سؤال المدينة هو الموضوع الذي يستشكله المهندس المعماري في هذا الكتاب، ليس من قبيل التنظير ولا من قبيل تأريخ مدرسي، بقدر ما يضعنا أمام ذواتنا للتفكير سوية حول المدينة. فالمدينة إذن أرشيف، مخزون في أمكنة مغلقة، أمكنة تحرسها السلطة، وعملية النظر في هذا الأرشيف هو تعرية لهذا الذي لا نفكر فيه.
ولأن اللامفكر فيه هو الجسر الذي يحمل الرغبة في طرحه مادام مروّجو الحداثة عندنا لا يرسمون سوى غرف للنوم وأخرى… وأخريات لأشياء ما. كما يروجون الآن وهنا مناقب الاستهلاك وحدود المدن ـ والمقابر، مثلما لا يستطيعون ركوب الخيار ورسم مدينة المستقبل وما إلى ذلك. ‘المدينة السعيدة’ كتاب لا يناقش هؤلاء وإنما يؤزم كل الفاعلين المتدخلين في المدينة من دولة ومواطنين وأحزاب ومجالس بلدية وجمعيات المجتمع المدني وغير ذلك. ربما، أن مساءلة المدينة هو إزعاج حقيقي لنا جميعا. من هنا كيف نفكر في المدينة؟ أليست المدينة سؤالا فلسفيا منذ الإغريق؟ أليست المدينة بوابة المعرفة والديمقراطية. وإن كانت كذلك فالباحث في المدينة السعيدة يستشكل موضوعه من فرضية: . وتفيد هذه الفرضية ما تواضع رجال السياسة في المغرب والتمدرس وما إلى ذلك، من وجهة نظر أن المطالبة بالحقوق لا تستقيم إلا داخل المدينة. المدينة التي نريد، المدينة التي يعيش أهلها في تناغم مع البنايات والمحيط، المدينة الكتاب المفتوح. أو الرواية المتدفقة كما يقول عبدالواحد متنصر- إنها مدينة الشاعر. مدينة الحلم. المدينة التي يكون فيها الخارج امتدادا للداخل. والسطحي العميق والجزئي للكلي، إنها عودة لألف ليلة وليلة. بما هي عشق للمغامرة وامتداد للحب، والعيش في تسامح. هذا التسامح الذي يجعلنا الآن نحفر في الذاكرة، كي نعيد لها حيويتها، من قبيل ما يتذكره المهدي أخريف.
في ذاك التناغم والتسامح الذي تظهره الوجوه الزيلاشية، من زيلاشيين يهود وإسبان. ألا تحيل الذاكرة للمرجع الرئيس في المدينة السعيدة؟ ألا تحيل السعادة إلى لاوعي ملغم بالأثر والنار، بالهدوء وبالأحلام؟ وهذا ما يعبر عنه المهدي أخريف.
2 ـ في نص الشاعر الذي يربط بين المكان والحياة، بين عمارة كارل فيك، والرؤيا، بين علاقته بالدار البيضاء كمكان للهروب، رفقة كتاب لازالت الأمكنة القريبة والبعيدة تلفظهم واحدا واحدا، كأن قدر المكان هو نسيان مريديه ومحتليه وقاطنيه. وهي الصورة التي عبر عنها السكان الجدد لبيت محمد زفزاف بأنهم لا يعرفونه. بل حتى الكرسي الذي كان يجلس عليه رفقة الجوماري بمقهى ماجستيك قد تغيّر، كأن المكان عبور، والعبور وقفة ستعيد للشاعر ململة ذاكرته من الطابق رفقة صديقه المهندس عبدالواحد منتصر. ربما أن الشاعر أعيته ثمالة المشي بين طرقات البيضاء، بين المعاريف ومرس السلطان حيث الأصدقاء يقومون بتحريره من وعكة مدينة أخرى. دون معرفته بالبيضاء. لأن المعرفة بها تبدأ من الطابق السابع ‘ Le colombier ‘ قد يكون الشاعر يبحث عن حمام يرسله إلى كارل فيك. هذه العمارة التي تحيل