بيروت-“القدس العربي”: يبدو أن الحكواتي بدأ يحتل مكانة في بعض المجتمعات موقظاً فيها خيالاً يحتاج لينطلق بعد ما حدّته كثيراً موجة الشاشات على أنواعها. خالد نعنع شاب من فلسطين حملته الصدفة إلى عالم الحكواتيين، درسها ونال تشجيعاً وإجازة مرور من كبار في المهنة.
الحكواتي مهنة كادت تنقرض، لكنها اليوم في وضع انتعاش. المهم حسب خالد نعنع أن يكون الحكواتي حقيقياً رافضاً لشكل الأراكوز. هو نشيط يتنقل مع حكاياته في كافة المناطق، لكنّ للمهمشة منها في أجندته أولوية.
معه هذا الحوار:
*كحكواتي هل لشهر رمضان خصوصيته بالنسبة لك؟
**ليس منذ زمن بعيد والناس يربطون بين شهر رمضان والحكواتي. في تقديري هذا ناتج من هالة روحانية واجتماعية يمثلها الحكواتي في وجدانهم. العلاقات الاجتماعية تزداد في رمضان، ويشكل الحكواتي أحد وسائل ذاك التواصل. فهو صلة الوصل بين هؤلاء الناس وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم.
*هذا يعني أنك تتلقى مزيداً من الطلب في رمضان فهل من شروط لصاحب الدعوة؟
**لنقل مطالب. لكنني عنيد فيما أريد. لم اجتهد لإكتساب هويتي كي أرضخ لمطالب غير موضوعية. يريدون الحكواتي مرتدياً زيه التراثي، يتأبط عصا، يجلس بهيبة على كرسي مستعداً لإلتقاط الصور. إنها مطالب المطاعم والمقاهي. يتراجعون عندما يعرفون أن الحكواتي سيظهر كما هو في الحياة. إذاً الاهتمام هو في شكل الحكاية وليس مضمونها. انسحب سريعاً عندما ألمس أن المطلوب هو “أراكوز” ليتصور الزبائن معه وليس حكواتياً. فيما هدفي أن يسمعني الناس.
*وهل الدعوات كثيرة؟
**أحرص على الاختيار، فلرمضان خاصيته مع عائلتي. لها مني يومان أو ثلاثة في الأسبوع. ولأن الحكواتي مهنتي ليس لي رفض كافة العروض. فحضوري مع البعض إضافة. وأحرص على الحضور في أماكن لم يسبق أن زرتها. وعندما لا أتمكن مباشرة أنقل العرض لحكواتيين آخرين، خاصة الأمكنة البعيدة عن بيروت. فقد أسست تجمعاً للحكواتيين عبر فيسبوك ولدي كافة هواتف الزملاء.
*لنسألك عن رغباتك والدعوة التي تحرص على تلبيتها؟
**أشعر بحاجة الأماكن المهمشة للحكواتي ويسعدني تلبية تلك الدعوات. فالمثقف يبحث عن عروض الثقافة، هي كثيرة ويقصدها. خلال رمضان لبيت دعوة في بلدة عربصاليم في الجنوب، وأعتبره من أروع العروض في حياتي. الحضور كبير، وفي مقهى يمنع فيه تدخين، وكان تحدياً حضور أكثر من 100 شخص.
*هل لرمضان حكاياته الخاصة؟
**لا. فأنا حكواتي ولست واعظاً. تتخلل حكاياتي روحانيات غير حصرية برمضان، وقد تُحكى في عيد الميلاد أيضاً. هذا رأيي الشخصي وربما يختلف معي حكواتي آخر.
*وهل للمكان خصوصيته في الحكاية؟
**طبعاً. أرسم لنفسي خطوطاً لا أحيد عنها والهدف الحفاظ على مشاعر الجمهور. مثال على ذلك “يسأل الملك إن كانت تلك السمكة أنثى أم ذكراً؟ يجيب الصياد بعد أن تناديه زوجته وتسرُّ في أذنه: يا جلالة الملك هذه السمكة شَكَر لا أنثى ولا دكر”. هذا جزء من حكاية أرويه في مجتمع منفتح ومثقف نوعاً ما. بدون شك احترم المجتمع في أدق التفاصيل سواء كان محافظاً أو منفتحاً، وأتجنب أي كلمة تجرح الأذن، وكل ما له علاقة بالدين.
