِشها قبل أن يُسدَل الستار، وتبقى الصالة بلا تصفيق». كلمات رائد المشهد الصامت في السنوات الأخيرة من حياته، التي قالها في إحدى إجازاته الصيفية في بلدة ووترفيل الأيرلندية الهادئة والقريبة من ساحل خليج بالينسكاليغ جنوب غرب جمهورية أيرلندا، حيث اعتاد تشابلن وأونا وأولادهما قضاء عطلتهم الصيفية. وعلى الرغم من كونه ليس أيرلندياً، إلا أنه صوَّر الكثير من أعماله في أيرلندا وكان مُتَيَّماً بالاستعانة بممثلين أيرلنديين حتى قبل زواجه من أونا أونيل. منذ عدة سنوات صنع له الأيرلنديون في ووترفيل تمثالاً برونزياً، مصحوباً بلوحة تشكر تشابلن على حضوره المتكرر، بالإضافة إلى ذلك، ما تزال البلدة الصغيرة تقيم مهرجاناً سنوياً يحمل اسم «مهرجان تشابلن السينمائي» كذكرى لسنوات قضى فيها تشابلن وعائلته عطلتهم الصيفية هناك. لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما سرّ تَعَلُّق تشابلن بأيرلندا وبأونا أونيل؟
يذكر تشابلن في الفصل الأول من مذكراته أن «جده لأمه كان يدعى تشارلز هيل وكان إسكافياً أيرلندياً، أما جدته لأمه فكانت نصف غجرية، وكانت مادةً ثابتة للتَنَدُّر ولخجل العائلة، وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت جدته فخورةً بأن عائلتها دفعت إيجار الأرض التي كانت تُخَيِّم بها قبيلتها الغجرية». وهو ما يُفَسِّر مشاهده المتقنة عن المشردين والفقراء، ويعكس رشاقة حركاته وولَعَه بالرقص والموسيقى، فبالإضافة لكون أمه مغنيةً وممثلة مسرحية فقد ورث أيضاً جينات الغجر أخوال أمه.
من الطرافة بمكان، أن تشابلن لم يكن يحب الحيوانات لكنه أحبَّ الببغاء، – وهو ما شهد به ابنه الأكبر مايكل، فعلاقة تشابلن بالببغاء تعود إلى تكرار وحفظ الحوارات التي كانت والدته الممثلة المسرحية تكررها في منزلهم في لندن، بينما كانت تنظر إلى الشارع. ومع أن تشابلن عرف كيف يهرب من الحوار في مشاهده الصامتة، لكنه تكلم بصوت واضح في فيلمه الناطق «الديكتاتور العظيم». عاش الببغاء الذي أحبته أونا وأطفالها مُدلَّلاً في منزل فيفاي مُستَمِعاً ومُقلِّداً لصوت أونا وأولادها، فائزاً بتناغم العائلة وبحب سيدة الظل الصامت الطويل والرعاية التي أولتها له أنثى الحب الفطري، فكانت كنزاً لكل شيء حولها.
أونا الغَلَّةُ البرية الأيرلندية لحب ناضج، وناضح بالواقعية وبأربعة وعشرين عاماً مع زوجها في فيفاي، زَيَّنَها هدوء الفضة وأعوام تتباهى بها زوايا المكان، والأزرق المترامي بين لوزان وجنيف. أونا ضلعٌ وظلٌّ طويل في مثلث كلاسيكي لزوجين وثمانية أولاد. لكنها أيضاً حجر أساس لمتحف واستوديو أشرفت على إنجازهما، لخصّا مسيرة تشابلن وتجربته. أونا هو آخر اسم ختم به تشابلن حياته المثيرة وكتَبَهُ في مذكراته:» من حَظِّي أنّي زوج امرأة رائعة، وبِوِدِّي لو أستطيع أن أكتب عن هذا الموضوع، لكن الأمر يتعلق بالحب، والحب الكامل هو الأروع في العالم، لكنه الشيء الأكثر إثارةً للخيبة، لأنه أكثر مما يستطيع المرء أن يُعبِّر عنه. إنني إذ أعيش مع أونا، أكتشف بلا انقطاع جمال طبعِها، وحتى عندما تمشي أمامي على أرصفة فيفاي الضيقة بعنفوان بسيط، وقامة صغيرة مستقيمة تماماً، وشَعر أسود مُمَشَّطٌ بشكل أنيق إلى الخلف، تتدفق نحوي فجأةً موجةُ حبّ وإعجاب حين أفكر بكل ما تكون، وأُحِسُّ بغصَّة في حلقي».
كاتب سوري