إلى الداخل الخارجي، إلى السطحي والعميق وبينهما يضيع المشروع بين إدارة وأخرى ليظل مشرعا في الطابق السابع. فالدار البيضاء لا تهم الشاعر، مثلما لا تهمه مدن أخرى كأن المدينة لا تحيا إلا من الذاكرة الطفولية أو أن الطفولة هي التي تبني المدينة، إنها لعبة البناء والهدم التي يمارسها الطفل حين بناء مسكن متخيل بالحجر أو على الورق. ليس التعبير على هذا الرفض للمدينة الكبرى هو هروب من الفيروس الكبير، وإنما هو تغيير عما تقدمه المدينة من عيش ممكن، هكذا يربط أخريف مدينة أصيلة بمدينة ‘بيسوا’. لا ندفع هذا التقابل إلى حدود التماهي وإنما هو حوار مفتوح بين الشاعر ومدينته. لأن خروج الشاعر من تلك المدينة هو العيش في السأم والرتابة وهي الصورة نفسها التي عبر عنها محمد شكري في علاقته بطنجة ومحمد زفزاف في علاقته بالبيضاء. ‘أصيلة مدينة على مقاسي. وهي بيتي الكبير، حميمية المكان وألفة الناس تناغم المدينة العتقة والمدينة’ الإسبانية ‘المجددة’ والدي ومرجعي البحر الأطلنتيكي. محيط المدينة الساحرة. ضواحيها ذات الطبيعة الخلابة، الإضافات والتحسينات المعمارية، الإصلاحات والترميمات الكبرى التي خضعت لها ولاتزال معالمها البرتغالية… ‘ ص57.
هكذا يهندس الشاعر المدينة، في تلك العلاقة الحميمة التي تربطه بوجوهها، بالوجوه التي تتكلم المدينة، وبالوجوه العابرة لها، من كتاب وشعراء، حفظت المدينة عبرهم في الحدائق وفي أزقتها…
كأن المدينة استيقظت معالمها في العبور الثقافي، أو ربما أن مهرجانها السنوي، أعاد للمدينة دفترها السحري، دفتر مفتوح للرسم والكتابة، لكن من أية وجهة نظر يمكننا ربط المدينة بالمستقبل؟ أو بالأحرى كيف نتحدث عن السعادة في المدينة؟ عن هذا السعيد المنفلت من الوجود والذكريات لا يتعلق الأمر بكلام شاعر يتبعه الغاوون، ولا بشهادة تعيد للطفل لعبه القديمة، ولا حتى الوقوف قبالة البحر لكتابة المدينة بالماء، وإنما في العلاقة بين شاعر ومهندس معماري، بين الشعري والمعماري …تلك هي إشكالية الكتاب أو هو السؤال الذي يلملم أعطابنا وحداثثنا المعطوبة.
3- سؤال الشعري والمعماري، في هذا الكتاب، لا يفهم منه ـ في نظرنا- سؤال يقيم الحدود بين تخصصين، بين مجالين معرفيين متباعدين بقدر ما يكون تبادلا وتزاوجا ممكنا في الطابق السابع من عمارة ‘ Le colombier ‘ كأن الرؤية من نافذة المكتب في ذاك الطابق هو ما يفيد البعد والقرب في الخيال، إن المهندس المعماري من قيمة ناحث كبير لتحفة وطنية كالتي أقامها في الرباط، ‘المكتبة الوطنية ‘ يضعنا أمام قلب الصور أعني القلب الذي يمارسه على ما ترسخ في واقعنا. في اليومي، أو ما يسميه بالعادي المحافظ على بلاغة الحداثة المعطوبة. قلب بمعنى المدينة، والمعمار والمهندس، وبالجملة يدخلنا هذا القلب في النظر إلى الداخل والخارج، إلى العمارة ككتاب مفتوح على المستقبل. إن هذا القلب، هو ما يعطي للمدينة القديمة بهاء أرحب، و ما يزيل عنها غبار الماضي الذي لم يتم الحسم فيه.