*غالباً أنت حيال حكايات من التراث الوثيق الصلة بمنطقتنا الإسلامية. كيف تتجنب وصمات التكفير؟
**التراث ليس جامداً. كي نحافظ على تراثنا يجب تقديمه بحداثة ومرونة تناسب الجمهور. ذكاء الحكواتي يلعب دوره كي لا يُحَمّل ما لا تُحمد عقباه في مجتمعاتنا.
*خارج إطار رمضان هل عادت الحكاية للازدهار؟
**نعم وبقوة. في لبنان مهرجانان أو ثلاثة سنوياً للحكايات. وعت المدارس أهمية الحكواتي في تنمية الأطفال وبعضهم يطلب منا تدريباً للمعلمين والمعلمات. كذلك يجتمع التلاميذ في ورشات عمل لتخيل الحكاية. الوعي يتنامى بسرعة لدور الحكواتي. وهذا ليس حكراً على المدارس الخاصة بل الاهتمام موجود لدى المدارس الرسمية.
*هل تلتزم الزي التراثي دائما كلباس؟
**نعم لأنني أشعر بأن الحكاية تراث. أرغب في أن يرى الطفل إلى جانب سماع الحكاية نفحة من التراث. أحضّر عباءاتي وأخيطها لدى خياط خاص وبكلفة لا بأس بها. وفي الوقت عينه أترك الجينز ظاهراً، فينتقدني البعض. في رأيي يجب على الجيل الحالي أن يرى حقيقتي وما أمثله معاً. وفي حكاياتي على الدوام جزء حديث، أربط اللحظة بما هو واقعي أو بحادثة مرّت في حياتي.
*ماذا عن زياراتك لمنازل مخيم برج البراجنة برفقة عدد من الأطفال؟
**هو مشروع نفذته بالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت. رافقت حوالي 15 طفلاً من مخيم برج البراجنة في زيارات لمنازل كبار السن. ولم نكن نغادر المنزل حتى سماع حكاية. شجعناهم لحك أدمغتهم، وسمعنا منهم حكايات من آبائهم وامهاتهم أو أجدادهم. أثمرت الزيارات كتاباً وجد انتقادات من نوع “بدل الاهتمام بقضايا شعبك توجه اهتمامك لقصص التخريف والهبل؟”.
*لماذا هذا النقد القاسي؟
**للأسف حوصرنا كشعب فلسطيني بالمقاومة والنكبة والمجازر. بالتأكيد سنقاوم حتى استرداد وطننا كاملاً، وفي الوقت نفسه لدينا تراث ثقافي من واجبنا حمايته كي لا يسرقه المحتل كما سرق أرضنا. المهم أن الهدف من تلك الزيارات تحقق، وسمع الأطفال المشاركون في الجولة في المخيم حكايات كبار السن، ولم يكن الهدف الحصول على حكاية ثابتة. وما حصل أن كبار السن وجدوا من يوقظ ذاكرتهم لتنطلق منها حكايات يجب أن لا تندثر. ومن هؤلاء المسنين أخدنا الكثير من الحكم كمثل قول أحداهن التي أعادتنا إلى منزلها لثلاث مرّات متتالية تبعاً لنشاط ذاكرتها، ولتخبرنا أجمل القصص. وعندما سألناها لماذا نسيت تلك القصص؟ قالت: “نسيتها لأن بطل حدا يسمع”.
*هل وجدت ما يجمع بين تلك الحكايات؟
**أبداً. سكان المخيم ينتمون لمناطق متعددة من فلسطين. وحكايات المسنين ترتبط بحياتهم وبيئتهم من اجتماع واقتصاد وسياسة. يميل سكان الساحل لحكايات البحر والصيد. وسكان الداخل تنبعث حكاياتهم من حياة الزراعة وآبار المياه. الحكاية ابنة بيئتها وتدلنا على شكل العيش في زمن محدد.