هكذا، يرميني هذا الكتاب، إلى كتاب جميل ‘مديح الظل’ لجوني شي روتانيزاكي’ و مرد هذا الإرجاع إشكالي، وذلك أن أساس العمارة اليابانية هو الظل الذي يعلي السري ويحجب العلني، إنه الموسيقى المصاحبة للطقوس اليابانية، والضوء القادم من الغرب والمزعج لحياة الياباني الحامل لظله، إذا كان هذا الياباني يؤسس فلسفة مدينته وعمارته على الظل، فإن عبدالواحد منتصر يدشن عمارته على الألفة والفرح والتناغم، تناغم يفيد الداخل والخارج الأرض والسماء، السطح والعمق كأنه يريد أن يبعد السأم عن عمارته، هذا لا يستقيم إلا بإعادة هندسة مدننا القديمة، بمعنى أن نفجر تلك القطيعة بين المدينة القديمة والجديدة.
وهو تفجير للمزاج والأعطاب وللنقل وما إلى ذلك…لكن هل بإمكاننا اليوم وقد أضحت أحياء مدننا ملوثة معماريا. إن هذا التلوث المعماري وهو يقدم بيوتا أشبه بالمعتقلات. والقاطن فيها معرض للتلف والضياع.
هل يمكن تصفية هذا التلوث من مدننا؟ بل هل نستطيع القيام بذلك دون فعل ثوري، أو ثورة ذهنية ومجالية، وذلك هو السؤال الإشكالي الذي يعلنه صاحب المدينة السعيدة وهو . وهو مشروع مفتوح لكل الحالمين بمغرب فرح، متسامح، بدون عنف، يكون الخارج امتدادا للداخل بأي معنى نقيس الفضاءات العمومية؟ ذلك هو السؤال الذي يشتغل عليه خيال المعماري، لا من جهة هندسته، هندسة تقنية، تبعد الإنسان عن ذاته. بل في عملية تداخل بنيوي يكون فيه الفضاء العمومي امتدادا للعمارة وهي في نظرنا مركز اهتمام صاحبه، اهتمام ينتج عن إعادة النظر في تصورنا للمدينة، كمدينة لا تؤدي إلى إخفاء الناس في مساكنهم.
ولا إلى إظهارهم ظهورا سورياليا، وإنما في إيجاد هارمونيا ممكنة بين الذاكرة والعمارة أليست العمارة ذاكرة؟ نحن هنا لا نريد إضافة شيء ما للمشروع المتكامل الذي يدافع عنه هذا المهندس الاستثنائي فيما يسميه المدينة السعيدة. ولا نريد ربط العمارة بالمكتوب الجاهلي والذي يتوقف عنده الشاعر العاشق ليتذكر ما انفلت منه في الصحراء، وإنها في ذلك الخيط الشفاف الذي يربط التقليد بالحداثة، الماضي بالحاضر… تلك هي إشكاليتنا بالأمس واليوم، قدرنا العيش وسطها ندور حولها دون خلخلة ذواتنا، وتعريتها من الفيروسات التي لحقت بها الآن وهنا، وإلا كيف نفهم، شراء مدننا القديمة بمراكش والصويرة؟ ألسيت العودة إلى تلك البيوت العتيقة هو إيقاظ ألف ليلة وليلة.
من حراسها المعطوبين، من السمسرة وأشياء أخرى…
إن مشروع عبدالواحد منتصر، هو الورد الذي نزرعه فيما تبقى لنا من أرض وبحر، هو ذاك المنفلت منهما، إنه المستقبل وقد اتخذ لنفسه شعرية معمارية، بل وقد وجد في معمارية الشعر جسرا للحلم والأمل، ألم أقل إن صاحب المدينة السعيدة مهندس استثنائي، أليس هذا الاستثناء هو تأزيم الفاعلين السياسيين والمعماريين والمواطنين والمثقفين، ولأنه كذلك، وجب وضع سؤالا سياسيا ومعماريا وفلسفيا. تلك هي المهمة التي تنتظر الجميع.
ـ عبد الواحد منتصر، ‘المدينة السعيدة’ أرشميديا، البيضاء 2012.
كاتب وباحث من المغرب