*هل ثمة فرق بين حكايات الجدّات المعاصرات عبر كتاب وصورة وحكايات التراث من جدّات أيام زمان؟
**قراءة القصة من خلال كتاب تساعد في تعليم الطفل بعض المبادئ ومن خلال الواقع، وهذا يتم على حساب الخيال.
*هل تستفيد من دفق الكتب المخصصة للأطفال؟
**بالطبع لا أستخدم الكتاب خلال مهمتي كحكواتي، لكنني مُعجب ببعض من يكتبن للأطفال منهن رانيا زغير، وفاطمة شرف الدين وسمر محفوظ برّاج. عندما أرغب في قصص حديثة فحكاياتهن ستكون بينها. ولا شك بأنني أضيف لها مزيداً من الخيال كي لا أصبح قارئاً، مع اعطاء الكاتب حقه الطبيعي. بعض الكتّاب يتصلون طالبين أن لا أحكي كتبهم. وحدث في أحد معارض الكتب في أبو ظبي أن حكيت “حذاء الطنبوري” لفاطمة شرف الدين وأخبرت الصغار أنها موجودة في المعرض وأنني أضفت. سجل الكتاب أعلى رقم مبيعات من فئته. وفي الوقت عينه أتفهم موقف الكُتّاب من المدارس التي تخصص الحكواتي ببدل أتعاب وتمنعه عن كاتب القصص، وهو حقه.
*وكيف أتقنت فن الحكواتي؟
**درست اختصاص التربية. الصدفة جمعتني بحكواتيين فرنسيين في لبنان، فترجمت حكاياتهم مباشرة للأطفال متطوعاً بهدف تقوية لغتي الفرنسية. تخلف أحدهم عن الحضور فعرضوا أن أتولّى دوره، فوافقت. كانوا بصدد عروض في مخيم البدّاوي ومن ثم انتقلوا لأكثر من مكان بين بيروت والشمال. ثمّ دُعيت لتقديم العرض في فرنسا. وهناك ولد مشروع جديد وكبير هدف للعمل مع ممثلين من لبنان وفلسطين وفرنسا بالطبع، وتمّ اختياري بعد كاستينغ. في عام 2004 خضعنا لورشات عمل وتدريب مكثفة ليل نهار. وفي 2005 قدمنا عرضاً في باريس. وفي عام 2007 التحقت بدورة تدريب للحكواتيين من تنظيم وزارة الثقافة اللبنانية أدارها أهم الحكواتيين اللبناني جهاد درويش. وجدت منه التشجيع الكبير للمتابعة. ووضعني أمام الأمر الواقع حين أدرج اسمي كحكواتي في أحد المهرجانات. وكانت أولى تجاربي الاحترافية في مهرجانين حشدا المئات في مخيم برج البراجنة والهرمل. من حينها وعملي متواصل بدعم المتلقين وتشجيعهم. ومن حينها أتابع تطوير نفسي تدريباً، قراءة وتفاعلا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصارت لي شخصيتي كحكواتي. سنة 2014 عدت للدراسة الجامعية في اختصاص الاتصال والتواصل الثقافي. كافة مشاريعي في الجامعة انطلقت من الحكاية وتوظيفها، واستخدام الفن والحكاية في التربية والتحفيز على المشاركة. استمتع الأطفال كثيراً في إحدى المدارس رغم أن المعلمة حذرتني من أنهم لن يتجاوبوا. رأت بأم العين كيف لها تدريس مادة التعبير باستفزاز خيال الطفل.
*كيف للحكواتي أن يطور ذاته؟
**بالعمل على حكايات جديدة بشكل دائم. ليس للحكواتي أن يستمر على مجموعة حكايات لا تتبدل، خاصة وأن بعضاً من جمهوره يتبعه من مكان لآخر. عندما كنت في عربصاليم قال لي أحدهم “ما تحكي اليوم جرادة وعصفور دخيلك بحبا بس بدي أسمع شي جديد”. وعدد لي الأماكن التي سمعها مني.
*أنت شخصياً هل تستمتع بالحكايات؟
**كثيراً. وبالعودة إلى تطوير النفس لا يجب أن أقول أنني حكواتي ولا مثيل لي. فأنا أتعلم من الأطفال ومن الجمهور. في لقاء مكتبة الحلبي روى لي أحدهم حكاية جميلة للغاية. استأذنته أن أحكيها فردّ ولهذا الهدف حكيتها لك.
*كيف تشتغل على حكاية مماثلة؟
**أحكيها مرات ومرات بصوت مسموع عبر قراءتها مطبوعة. وفي كل مرّة أسجلها لمعرفة التطور الذي حققته.
*هل نقول إن الحكواتي بات معروفاً في حدود ما؟
**بدأ دورنا يجد مكاناً نعم. التحدي في جذب الجمهور ليسمعنا. وبمجرد جذبه سيعلق ويتعلق بنا. صورة الحكواتي الذي يقرأ من الكتاب ويتسمر على الكرسي ويطيل الشرح، غير حقيقية. ومن يحضر عرض الحكواتي الحقيقي حكماً سيعلق.